يومذاك، انطلقنا مِنْ عمَّان في موكبٍ طويلٍ طويل، خلف نعش رفيقنا الفتى العشرينيّ الطَّيِّب الجميل، حمدان الهوَّاريّ، إلى أن بلغنا «ذات راس»، فأسلمناه إلى مسقط رأسه واستسلمنا لسطوة مواجعنا وأحزاننا.
بعدها، كما دأبتُ على القول، دفنَّا أشياء كثيرة غالية في بلادنا وفي مختلف أنحاء العالم.
تعرَّفتُ على رفيقي الجميل الرَّاحل حمدان الهوَّاريّ، أوَّل ما تعرَّفتُ عليه، عندما كنّا معاً على مقاعد الدِّراسة في الجامعة الأردنيَّة في النِّصف الثَّاني مِنْ سبعينيَّات القرن الماضي. وفي ما بعد، ترافقتُ معه، لسنواتٍ طوال، في سجن المحطَّة الَّذي كان قائماً في عمَّان. فعرفت فيه، خلال تلك السَّنوات مِنْ حياته القصيرة الكثيفة، إنساناً طيِّباً وشهماً وشجاعاً وصلباً وذكيّاً وواعياً وراقياً؛ يأخذ قضيَّة شعبه ووطنه بجديَّة تامَّة، ويبذل مِنْ أجلها كلّ التَّضحيات الضَّروريَّة، بلا تذمّر أو منَّة. وخلال كلّ تلك السِّنين الطِّوال، الَّتي أمضاها في سجن المحطَّة، لم تتزعزع ثقته بمبادئه وبأهميَّة تضحياته مِنْ أجلها.. مهما كانت كبيرة.
ومع أنَّ حمدان الهواريّ لم يكن شاعراً ولا روائيّاً ولا قاصّاً، إلّا أنَّه هو نفسه كان قصيدة.. قصيدة مليئةً بالمعاني العميقة والنَّبيلة والصّور الَّتي تلامس شغاف القلب؛ وكان روايةً ملحميَّة وتراجيديا إغريقيَّة وقصَّة تشيخوفيَّة، بل كان حكاية غنيّة بالقيم النَّبيلة والمعاني الجميلة، لكن بإيقاعٍ خاطف.. خاطف بالمعنى الزَّمنيّ وبالمعنى النَّفسيّ كليهما. ومع ذلك، فقد كان ببساطةِ عُشب الأرض الَّتي عاش عليها ومات مِنْ أجلها ورهن حياته المكثَّفة الخاطفة لها ولشعبها.
كتب صديقنا محمود النَّوايسة في «الرَّأي» يوم الجمعة 1/5/1987، عن رحيل حمدان الهوّاريّ، قائلاً: «في زمن عَزَّ فيه الرِّجال، حيث غدا النَّفط سيِّداً مطاعاً، والسَّكينة والتَّخاذل حكمةً، وحيث غدتْ أيَّامنا أحلك سواداً مِنْ ليالينا.. كانت وصيَّة حمدان أنْ يُلفّ بالعلم الأردنيّ، فمِنْ أيّ صنفٍ من الرِّجال هذا القرمطيّ؟! نسي ذاته طوال (29) عاماً وفي اللحظة الأخيرة، كان الإنسان والوطن هما وصيَّته!».
ونأتي الآن إلى «قصيدة حمدان»، الَّتي خطَّها قلم شاعر الأردنّ المبدع حبيب الزّيودي ورسم فيها أكثر مِنْ لوحةٍ جميلة ومؤثِّرة لحمدان وعن حمدان، وقد نشرها في حينه، كما أذكر، في ملحق «الرَّأي» الثَّقافيّ، ثمَّ ضمَّنها ديوانه «ناي الرَّاعي» الصَّادر عن أمانة عمَّان في العام 2002.
استهلَّ حبيب قصيدته، تلك، بالإهداء التَّالي:
«إلى حمدان الهواريّ الموَّال الشَّجيّ في روحي والنَّبض الوفيّ في عروق الأرض».
