ودعت قرية البعنة وشعبنا في شهر أكتوبر المنصرم، الأديب والكاتب الشاعر، ورئيس مجلس البعنة سابقا، حنا إبراهيم الياس (أبو إبراهيم).
المرحوم أبو إبراهيم من أوائل الشعراء والكتّاب الفلسطينيين المبدعين، وقف في طليعة شعراء وكتّاب المقاومة والصمود والشموخ والتحدي بعد عام النكبة 1948، وقد عانى في تلك الفترة من الكثير من الصعوبات والملاحقات، وإغلاق أبواب الرزق والعمل أمامه، وفرضت عليه الإقامة الجبرية لمدة طويلة حتى بعد انتهاء الحكم العسكري البغيض في أواسط الستينيات من القرن الماضي.
وقد صمد وظل منتصب القامة مرفوع الرأس شامخا، فبشموخ أمثال أبي إبراهيم تعلو وترتفع قمم جبال الجليل وكل الوطن.
لقد كان أبو إبراهيم نورا للوطن، يحمل الكلمة والفكر المناضل والمكافح من أجل قضايا شعبه العادلة. كان حنا إبراهيم من رواد القصة والرواية والشعر على الصعيد المحلي، وترجمت أشعاره إلى عدة لغات أجنبية، وترجمت أيضا بعض كتبه الأدبية من العربية إلى الروسية، فكان المثل الأرقى والأسمى للكلمة الفلسطينية والإنسانية الملتزمة بالقضية والأرض والإنسان، وجعل من وطنه وشعبه عشقه الدائم.
تاريخ حياة المناضل الأديب والشاعر حنا إبراهيم هي حياة الإخلاص وحب الوطن وقول الحق، حياة الضمير الحي والروح النقية، حياة الشموخ والأدب والشعر، وجمال الأخلاق الإنسانية. أبو إبراهيم أيقونة في ضمير كل يساري ثوري أممي مناضل محب لوطنه، لأنه حمل رسالته الثورية مرفوع الرأس، وبأمثاله تتجذر أكثر فأكثر جذور شجرة الزيتون في تراب هذا الوطن، وتصبح اوراقها اكثر خضرة، وأكثر ثمارا وعطاء، وزرع أشجار زيتون جديدة مكملة لرسالته الإنسانية التقدمية كابنه الدكتور إبراهيم وباقي أفراد العائلة.
لقد كنت بالنسبة لي الرفيق الأب العزيز، رغم أننا لم نلتق في السنوات الاخيرة، لظروف حياتية وصحية صعبة مررتُ بها، ولكنني كنت دائما أتذكر لقاءاتنا، خاصة في فترة النشاط الاجتماعي الثقافي في إطار "حوار"، حيث كانت اللقاءات تجمعنا في نادي كنيسة سانت لوكس مع المرحوم القس شحادة شحادة والمرحوم الشاعر سالم جبران، والمرحوم الشاعر سليم مخولي والمرحوم الاستاذ بطرس أبو منة، وأطال الله بعمره الأستاذ المحامي وليد الفاهوم وغيرهم... وتوقف العمل في هذا المشروع الاجتماعي الثقافي لأسباب غير موضوعية ذاتية لا أرغب في التطرق إليها.
أذكر لقاءاتنا بعد كل إصدار لأحد كتبك، أذكر منها، رواية عصفور من المغرب، وكتاب ذكريات شاب لم يتغرب، وكتاب شجرة المعرفة. فإصداراتك الأدبية والشعرية راقية وشيقة وتحمل رسالة تقدمية إنسانية، ولذلك كنت تستحق أن تُمنح وسام القدس للثقافة والفنون والآداب من قبل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عام 1995. وقد قلدك الوسام آنذاك نيابة عن الرئيس عرفات، الكاتب الفلسطيني أحمد دحبور. وقد تم تكريم أبي إبراهيم من قبل أكثر من مؤسسة وطنية وأدبية.
لقد قمت بنشاط فكري أدبي شعري خلاق رفيع الكفاءة، إنساني ومتناسق، وحملت في داخلك قيما روحية عالية، والتزمت الشعور بالمسؤولية العميقة أمام المجتمع، وأجدت بناء حياتك بموجب قوانين الأدب والجمال والروح الإنسانية.
وكانت اللقاءات مع أبي إبراهيم لقاءات فكرية ثقافية فلسفية إنسانية تحمل الرسالة الوطنية الثورية الأممية، الذي كان من أوائل من رفع علمها الأحمر.
لقد كنت يا أبا إبراهيم كالقمر في ليل الظلمة الحالكة، وأقصد بذلك سنوات النكبة وبعدها أيام الحكم العسكري، فكفّك يا أبا إبراهيم تحدى المخرز، تحدى غطرسة النظام العنصري الصهيوني الشوفيني، منذ قيام القاعدة الأمامية للإمبريالية العالمية في الشرق الأوسط – إسرائيل، حاملا الفكر الأممي القومي الثوري الحقيقي، فالأممي الحقيقي هو القومي الحقيقي والقومي الحقيقي هو الأممي الحقيقي. هذه هي المبادئ الماركسية اللينينية التي كانت طريقك في الحياة، والتي لم تتخلى عنها بالرغم من كل ما واجهك من صعاب. أمثالك، وقد قَلّ أمثالك، بالقلب والروح والضمير مغرمون أن يبقوا بين الناس ومع الناس، والفكر الذي حملته لكل من اجتمع بك هو التفاؤل والرجاء. عندما أتذكرك ورفاقك، أبقى متفائلا بعدالة القضية الكونية الإنسانية – قضية الشعب العربي الفلسطيني، ومتفائلا بحتمية انتصار شعبي رغما عن خيانات أنظمة الاستبداد الرجعي العربي - أنظمة الفساد- الذين يقبّلون يد المعتدي العنصري الشوفيني الصهيوني وهذه اليد الملطخة بدماء شعبي، وآخرهم الطفل ابو عليا، على أبواب مطار دبي والمنامة ومطار اللد، مرورا بسماء بل بظلام آل سعود. مهما حدث، ستبقى قبضتك وقبضة رفاقك مرفوعة، وشموخك دليل للكفاح والنضال، والصمود والتحدي في وجه الغاصب والمحتل، والخائن والمطبع. فلا بد من أن تسقط كل أنظمة الاستبداد والفساد الرجعية العربية، والأيديولوجية العنصرية الصهيونية الى مزبلة التاريخ.
والشعب الفلسطيني مفعم بشعور الكرامة القومية، ولذلك مهما كلف الامر ستبقى فلسطين الوطن العزيز، جنته على الأرض وسيستمر في نضاله الانساني المشرف من اجل حريتها وبناء علاقاتها على اساس المبدأ الانساني مبدأ المساواة.
وهنا نذكر الشعب الاسرائيلي الذي يعاني من تشويه وعي الذات الجماعي بسبب تبنيه للأيديولوجية الصهيونية العنصرية بـ " ان شعبا يظلم شعوبا أخرى لا يمكن ان يكون حرًا". هذا ما قاله رجلان هما أكبر ممثلي الديمقراطية المستقيمة في القرن التاسع عشر، نعني ماركس وانجلز، اللذين أصبحا معلمي البروليتاريا الثورية. هذا ما كتبه لينين في مقالة. "بصدد كرامة الروس القومية". (لينين استيقاد آسيا صفحة 30). وهذه هي رسالة وطريق أبو ابراهيم ورفاقه.
ستبقى في ذاكرتي يا أبا إبراهيم، وفي ذاكرة شعبك ووطنك الذي عشقته فارسا رافعا يديك بشارة النصر، تتحدث للأرض والإنسان محملهم وصية المتابعة في النضال، من أجل أن يبقى الوطن حيا، من أجل مملكة الحرية، حرية الانسان على الارض.
حنا إبراهيم نظر إلى الحياة كينبوع مسرة تعززها الإرادة القوية المبدعة الصلبة، ومعرفة السبيل نحو خلود الذاكرة.
ستبقى ذكراك خالدة.



.png)

.png)






.png)

