العمّة نعيمة.. حارسة القبو الثقافي
الزمان: ستينات القرن الهارب.
المكان: عمارة فخمة للعمّ سليم سليمان الصباغ (أبو نسيم).. وتقع على مسافة مائة متر جنوبي عين العذراء.. وفي الطابق الأول من هذه العمارة حانوت تزينه لافتة كتب عليها: "صالون حلاقة لصاحبه أبو فتحي الصفدي".. وأمام الصالون المتواضع.. يجلس سهيل نصار (أبو نادر) مدير مكتب "الاتحاد" وحادي مظاهرات أول أيار!
العمّة نعيمة أخت العمّ سليم.. جارة الرضا.. وجارة صالون الحلاقة.. وحارسة الابتسامات على شفاه الصغار.
امرأة طيبة بلغت من العمر عتيّا.. شعر أبيض كالثلج يتوّج رأسها.. يدان ترتجفان.. تسير بخُطى وئيدة ومتثاقلة.. تحمل على ظهرها حدبة صغيرة.. ولم يرزقها الله في شبابها بابن الحلال.. أو ربما رزقها ولم يكن هنالك "نصيب" كما يقول العالمون في الأسرار علم اليقين!
تطلب العمّة نعيمة من عبد الله الفتى أن يساعدها في قضاء حوائجها.. فحانوت السمانة لصاحبه توفيق موسى خميس (أبو زهير) يجاور صالون الحلاقة.. والسوق قريبة.. وأنت يا عبد الله فتى نشيط "هميم".. ذو همّة ونخوة.. تساعد الجيران في قضاء الحاجات الصغيرة.. ولهذا فأنت تحتلّ مكانًا عزيزًا في قلوبهم وقلوب أبنائهم وبناتهم.. أنت ابن لهم..
**
-
خالتي نعيمة.. لقد سمعت عن مكتبة الأستاذ نعمة الصباغ.. والمكتبة مختبئة في مكان ما في إحدى غرف البيت من هذه العمارة. فكيف الوصول إليها؟ وهل تسمحين لي أن أستعير بعضًا من "الخيرات" التي تركها الأستاذ نعمة الصباغ؟
-
تكرم يا حبيبي!
تقول العمّة نعيمة للفتى عبد الله الطموح.
-
افتح يا سمسم.. فتفتح بوابة الكنز!
نسير معًا في الطريق المعتم.. نقف أمام قبو تحت الأرض.. وعلى بابه شبكة هندسية مرسومة بإتقان.. وذات خيوط رفيعة.. إنها بيت عنكبوت!
افتح يا سمسم!
يفتح باب "الكنز" الأدبي!
تتكشف أمام عبد الله أكوام من الكتب المبعثرة على الأرض.. ويلمح حيطانًا ورفوفًا تكتظ بالكتب.. غطتها طبقة كثيفة من غبار السنين.. فتبرق عيناه فرحًا.. وتتفجر ينابيع الشوق والفضول..
-
أنا أعرف أنك تحب مطالعة الكتب العربية.. هذه الغرفة تحت تصرفك.. خذ كتابًا واقرأه ثم أعده وخذ غيره..
هذه مكتبة أخي.. المرحوم الأستاذ نعمة الصباغ.. مربّي الأجيال وعلم من أعلام الثقافة في فلسطين! وهل هنالك إنسان في فلسطين لا يعرف أخي الأستاذ نعمة سليمان الصباغ.. مربّي الأجيال!؟
ألم تسمع به!؟
أنت تذكّرني بأخي.. كان معلمًا كبيرًا للغة العربية.. وكان شاعرًا.. معظم معلميك تخرجوا من معطف أخي نعمة الصباغ.. ألف رحمة عليه..
-
رحم الله الأستاذ نعمة سليمان الصباغ.. مربّي الأجيال.. وشكرًا أيتها العمّة الطيبة..
-
يعبّ يعبّ.. فلا يرتوي.. ويتحول الكمّ إلى كيف
يقتحم عبد الله الغابة من أوسع أبوابها.. ويتوغّل في مناجمها!
ويعبّ من نبع المعرفة.. يعبّ يعبّ ولا يرتوي ولا يتعب.. يقرأ العديد العديد من هذه الأكوام.. ويفتح النهم أبوابه على مصاريعها.. فيبلي بلاء حسنًا.. يفهم بعضها ولا يفهم البعض الآخر.. فلم يكن ما لديه من عمر وعلم وثقافة وتجربة حياتية.. كافيًا ليفهم بعض ما يقرأ.. غير أن ثروته اللغوية والمعرفية وما قرأه من العديد من الكتب والمجلات والصحف اليومية والأسبوعية كان كافيًا ليفهم البعض الآخر من الكتب.. ولا سيما الكتب التي تختص بالأدب العربي من رواية وقصة قصيرة وشعر.. وكان ما يعلق في ذهنه كافيًا لأن يزيده علمًا ومعرفة ويوسع آفاقه الثقافية.. وكان يقول في نفسه "أن أستوعب من الكتاب عشرة بالمائة.. أفضل من لا شيء.. وأعتبر هذا مكسبًا عظيمًا!".
وإذا تراكمت هذه "العشرات" القليلة.. تحولت الكمّيات الصغير إلى كمّ كبير.. ثم يدور دولاب الزمن.. ويتابع التاريخ مسيرته.. فيتحول الكمّ الكبير إلى كيف.. وتتسع آفاق الثقافة والمعرفة.. وتشرق دنيا عبد الله الثقافية ..
**
أتوغل في شِعاب هذا المنجم الثقافي.. فتتفتح أمامي عوالم سحرية تحلّق في سمائها الفراشات الملوّنة وعصافير اللغة العربية الساحرة..
تتفتح الشهية.. ويزيد الشوق لغزو الجزر الجميلة.. واكتشاف الثروات المختبئة في مناجمها وغاباتها..
وتزداد الثروة الأدبية والمعرفية.. ويزداد الوزن النوعي.. وتتبلور الشخصية الثقافية..
رحم الله المعلم نعمة الصباغ الذي سمعت عنه من تلاميذه.. أساتذتي.. وتمنيت لو رجع دولاب الزمن إلى وراء.. لأكون أحد تلاميذه.. وأتخرّج من معطفه..
-
نعمة الصباغ في معجم البابطين ذي الخبر اليقين
ثم ركبت البحر.. وأقلعت من شواطئ الفضول وعشق المعرفة.. ورحت أطوف في محيطات "جوجل" بحثًا عن معلم الأجيال.. "نعمة الصباغ".. وفي إحدى الغابات البابطينية.. عثرت على المنجم.. فوجدت الكنز!
**
ولد في مدينة الناصرة عام 1886
أنهى الرجل دراسته الابتدائية في مدرسة البروتستانت في الناصرة ثم انتسب للسمينار الروسي ونال شهادته عام 1904. بعد تخرجه عُيّن مديرًا للمدرسة الروسية الابتدائية في بلدة منارا في جهات عكار بلبنان، وأمضى فيها خمس سنوات. ثم انتقل إلى مدرسة كسبا جهة الكورة بلبنان ثم مدرسة أميون وبقي فيها لعام 1914. في عام 1918 عاد إلى الناصرة فعُيّن مديرًا للمدرسة الأرثوذكسية، وفي عام 1921 التحق بإدارة المعارف في حكومة فلسطين، ثم عُيّن مديرًا للمدرسة الأميرية في شفاعمرو، ثم في بيت لحم ثم في المدرسة الثانوية بالناصرة. وفي عام 1941 أحيل على المعاش. في عام 1945 عين مديرًا لمدرسة الكاثوليك الأسقفية وكلية البنات لراهبات الناصرة في حيفا، وظلّ يعمل فيها حتى عام 1948 حيث هاجر إلى لبنان وتولّى إدارة القسم العربي في ثانوية بشمزين بالكورة. وفي عام 1951 عُيّن أستاذًا للأدب العربي في كلية طرابلس الشام مدة اثني عشر عامًا. كتب الأستاذ صباغ الشعر ونشره في عدة مجلات عربية ومجلات المهجر في الأرجنتين ونيويورك ويمتاز شعره بالعذوبة.
رحل عن هذا العالم عام 1971 في بيروت.
(معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين)
-
لمثل هؤلاء الرجال.. تنصب التماثيل
رحم الله العمّة نعيمة الصباغ التي فتحت أمامي شرفات المعرفة ومنحتني فرصة الإبحار في محيطات هذه الثروة الثقافية..
ولن أحدثكم عن المصير الذي آلت إليه هذه الثروة.. من غريق وحريق أودى بالأخضر واليابس.. فأقل ما يقال في هذا المشهد التراجيدي: إنها مجزرة ثقافية!
رحم الله العمّ سليم سليمان الصباغ (أبو نسيم) الذي كان بمقام الأب العطوف.. والذي ساعد والدي مساعدة لن أنساها ما حييت..
ورحم الله الأستاذ نعمة الصباغ علمًا من أعلام اللغة العربية.. وقامة تربوية شاهقة تخرّجت من معطفها الأجيال.
فلمثل هذه الرموز الثقافية.. تنصب التماثيل!
**
(من كتاب- جداريات نصراوية- شرفات على الزمن الجميل)



.png)

.png)






.png)