ثمّ يصف نزوع حمدان القويّ إلى الحياة ومعاناته في الوقت نفسه، قائلاً:
«ولا شيء أجمل مِنْ شارع السَّلط
تسكب عمَّان فتنتها في المساء
فتملؤنا أنجماً ونساءا
وحمدان مبتسماً يتجوَّل
لكنَّني كنتُ ألمح خلف ابتسامته وجعاً غامضاً وبكاءا
وأقرأ في وجهه ما يحيل الغناء عناءا».
وفي العادة، يستدعي الموت نقيضه مِنْ أسئلة الخلود، خصوصاً عندما يتحوَّل إلى واقعة عيانيَّة تتعلَّق بشخص نعرفه جيِّداً ونحبّه. أذكر، هنا، على سبيل المثال، أنَّ رواية «ليلة لشبونة» للكاتب الألماني «إريك ماريا ريمارك» تقوم بمجملها على هذه الفكرة؛ حيث ينشغل بطل الرِّواية طوال ليلته الكئيبة المديدة، تلك، بالتَّفكير في تخليد امرأته، الَّتي توفِّيتْ فجأة، عن طريق تذكّر كلّ تفصيل مِنْ تفاصيل حياته معها وتثبيته في ذاكرته.
أمَّا حبيب فيطرح هذه المسألة، بظلالها الوجوديَّة، وببعدها السِّياسيّ أيضاً، على النَّحو التَّالي:
«لحمدان ينتصب القلبُ مئذنةً في سفوح القرى وينادي
سأنقش وجهكَ في كلّ سهلٍ، ووادِ
لعلِّي أرى شجر اللوز يورق
علَّ الشّموس الَّتي انطفأتْ في القلوب تضيء سواد القرى. وسوادي
لعلَّ النِّيام يفيقون مِنْ نومهم. وتفيق بلادي».
ثمَّ يتطوَّع لوصف صديقه الرَّاحل لمن لا يعرفه:
«وحمدان أغنية مِنْ أغاني الرّعاة
يحبّ الغناء كثيراً فيمتزج الدَّمع بالكلمات
ولا يحضر الحبّ إلا إذا خضَّب الشِّعرُ شَعْرَ البنات
تتوضأُ في مائه الأغنيات
ولا ينحني نخله للغزاة.
يحبُّ البلاد الَّتي يتعرَّج في حضنها النِّيلُ
أو يتوضَّأُ فرسانها بالفرات
وكان يغنِّي كثيراً
وكان يصلِّي كثيراً
وكانت فلسطين فاتحةً للغناءِ وفاتحةً للصَّلاة».
أمَّا أغنية حمدان، بحسب حبيب، فهي:
«ألا أيُّها الوطنُ المتدفِّقُ في الرّوح
يا أعذب الأغنيات.
شمالاً تحدّك روحي
جنوباً تحدّك روحي
وروح الشَّهيد تحدّك يا وطني مِنْ جميع الجهات».
ويتحدَّث حبيب عن علاقة حمدان الوطيدة بفلسطين وشعبها وقضيّته، فيقول:
«وكان يقول لنا
إنَّ أرض فلسطين مِنْ أوَّل الدَّهر شامخة
تنحني الخيل عند مداخلها وتقبِّل أعتابها
وكان يدوخ الغزاة إذا داهموا بابها
وكانت تشمُّ الطَّريق
فإنْ جاء أبناؤها فاتحين تمدُّ لهم قلبها
وتهيئ محرابها».
ثمَّ يعود للحديث عن فاجعة رحيل حمدان:
«وأغفى وما كان في عمره والياً أو وليَّا
ولكنَّه عاش في نبض هذا التّراب
على جوعه أردنيّاً وأسلمه روحه أردنيَّا.
سلامٌ على دمه حين مات...
سلامٌ على وجهه حين يُبعث حيَّا...».
ولم يكتفِ حبيب بهذه القصيدة عن حمدان، بل عاد أيضاً إلى الحديث عنه مراراً.. عبر أكثر مِنْ مقال وأكثر مِنْ قصيدة.
قبل رحيله بوقتٍ قصير، كتب حبيب في مقالٍ له نُشِرَ في جريدة «الرَّأي»، يقول:
«حمدان.. لا تزال قصائدي بعد خمسة وعشرين عاماً تحنّ إلى قمحك، وذات راسك، وسجنك وحريتك وجموحك».
يلاحظ زميل له في الجريدة كثرة كتابته وحديثه عن حمدان، فيمازحه قائلاً:
«ألا يوجد عندك إلا موضوع حمدان؟»
يردُّ حبيب، موجِّهاً خطابه إلى حمدان وليس إلى زميله صاحب السّؤال:
«فأستردُّ ابتسامتكَ، الَّتي استقرتْ في قعرِ روحي كما تستقرُّ الدَّانة في قعر البحر، فهم لا يعلمون أنَّ كلَّ الشِّعر الَّذي كتبتُ، قليلٌ على القمح الَّذي لا يزال يبرجم في تلك الابتسامة الشَّهيدة».
وقبيل وفاته أيضاً، كتب حبيب قصيدةً جديدة جميلة وطويلة عن حمدان، بعنوان «حمدان»، وأهداها: «إلى الشَّهيد حمدان الهوّاريّ بعد مرور خمسة وعشرين عاماً على رحيله».
ويقول مطلعها:
«حمدان دبَّ الحيا في العود فابتسمت
بعد المحولِ، دموعُ العارضِ الهطلِ»
ومِنْ ضمن ما يقوله فيها أيضاً:
«كأنَّما هطلت يومَ الوداعِ على
وجه الشَّهيد قطوفُ الطَّير بالقُبلِ
خذي ابتسامته البيضاء عن فمه
ونوِّري يا فروع اللوزِ واشتعلي»
وقد نشرها في ديوانه الأخير «غيمٌ على العالوك»، الصَّادر ضمن «منشورات المؤسَّسة الصَّحفيّة الأردنيّة (الرَّأي)»، في شهر تشرين الأوّل 2010 (أي قبل رحيله بقليل).
وقبل أيّام مِنْ رحيله المباغت، هاتفني حبيب ليلاً، ليقول لي إنَّه كتب أغنيةً عن حمدان وإنَّه ذكر اسمي فيها، وقال إنَّها بألحان مالك ماضي وغناء كارولين ماضي. ثمّ أضاف بلهجةٍ تفيض حماساً: إنًّها (الأغنية) ستعجبك جدّاً، فآمل أنْ تسمعها.
ثمّ راح يتلو كلماتها على مسمعي:
«ما لي غِوا بعمَّان
لَ اقطع سهل حوران راكب وماشي يا هلي
واقطع سهل حوران وافرش فراشي للخلي
قِيد الحطب يَ الغاوي ما لي غِوا بعمَّان
مالي بدوا لمداوي جرّحتني يَ فلان
شالوا الظعون بليلي
... وتيمموا بسهيلي
...... لا تعتبوا يا هيلي غالي عليّا حمدان
قِيد الحطب يَ الغاوي مالي غِوا بعمَّان
مالي بدوا لمداوي جرّحتني يا فلان
... جيتك قِدي معضود
وباب الرّجا مرصود
لا تلومني يا سعود غالي عليّا حمدان
قِيد الحطب يَ الغاوي ما لي غِوا بعمَّان
مالي بدوا المداوي جرّحتني يا فلان»
ونعود إلى قصيدة حبيب الأولى عن حمدان («قصيدة حمدان»)، فهو عندما أراد أنْ يختمها أدرك أنَّ نهايتها ستبقى مفتوحةً بالضَّرورة على خاتمةٍ مِنْ خارجها، إذ يقول:
«ويا ربّ ما عاد في القلب نبضٌ يتمّ القصيدة
قد مسَّني العيُّ. فاحلل إذَنْ عقدةً مِنْ لساني
وهبني الأمانا
ودع نبضَ شعبي يتمّ القصيدة
فالشَّعب أفصح منِّي لسانا...».
كُتِبَتْ هذه القصيدة في الفترة الواقعة ما بين نيسان 1988 وبين شباط 1989، ولا تزال تنتظر أنْ يتحقَّق أمل الشَّاعر الرَّاحل (حبيب الزيوديّ) وأمل الثَّائر الرَّاحل (حمدان الهوّاريّ) بأنْ يختتمها شعبهما بنبضه الأفصح لساناً.



.png)

.png)






.png)
