خلال جولته الأخيرة في النقب، تحت عنوان "التصدي لتزايد الجريمة في المنطقة"، وقف نفتالي بينيت مع وزرائه، إلى جانب مفوض الشرطة العام، وقائد ما يسمى "حرس الحدود"، وقائد المنطقة الجنوبية في الشرطة، على تلة مشرفة على مدينة رهط، فيما سماه مكتبه "‘رصد عملياتي"، وفي لغة تحمل النبرة العسكرية العدوانية تجاه عرب النقب، أعلن :"لقد انتقنلنا من الدفاع إلى الهجوم".
رئيس حكومة يزور مقر العمليات العسكرية المركزية في تلة مشرفة على منطقة العدو، حيث يوجه التعليمات الحربية ويعلن عن تصعيد تكتيكي في المعركة ضد "الميليشيات التي تعمل كما في الغرب المتوحش"، كما قال بالحرف في حديثه عن عرب النقب. ليس هذا الخطاب غريبًا عن الخطاب المتوارث لحكومات إسرائيل المتعاقبة عن النقب وسكانها العرب الأصليين، وليس بالتأكيد مستغربًا من بينيت الذي كان يزاود على نتنياهو في دعواته التهويدية والترانسفيرية في النقب. هذا الخطاب هو تعبير عن التوجه العام والمؤَيد بالممارسة الفعلية والمخططات المعلنة لهذه الحكومة الذاهبة إلى تصعيد حرب التهويد والترانسفير ونهب الأرض في النقب.
المستغرب والمستهجن والمستنكر هو شراكة القائمة العربية الموحدة التي وصلت إلى الكنيست بأصوات عرب النقب أيضا، في هذه الحكومة ودعم مخططاتها، والتي لا تصمت فقط على هذا الخطاب والممارسات والمخططات، بل تدعم وتُصفق، وتصورها بوقاحة منقطعة النظير، على أنها "إنجازات". وإذا لم تكف كمية الوقاحة في هذا الوصف والتغطية الخطابية على مخططات خطيرة، زادت عليه وصف "الانجازات التي تُعزز صمود أهلنا في النقب"، كما يرد في بيانتها الدعائية لسياسة حكومة بينيت وشاكيد في النقب.
خلال جولة بينيت في النقب، وقبل الذهاب إلى التلة المشرفة على منطقة الـ"عدو" في رهط للقيام بـ"رصده العملياتي"، عقد بينيت اجتماعًا مع رؤساء السلطات المحلية اليهود، وقال لهم إن الحكومة ملتزمة بمعالجة الجريمة في المنطقة و"تعزيز سلطة الحكم هناك" -ويقصد بالطبع سلطة حكم الدولة اليهودية-. وقال: "رسالتنا لأهل الجنوب: نحن هنا، نحن معكم، ولن نستسلم"، -يقصد بالطبع أهل الجنوب من اليهود-. وأضاف "سنواصل العمل حتى نعيد الأمان والشعور بالأمن لسكان الجنوب"-يقصد بالطبع سكان الجنوب من اليهود-. فحينما يتكلم بينيت عن "إعادة الأمن إلى النقب" فهو يقصد "أمن المواطنين اليهود"، نظرًا لسجل تصريحاته الحافل بتصوير السكان العرب في النقب على أنهم يشكلون خطرًا على أمن المواطن اليهودي في البلدات اليهودية المجاورة. فالعُنف والجريمة في المجتمع العربي لا يعني له ولحكومته شيئًا، ولا يستحق أن يُعلن عن معركة ضده، إلا إذا كانت الجريمة تمس بأمن المواطنين اليهود، وتحت غطاء هذه المعركة المصورة على أنها معركة ضد العنف والجريمة تُمرر الممارسات والمخططات الترانسفيرية والتهويدية بحق عرب النقب، وتخاض المعركة الحقيقية- ليس ضد ما يمس بأمن المواطنين اليهود، بل المعركة ضد ما يمس بالقيمة الصهيونية الاستيطانية العليا، التي يُعتبر بينيت من روادها، وهي تهويد النقب، أي المعركة ضد الوجود العربي في النقب في ذاته.
واذا كانت نوايا ومقاصد خطاب بينيت، ما زالت غير واضحة لدى البعض، فها هو رئيس بلدية بئر السبع، الذي حضر الاجتماع ذاته، يقول في مقابلة ردًا على سؤاله حول إعلان بينيت عن "الإنتقال من الدفاع إلى الهجوم": "الارهاب المدني هو تهديد وجودي على المجتمع الاسرائيلي وعلى دولة إسرائيل، وجاء الوقت لاعادة السيادة بدون تسويات". فقضية مدنية مثل العنف والجريمة في المجتمع العربي في النقب، تتحول في هذا الخطاب، إلى "إرهاب يُشكل خطرا وجوديا على إسرائيل"، لأنه يمس بالأمن اليهودي في هذه الحالة، و"يجب على كل الأجهزة المشاركة في هذه المعركة، الشرطة، الجيش والشاباك، فهذا خطر وجودي على دولة إسرائيل يجب القضاء عليه"، وفق ما أضاف في ذات المقابلة. ويفصل تكتيكات هذه المعركة بالقول:"يجب أن تكون هناك معالجة جذرية للارهاب، بالقوة وتنفيذ القانون والعقاب، وأيضًا التنظيم"، أي تنظيم البناء والتخطيط والأرض، المعتمد على نهب الأراضي العربية في النقب، وتهجير عرب النقب من قراهم غير المعترف بها، وتركيز أكبر عدد منهم على أًصغر رقعة ممكنة من الأرض.
ويرافق هذه الدعوات لمحاربة "العنف والجريمة" في النقب حملة تحريض عنصرية مستمرة ضد عرب النقب من خلال وسائل الإعلام أو من قبل جمعيات يهودية عنصرية، وشخصيات يمينية متطرفة ورؤساء سلطات محلية يهودية في النقب، شملت تقارير إعلامية ومجموعات وصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي ومظاهرات احتجاجية في بئر السبع، تُروج بهوس منفلت لفزع السكان اليهود من "فوضى السلاح والجريمة لدى العرب في النقب" التي تُهدد أمنهم وحياتهم، الفزع من كونهم "محاطين بهذا الكم من العرب الخارجين عن القانون"، أو كما وصفهم بينيت ذاته بالـ"ميلشيات التي تعمل كما في الغرب المتوحش". ودائمًا ما تقترن في هذا الخطاب العنصري المفزوع، الشكوى من فوضى السلاح والعنف والجريمة بالشكوى من "فوضى البناء لدى بدو النقب" وفوضى ما يصفونه بـ"غزو البدو لأراضي الدولة".
وأما الفعل الموائم لهذه الدعوات من الحكومة، في خطابها وممارستها، فيكون قبل الإعلان عن الحرب ضد "العنف والجريمة" في النقب، إعادة تعريف وصياغة ما يحويه هذا المفهوم والاطار الذي يتم إعتباره "جريمة" يجب محاربتها. فتُدخل تحت هذا الاطار، ما تسميه "البناء غير المرخص"، وتدخل تحت هذا الاطار ما تسميه "الاعتدا على أراضي الدولة"، بالاضافة إلى تجريم معركة الصمود والتشبث بالأرض التي يخوضها أهلنا العرب في النقب. فبتوجيه من هذه الحكومة، فتحت الشرطة ملفات تحقيق جديدة ضد عدد من أهالي قرية العراقيب مسلوبة الاعتراف والمهددة بالاقتلاع والتهجير، وجاءت تحقيقات الشرطة هذه لأهالي العراقيب، وفي مقدمتهم الشيخ صياح الطوري، بذريعة أنهم أعادوا بناء مساكنهم وخيامهم التي هدمتها جرافات الحكومة منذ مطلع العام الجاري، وبهدف تقديم لوائح اتهام جنائية ضدهم. إجراءات وملاحقات شرطوية وقضائية تهدف بالأساس إلى وضع نضال أهالي العراقيب وسكان القرى مسلوبة الاعتراف، لتثبيت حقهم بالملكية لأراضيهم، في مسار "جنائي". خطة ممنهجة في الممارسة التنفيذية والقضائية والخطابية لتجريم هذا النضال، بغرض شرعنة مخطط التهجير والتشريد واقتلاع السكان من أراضيهم، وهدم القرى لتجميع السكان العرب على أقل بقعة من الأرض، هذه الممارسات التي تكتسب شرعيتها في هذه الحالة بواسطة وضعها تحت إطار ذات "المعركة ضد العنف والجريمة في النقب" التي تُعلنها حكومة بينيت.
أما مخططات تهجير وتركيز عرب النقب، فقد تم تصعيدها على يد هذه الحكومة، وبدعم عربي شريك يصورها على أنها "إنجازات"، كما رأينا بقرار الحكومة الموافقة على خطة حركة "ريجافيم" العنصرية الاستيطانية، التي تقضي باعترافات منقوصة بثلاثة قرى بدوية مسلوبة الاعتراف، مقابل موافقة الأهالي على التنازل عن حقهم الشرعي وإجبار آلاف المواطنين على النزوح من أراضيهم واحداث ترانسفير قسري، وذلك بعد خنوع الموحدة لتوجهات وزيرة الداخلية العنصرية أييلت شاكيد. قرار الاعتراف بالقرى مسلوبة الاعتراف، عبدة وخشم زنة ورخمة، الذي يشرط الاعتراف بموافقة 70% من سكان القرية على الانتقال للسكن في إطار الحدود المستقبلية للقرى التي ستقام، علما أنه لم يتم تحديد هذه الحدود. القرار يضم شروطًا تعجيزية وضعتها شاكيد، وأطراف يمينية تقضي بالتنازل عن الحقوق المصيرية وملكية الأرض، مقابل الاعتراف المنقوص بالقرى على الورق فقط. وقد احتفت الحركة الترانسفيرة بهذه الخطة التي إعتبرتها "فرصة لتغيير وجه النقب" وذلك وفق توجهها العنصري تجاه السكان العرب ومساعيها لتهجيرهم والاستيلاء على أراضيهم وتهويدها. وأضافت أن الخطة ستعمل على "إعادة الأرض إلى دولة إسرائيل، والبدء في تجميع البدو المشتتين من المناطق المفتوحة في النقب إلى المناطق القانونية، بدلاً من التوسع الوهمي القائم". وقالت إنّ "الخطة تضع شرطًا بموجبه سيتم "إخلاء" السكان البدو و"تركيزهم" في "مناطق سكنية ثابتة".
وبالرغم من أن مجموعة من رؤساء مجالس وناشطين وأكاديميين وممثلي أحزاب وحركات وجمعيات أهلية من أبناء النقب، أعلنوا الرفض القاطع لـ"مخططات الاعترافات الناقصة والمجحفة بحق قرانا مسلوبة الاعتراف من قبل حكومة بينت -لبيد وشاكيد مقابل موافقة الأهالي بالتنازل عن حقهم الشرعي وإجبار الآلاف من المواطنين النزوح من أراضيهم وأحداث ترانسفير قسري" وحذروا من "أن الشروط التعجيزية التي وضعتها الوزيرة شاكيد وأطراف يمينية التنازل عن الحقوق المصيرية وملكية الارض مقابل الاعتراف المنقوص على الورق فقط بالقرية هو نهج رفضناه سابقًا ونرفضه حاليًا ولا نقبل به ابدًا كما أن وضع خطة بعيدة المدى ببناء المساكن شريطه النزوح الفوري هو بمثابة اقتلاع وترانسفير تحت مسميات حضارية ووعود كاذبة". لم تخجل القائمة الموحدة بقيادة منصور عباس، من تصوير القرار بأنه "إنجاز يُعزز صمود أهلنا في النقب". وهذا القرار الذي يُعزز "صمود أهلنا في النقب"، تضمن أيضًا خطط وزيرة الداخلية، أييليت شاكيد، بإقامة 12 بلدة استيطانية يهودية جديدة بالنقب، وما هو إلا تجميع وتركيز للسكان عبر إقامة تجمعات سكنية جديدة، على جزء بسيط من مسطحات الأراضي التابعة للقرى مسلوبة الاعتراف، ووضع اليد على غالبيتها العظمى لمصالح المشاريع الاستيطانية والتهويدية ومشاريع البنى التحتية القُطرية.
حينما سُئل بينيت في مقابلة معه، بعد أيام قليلة من تشكيل الحكومة التي ضمت القائمة الموحدة، عن التناقض بين دعوته خلال حملته الانتخابية أنه "سيعيد السيادة على النقب"، وبين الوعودات "بالاعتراف بقرى غير معترفٍ بها"، أجاب أنه لا زال متمسكًا بنهجه وأنه سينفذ ذلك على عكس نتنياهو المماطل، وصرح أن بدو النقب موزعين على قرى غير معترف بها ممتدة على مساحة واسعة جدًا، بينما "جرى الاتفاق على تركيزهم في مناطق مقفلة ومرتبة". وحينما اتهمه نتنياهو بـ”بيع النقب للقائمة الموحدة”، قال: “برنامج الاستيطان لدينا يفعل العكس، فهدفه استعادة الحكم، والعمل على نقل القطاع البدوي من جميع التلال المحيطة إلى مناطق منظمة". الكلام الذي يعني بالضبط تنفيذ مخطط برافر الذي سعى لتهجير سكان عشرات القرى العربية من صحراء النقب وسرقة عشرات آلاف الدونمات منهم، ثم جمعهم في ما يُعرف بـ”بلديات التركيز”. وهو المخطط الذي أسقطته جماهيرنا العربية بالنضال والتصدي. إلا أنه في حين تمت مواجهة برافر باصطفاف واسع لجماهيرنا العربية بجميع أحزابها وأطرها التمثيلية وقيادتها، يُنفذ الوجه الآخر منه اليوم بقيادة حكومة بينيت، بدعم حزب عربي في الحكومة، لا يشارك في تنفيذه ضمنيًا، عبر الوجود داخل الائتلاف والاكتفاء بالصمت وإسباغ الشرعية عليه فقط، بل الترويج له على أنه "إنجازات غير مسبوقة"، ولعب دور دعائي لمخططات الحكومة الترانسفيرية، وتقديم تغطية عربية تدّعي تمثيل عرب النقب ومطالبهم لتصعيد حكومة بينيت لحرب التهويد والترانسفير ضد عرب النقب.
.png)


.png)

.png)






.png)

