حيفا: اعتداء منظمة "الارغون" الإرهابية على العمال الفلسطينيين في مصفاة البترول| جهاد عقل

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

صفحات من تاريخ الحركة النقابية العربية الفلسطينية:

 

*تبعات هذا الاعتداء الإرهابي أدت الى سلسلة اعتداءات قامت بها منظمة "الهاجاناه" على بيوت العمال العرب*نتيجة هذه الاعتداءات الصهيونية أدت إلى ترحيل العمال العرب ومنع تشغيلهم.

 

في الساعة العاشرة والنصف من صباح يوم الثلاثاء 30/12/1947، قامت مجموعة إرهابية من منظمة "الإرغون" الصهيونية بعملية اعتداء إرهابي على العمال العرب أمام شركة تكرير البترول "الريفينري" في حيفا، وكان أحد شهود العيان على هذا الحادث المرحوم الرفيق إبراهيم حسين حصري (أبو بديع)، الذي سرد لي تفاصيل هذا الاعتداء، كونه كان يعمل في مصافي تكرير البترول ويسكن في مساكن العمال في بلد الشيخ كبقية رفاقه.

كان الرفيق إبراهيم حصري ناشطا نقابيا في لجنة عمال المصافي مع رفاقه، وفي مقابله معه خاصة بالاتحاد، قال عن الجريمة الإرهابية للعصابة الصهيونية: "في صباح أحد الأيام، وبينما كان العُمّال العرب يصطفون على باب "الريفينري"، مرت سيارة تابعة لعصابة "الإرغون" (كما علمنا بعدها)، وقام أفرادها بإلقاء القنابل على العُمّال العرب، فقتل عامل أصله من اللجون وجُرِح العشرات، وكرد فعل، قامت "ثورة" داخل "الريفينري" ووقع اشتباك بين العُمّال العرب واليهود وأصيب العشرات جراء ذلك الاشتباك وقتل عُمّال يهود (حوالي 40 عاملا)، وقُتل عامل عربي آخر يدعى محمد أبو خليل من اللجون أيضا، وعلى أثر ذلك، أغلقت الشركة من قبل الإدارة. (صحيفة الاتحاد 24/2/1990).

كان الرفيق ابراهيم حصري (أبو بديع) قد سرد لي العديد من تفاصيل هذا العدوان الإرهابي على العمال العرب وتبعاته، بما في ذلك العدوان الذي قامت به المنظمة الصهيونية "الهاجاناه" على مساكن عمال الريفينري العرب وعائلاتهم، وقتل النساء والأطفال في هذا العدوان الغادر.

كون هذا الحدث هو جزء من نضال الحركة النقابية العربية الفلسطينية التي تعرض عمالها إلى اعتداء إرهابي وهم يقفون أمام بوابة المصفاة، عمال عُزّل منهم فتيان وشيوخ وشباب، من المهم أن ننقل تفاصيل هذا الحدث الذي تطور لاحقا، حيث استغلت الحركة الصهيونية تفاصيله من أجل منع العمال العرب من مواصلة العمل، بادعاء أن العمال اليهود هم الضحية، وليس من قام بإلقاء القنابل على عمال يقفون للبحث عن فرصة عمل، أو عمال يهجعون إلى النوم في بيوتهم التي معظمها من الزنك، وعائلاتهم في حواسة وبلد الشيخ، حيث تركزت مساكن عمال شركة تكرير البترول وشركة نفط العراق وغيرها.

 

 2600//  عامل عربي في مجمع نفط حيفا  

 

يظهر من تفاصيل الخبر الذي نشرته صحيفة "هآرتس" بخصوص حادث الاعتداء وتطوراته: "في معامل تكرير البترول يعمل 2600 عربي و445 يهوديا، المصنع مقسم إلى قسمين، المصنع القديم الذي أقيم في عام 1939، يعمل فيه 2000 عربي و400 يهودي، والمصنع الجديد الذي يعمل فيه 600 عربي و45 يهوديا"(1).

كما ذكرت سابقا، قامت مجموعة من العصابة الإرهابية  الصهيونية "الإرغون" بإلقاء قنبلتين على العمال العرب الذين كانوا يقفون في صف طويل أمام مكاتب التوظيف في شركة بترول العراق، وكتبت صحيفة "دفار" العبرية أنه تم إلقاء قنبلتين في الساعة 10:15 من صباح يوم الثلاثاء 1947، وأن الحادث أدى الى مقتل 6 عمال عرب وإصابة العشرات منهم بجراح، وأن رد الفعل من العمال العرب أدى إلى مقتل 39 من العمال اليهود وجرح 51 عاملا آخر، ولكن أكدت الصحيفة في خبرها قيام العديد من العمال العرب بحماية عمال يهود ومنع تعرضهم للضرب (3).

يظهر من تفاصيل الحدث كما نقله مراسل صحيفة "الدفاع":

"قام اللصوص الإرهابيون اليوم بأوحش اعتداء غادر وخسيس عرف حتى الآن، أسفر عن مأساة مروعة ذهب ضحيتها عدد كبير من القتلى والجرحى. اعتاد العمال العرب الوقوف أمام مدخل شركة تكرير البترول الواقع خارج جسر شل لتسجيل أسمائهم طلبا للعمل، وفي يوم أمس، كان يقف هناك حوالي 200 من العمال القرويين لهذه الغاية، وفي الساعة العاشرة و20 دقيقة صباحا، شوهدت سيارة شحن يهودية من طراز "بيك آب" قادمة من جهة مستعمرة كريات حاييم متجهة نحو المدينة، وما أن اقتربت من مدخل الشركة حتى قذف من كان فيها قنبلتين وضعتا في وعاءين من أوعية الحليب، وانفجرت القنبلتان فأحدثتا دويا هائلا في أنحاء المدينة، وأعقب ذلك أصواتا مختلفة، ثم هياجا وفوضى داخل معامل الشركة، وقد وقعت على أثرها معركة دموية بين العمال العرب واليهود استمرت لمدة طويلة"(4)، هذا ونشرت الصحف العربية أسماء الشهداء والجرحى العمال:

حسين محمد عباس، 26 سنة، من قرية المزرعة، قضاء القدس.

علي عبد الحميد يوسف، 30 سنة، من قرية المزرعة، قضاء القدس.

حسين عبد الرحيم الجبار، 28 سنة، من قرية عصيرة، قضاء نابلس.

محمود عبد القادر، 20 سنة، من قرية عرابة، قضاء جنين (شرطي).

يوسف عبد الله، 33 سنة.

عبد الله سعيد الأحمد، 43 سنة، من قرية كفر راعي، قضاء طولكرم. (5)

 ووفق متابعتنا لما نشر لاحقا، فقد توفي 4 عمال عرب لاحقا متأثرين بجراحهم البالغة خلال خضوعهم للعلاج في المستشفى الحكومي في حيفا.

 أما الخسائر من العمال اليهود، فكانت 39 من القتلى و51 جريحا، كما هو الحال في الصحف العبرية التي نشرت أسماء القتلى والجرحى أيضا (6). وتم تعديل عدد القتلى لاحقا بحيث أصبح 41 عاملا يهوديا.
 

//خدعة منظمة "الهاجاناه" وعدوانها الغادر

أصدرت منظمة "الهاجاناه" بيانا نشرته الصحافة العبرية تستنكر فيه العدوان على العمال العرب، وتصف من قاموا به من المنظمة الإرهابية "الإرغون" بالمنشقين، وأشارت صحيفة "الدفاع" إلى هذا الخبر وكتبت: "وفي الصباح أصدرت الهاغناه بيانا استنكرت فيه الحادث وتنصلت منه". (7) على أثر هذه الأحداث، توقف العمل في مصافي تكرير البترول، وقامت قوات عسكرية بريطانية بالدخول إلى المصانع، وذلك خضوعا لضغوطات قامت بها جهات صهيونية، ويستذكر الرفيق إبراهيم حصري في المقابلة معه ما حدث: "كان الوضع خطيرا والأحداث عنيفة، فقرر الإنجليز إغلاق الشركة يومها، وأحضروا باصات لنقل العُمّال العرب الى قراهم". في المقابل، "اجتمعت نقابة موظفي الشركة وعمالها ببقية نقابات العمال والموظفين العرب في مختلف شركات البترول من أجل وضع خطة مشتركة، والاتفاق على الإجراءات التي تكفل سلامة العمال والموظفين، وقد توقف عمال عدد من المعسكرات العرب للغاية نفسها". (8)

ما ذكره الرفيق أبو البديع أن قسما من العمال وعائلاتهم تم ترحيلهم إلى بلداتهم بسبب احتمال قيام الجانب الصهيوني بعملية غدر، ومنهم من عاد وأفراد عائلته إلى بلده، لكن الأكثرية بقيت في مساكنها العمالية في بلدتي حواسة وبلد الشيخ، واتضح أن "بيان الاستنكار" الذي أصدرته المنظمة الصهيونية المعروفة باسم "الهاجاناه" ما هو إلا خدعة لا غير، فقد قامت في الساعة الواحدة من الليلة ما بين يومي الخميس والجمعة، أي بعد يوم من عدوان منظمة "الإرغون" على العمال العرب، بتنفيذ هجوم على مساكن العمال العرب في كل من حواسة الفوقا وبلد الشيخ، وعن ذلك كتبت صحيفة "عل همشمار" وتحت عنوان "عشرات القتلى والجرحى في عمليات العقاب بجانب حيفا"، جاء في الخبر:

"الكثير جدا من العرب قتلوا وجرحوا في هجوم للـ"هاجاناه" على حواسة وبلد الشيخ فجر ليلة الخميس، وفي بلاغ من المستشفى الحكومي، أحضر إلى هناك 5 قتلى و32 جريحا، في حي حواسة وبلد الشيخ يسكن العديد من عمال معامل تكرير البترول العرب". (9)

وتؤكد الصحيفة أن من نفذ الهجوم كتيبتان من "الهاجاناه"، واتضح أن سكان حواسة كانوا قد اتخذوا الحيطة وقاموا بترحيل قسم من العائلات وتوفير حراسة، وقد اشتبك الحراس العرب مع المهاجمين، ما أدى إلى مقتل ثلاثة من عناصر "الهاجاناه" وجرح آخرين.

وكتبت صحيفة "الدفاع" عن هذا الاعتداء: "حيفا – باتت المدينة على أزيز الرصاص واستيقظت على دوي انفجار القنابل وإطلاق العيارات النارية، ومأساة وحشية غادرة ارتكبها "السفاكون" اليهود، في الساعات الأولى من صباح أمس الباكر، عندما هاجموا قريتي بلد الشيخ وحواسة الفوقا، وقد استشهد في هذا الاعتداء الجبان خمسة من العرب، في نحو الساعة الواحدة من صباح أمس الباكر، داهم نحو مئتي إرهابي مجرم قريتي بلد الشيخ وحواسة الفوقا من الجبال، وقذفوا منازلها بالقنابل والرصاص، وكانوا يهدمون ويدمرون المنازل بأدوات خاصة كانوا يحملونها،  بينما كان أصحاب هذه المنازل نائمين". (10)

ونشرت الصحيفة أسماء الشهداء:

صفية صالح محمود، من حواسة، 35 سنة، وهي حامل.

زهير رشدي كردي، من حواسة، 11 سنة.

عمر رشيد محمد صالح السهلي، من بلد الشيخ، 20 سنة.

حسن زكي يونس، من حواسة، 25 سنة (من جرحى عدوان انفجار القنابل على بوابة الريفينري).

حميدي، من حواسه، 40 سنة.

وبلغ عدد المصابين بجراح 32 جريحا، بينهم نساء وأطفال وشيوخ، إصابات عدد منهم كانت خطيرة.

عصابة الهاجاناه اعترفت بارتكاب الجريمة: "يافا – اعترفت مساء أمس عصابة الهاغانا باقتراف الجريمة الغادرة التي وقعت في قريتي بلد الشيخ وحواسة، وأودت بحياة الأبرياء وأصابت 32 بجراح". (11)

 

//محاولات صهيونية للسيطرة على شركات البترول

 

بعد هذه الحوادث حدث توتر في عمل شركات البترول في حيفا، ووفق ما نُشر في الصحافة، فقد حاول الطرف الصهيوني استغلال ذلك لعزل العمال العرب وإدخال قوى عاملة يهودية، وتكليف العصابات الصهيونية بعملية الحراسة. لكن النقابات العمالية العربية تصدت لهذه المحاولات، خاصة وأن مجمع شركات البترول (شركة تكرير البترول، شركة بترول العراق وشركة سوكوتي فاكم) يُشغّل 4650 عاملا عربيا، منهم 2500 في شركة بترول العراق، و2000 في شركة تكرير البترول، و150 في شركة سوكوتي فاكم، هذا بعد أن قام عمال من شركة تكرير البترول بترك العمل بعد الأحداث المذكورة، وواصل العمال عملهم، ولكن تم اتخاذ خطوات حماية لهم، بما في ذلك الاهتمام بعدم تجمع العمال في مكان واحد احترازا لوقوع عدوان مماثل، لدرجة أن عملية دفع الرواتب تولتها النقابة، وتمت عن طريق "جمعية العمال العربية"، وتم الطلب من العمال الامتثال لترتيب خاص جاء فيه: "على كل عامل أن يحضر معه ظرف القبض موقعا عليه، ومعه دفتر العمل والرقم، وسوف لا يسمح بالدخول لمن يحضر بغير هذه الطريقة، كما أنه سوف لا يسمح لأحد بأن يقف أمام باب الشركة". وتم تنظيم نقل العمال على دفعات إلى الشركة لتلقي رواتبهم لضمان عدم تعرضهم لعدوان من الجانب الصهيوني.

لكن تسارع الأحداث وتعاون الاحتلال البريطاني مع الحركة الصهيونية أدى في النهاية إلى سيطرة الجانب الصهيوني على مجمع شركات البترول في حيفا.

 

 

//المراجع:

صحيفة هآرتس الأربعاء -   31.12.1947 ص 1

صحيفة فلسطين 31.12.1947-   ص1

صحيفة دفار - 31.12.1947 ص 1

صحيفة الدفاع - 31.12.1947 ص 1

ن. م.

صحيفة دفار - 31.12.1947 ص 1

صحيفة الدفاع – الخميس 1.1.1948

ن. م.

صحيفة عل همشمار 2.1.1948 ص 1

صحيفة الدفاع – الجمعة 2.1.1948

11 – ن. م.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين