حديقة السيقان والبتر في الغد الغزّي| نسب أديب حسين

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تطلّعتُ منذ صدور حديقة السيقان عام 2021 إلى قراءتها، إذ طالما أعجبتني مقالات ومنشورات الكاتب محمود جودة، وتساءلتُ كيف سيكون إبداعه في مجال الرواية. ازداد اهتمامي بالرواية بعد كاتبها الغزيّ خلال معرض فلسطين للكتاب في رام الله، مع حصول مجموعة من أدباء غزة على التصاريح للحضور إلى الضفة.  

شرعتُ بالقراءة وسرعان ما وجدتني بين بعض الفصول والقصص، أطالع ملامح وجع شديد جعلني أمضي إلى استراحة، حتّى أعود إليها من جديد. ومع نهايتها وجدتُ حملا من الحزن يثقل روحي، والعنوان الذي ظننته رمزيًا، وجدته مقصودًا بشكل فعلي في الرواية. استعدتُ ملامح محمود وروحه التي تبدو فيها بعض الفكاهة، وفكرتُ بكم الألم الذي يعيشه بنفسه عبر يوميات القطاع، وذاك الذي عاشه وهو يجري المقابلات لأجل الكتابة عن هذه القضية.

إذ يأخذنا محمود جودة بروايته إلى مسيرات العودة في غزة عام 2018، وأبعادها وهي التي بدأت كمظاهرات سلميّة، تمّ تسيسها، ممّا أدى إلى استغلال الاحتلال هذا كحجّة، ليقنص قناصته المتظاهرين، فاستشهد العشرات وأصيب المئات. يتناول جودة هذه القضية بجوانبها المتعددة، مسلّطا الضوء بقوّة على المصابين المتعرضين لقطع أطرافهم، ناقلا قصصهم التي صرّح أنّها حقيقيّة في لقاء صحفي معه.

عبر شخصية كاتب يتخذ مكانة الراوي في الرواية، يستعرض جودة القصص، ليظهر بطله مهتما بالموضوع، بسبب صديق له يصرّ على اصطحابه إلى مظاهرة، ومن هناك تبدأ شخصية الكاتب بالاهتمام بقصص المبتورين، فيلتقيهم ويسألهم عن قصصهم، كيفما تجوّل في مدار حياته اليومية. 

يجعلك الكاتب في روايته تتطلع على الكثير من التفاصيل عبر قصص المصابين كيف وصلوا إلى المسيرات ماذا شعروا؟ وكيف أصيبوا سواءً كانوا قريبين من السلك أم بعيدين في موقع يظنون انّهم في مأمن فيه. وإذا ما دار في خلدك تساؤل لماذا استمر الناس بالتوجه إلى الجدار الفاصل، رغم معرفتهم بما تعرض له الكثيرون من قنص أدى إلى قطع السيقان، فتجيبك الرواية عن هذا، عن الفضول والملل وإنعدام الأفق الذي يحيط بالشباب الغزاوي، مقابل قوّة الدفع والأمل الذي يداخل القلوب مع الوصول إلى منطقة المسيرات.

ومن أفضل ما جاء في الرواية معبّرًا عن واقع الشباب الغزي، الذي لا يجد وظيفة يعمل بها، وتمرّ أيامه دون جديد، هذه الفقرة في ص156 على لسان أحد أبطالها "كانت حياتنا مزيدا من التّكرار الذي دفع البعض إلى الانتحار وإدمان المخدرات في سبيل التغيير، لم نكن نعرف أنّنا نعيش وتتبدّل علينا الأيام إلا من شكل طلوع الشمس ومغيبها، حتّى حكايات الأصدقاء أضحت مملّة ومكرّرة، لقد حفظنا حكايات بعضنا من فرط ما كررناها!...

هنا على السياج لا شيء مكرّر، حتّى الغاز المسيل للدموع كل مرّة برائحة مختلفة، سحابات من الدخان الأسود الكثيف إصابات متعددة، .... أعراس تقام بغير موعد، وحفلات سمَر، ومواعدة بين حبيبين ضاقت عليهم المدينة بما فيها من عادات وموانع، هنا يوجد طعام ريفي، وسجائر يدفع ثمنها من أصبح يستفيد من المظاهرات! ونزهة، ومصادفات كثيرة تجمعك بوجوه لم تلتق بها منذ سنوات، وفرصة للفقراء بخلع السلك الشائك وبيعه، هذا السلك الشائك يا صديقي الذي يحول بيننا وبين حياة خلفه نحلم بربعها، خلفه يحيا أناسٌ حياة طبيعية جدا تأتي فيها الكهرباء أربعة وعشرين ساعة، يستحمون بشكل يومي، يشاهدون التلفاز، ينامون دون أيّ أحلام مزعجة ويستيقظون في الصباح إلى أعمالهم."

تزوّدنا الرواية بالكثير من المعلومات عمّن تعرضوا لبتر أطرافهم لتكون توثيقيّة، وهذا جهد للكاتب يستحق التقدير عليه. وبحسب إحصائية الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني عام 2021، فإن عدد ذوي الإعاقة في قطاع غزة يصل إلى 130 ألف حالة، يشكلون 2.4% من مجمل السكان.

في الوقت عينه فإنّ السعي لنقل كلّ هذه القصص من خلال رواية واحدة، جاء في بعض المواقع على حساب البنية الروائية، بحيث أنّ عرض البطل لقصص المصابين في كافة تحركاته، حتّى وإن كان يفكر في مصاب فينتقل مباشرة إلى قصة مصاب آخر، تُشعرنا أحيانا بالتقريرية، وفي أحيانٍ الأخرى غاب المنطق في شخصية البطل. بالذات ما بدا في قصة البطل الشخصية عندما أصيبت ابنة عمّه فلم نعرف ما نوع إصابتها، وصرّح لصديقه أنّه كان ينوي الزواج بها. وعند معرفته بإصابتها توجه إلى المشفى وبقي هناك حتى انتهت العملية الجراحية، لكنّه لم يقابلها لعدم السماح للرجال بدخول قسم النساء، ودبّر لها أمر السفر خارج القطاع حيث يقطن والدها دون يودعها. دون الدخول في تفاصيل مشاعره وهو المفروض أنّه أحبّها وفكّر الزواج بها، ومع إصابتها عدل عن الفكرة، دون إعطاء الحادثة حقّها من المشاعر والحوار الداخلي، الذي رأيناه في مقابلاته مع شخصيات عامّة تعرّف عليها، وتأثّره بمعاناتها فلم نشهد هذا التأثر والحزن على قصته الشخصية.

حديقة السيقان هي رواية الوجع الغزي، رواية حاضر وغدٍ مبتور يسير على ساق واحدة، ويرزح تحت وجع لا يغيب وتهديد دائم لقطع مسار السير، غدٌ يعمل الكاتب على رشقه بعطر أمل، بحيث يزرع الزهور فوق السيقان المبتورة ويخالها تتحد ذات يوم لتمزق السلك والحاجز. يستحق الكاتب محمود جودة التقدير على مجهوده الكبير لإنجازه هذه الرواية، التي توضّح لنا بصورة مجهرية تأثيرات مسيرات العودة على شباب وشابات غزّة، وتطلّ علينا في بعض المشاهد على تفاصيل من الحياة الغزيّة وقضاياها، يحجبها الحصار عن باقي المناطق الفلسطينية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين