وقفة مع الديوان الثاني "تظلين أحلى"
تطرح نظرية الاستقبال والتلقي مفهوم "أفق التوقع"، لدراسة العمل الأدبي وتحليله، فالمتلقي يفترض من أي عمل، قبل قراءته، وجود مقومات أدبية أساسية تتلاءم والجانر الأدبي الذي ينتمي إليه، إذ لدى القارئ تصورات مترسبة مكتسبة حول كل نوع أدبي، أو تصورات تعتمد على ما بناه هو لنفسه من خلال القراءات الخاصة به. فالشعر له أصوله، وله لغته وأساليبه، وكذلك القصة القصيرة والرواية لهما أنماطهما وأصولهما. قد يحقّق النص الأدبي هذه الافتراضات، وقد يعدلها، أو ينقضها كليا.
قد يستجيب العمل لأفق التوقعات وقد يحيد عنه بنسب متفاوتة، وليس بالضرورة أن يلتزم بها كلها أو ينقضها كلها. لا بد، برأينا، من الحفاظ على بعض القديم وإدخال ما هو جديد. فهل "كسر التوقعات" يعني الإتيان بما هو أجمل وأنجح مما كان؟ بما أن الإجابة تستحق التروي والتأني، وتحتاج، هي الأخرى، إلى بحث وتحليل في مفهوم المقاييس وفيما أطلق عليه ياوس "المسافة الجمالية"، فإنني سأتناول هذه القضية من بابها السهل؛ ماذا ينتظر القارئ من الشاعر جريس دبيات بعد إصداره الديوان الثاني؟ هل سيحمل جديدا؟ وهل الجديد أفضل من سابقه؟ هذه تساؤلات تراود القارئ قبل قراءة ديوان دبيات الثاني، "تظلين أحلى".
يرى القارئ أن الشاعر جريس دبيات يعمل على تثبيت خطواته الأولى التي سار عليها في الديوان الأول، محافظا على "أصول" الشعر سواء كانت في القصيدة التي تعتمد عمود الشعر من صدر وعجز وقافية موحدة، أم كانت تنتمي لشعر التفعيلة. أما المواضيع المطروحة فهي تتوزع على عدة أبواب مألوفة شغلت الشعراء في تلك الفترة، فمنها ما يعالج الهمّ العربي الفلسطيني، وهي قليلة نسبيا، والهموم الذاتية كالرثاء والشكوى، ومنها القصائد الغزلية التي تحتل الحيّز الأكبر من هذا الديوان. وبالتالي فإن هذا الديوان لا يكسر أفق التوقع لدى المتلقي، من حيث الشكل ومن حيث المواضيع المطروقة، لكنّها تشهد على شاعر متمكن من أصول اللغة وتنويعاتها، ومن بحور الشعر ومركباته.
لم ينتظر الشاعر إلا سنتين حتى أصدر ديوانه الثاني "تظلين أحلى" (1996)، دون الإشارة إلى تواريخ كتابة القصائد، كما نهج في الديوان السابق. وبالتالي ليس بالإمكان إقامة مقارنة بين الديوانين، أو الإشارة إلى اتباع أسلوب فيه اختراق لما جاء في الديوان الأول. ما نستطيع أن نؤكّد عليه هو نبرة الأسى التي تفوح من أكثر من قصيدة، ونبرة الحزن والحسرة التي ترافق أبناء الشعب العربي الفلسطيني الذين بقوا متشبثين بتراب الوطن، في ظل ظروف جديدة، إثر فقدانهم الأهل والبيت والأرض. نكاد نجزم على أنها كلها قصائد وجدانية تطغى عليها مشاعر عاطفية جيّاشة نابعة من ألم وخيبات أمل، يسكب فيها الشاعر ما واجهه من معاناة، ليس بالضرورة أن تكون صادرة عن تجربة شخصية. فما واجهه العربي في هذه البلاد من مآس وويلات تعود على ذاتها بصور مختلفة مخلِّفة جروحا وندوبا في النفس والروح لاقت صدى عميقا لدى الشاعر.
ليس الشعر الوجدانيّ وليد العصر الحاضر، ولم يخلقه الشعراء الفلسطينيون دون غيرهم، بل هو متجذّر في التراث العربي، منذ الجاهلية، مرورا بكل العصور الإسلامية، وانتهاء بشعر عصر النهضة. لكنّنا نستطيع أن نؤكّد، دون تردد، على أنّها تحمل نبرة خاصة لدى الفلسطيني، لأنه ضحية تجربة مُرّة في فرادتها، هي تجربة التهجير والطرد والتشرد والابتعاد عن الأرض والبيت والوطن، وتشتّت أبناء البيت الواحد. لقد تحدّث شعراء العربية قديما عن هجر الحبيبة وعن ألم الفراق، وخصّصوا مطالع قصائدهم يعبّرون فيها عن فراق الحبيبة وعذاباته، وألم هجرة المكان والاشتياق إليه وإلى ساكنيه، كما تجلّى بشكل بارز وواضح في معلقة امرئ القيس، وفي حديثه المفصل عن بقايا الديار وشكلها وصورتها، وما تركه ذلك من ألم في النفس عميق. وقد أسهب الباحثون العرب في الحديث عن وجع فراق الحبيبة، دون الدخول في عمق مشاعر هجران المكان، وما يتركه في النفس من ألم وحسرة ومن ذكريات موجعة.
الشاعر جريس دبيات سريع التجاوب مع الأحداث المؤلمة التي ما انفكت تغرز سهامها في حنايا الروح، وهو، مثل غيره من المثقفين، يدرك جيدا هول الخيانة وما تعرض له الوطن من غدر من القريب والبعيد، يؤلمه ما قام به الغريب، لكن يؤلمه أكثر غدر الأخ، خاصة حين يتظاهر هذا "الأخ" بالحزن والقلق، فجاء الردّ حازما وواضحا وشفّافا من خلال قصيدته "حنظلة" التي تصدرت هذا الديوان:
"ما الذي ترجو بروجُ العاج من طفل
يُسمّى حنظلهْ؟
يتّموه أبويهِ
سلبوه أخويهِ
سكبوا نارًا وبنزينًا
على غضّ يديهِ
واستباحوا ما تبقَّى
من عناوين لديهِ
خلَفَ الله عليه ...
إن يُعِد من حقله المسلوب ...
حتى سنبلهْ". (تظلين أحلى، ص11)
هي نبرة عتاب ولوم موجَّهة إلى أولئك الذين كانوا السبب في مأساة الشعب العربي الفلسطيني. تمتزج نبرة الأسى بمسحة من السخرية من أولئك الذين ادّعوا حب الوطن، ومن أولئك الذين ما انفكوا يدّعون أنهم حماة الديار. إذ يلاحظ القارئ عدم تحفُّظ الشاعر من توظيف العامية المفصّحة لتعطي نبرة أسيانة حزينة في جملة "خلف الله عليه" التي يكثر استعمالها في المناسبات السارة، كالأعراس مثلا، فقام بتوظيفها لتتجلى صورة الفلسطيني وهو يواجه أيامه العاتية.
يتابع دبيات في معالجة مواضيع اجتماعية وفكرية، امتدادا لما جاء في الديوان الأول، وكتابة قصائد غزلية رقيقة تحمل تجربة شبابية، وكان البعض يتحفّظ من تناول هذا الموضوع بالذات، وكأنّ الفلسطيني خلق للتشكي إثر ما حل به، متناسين أن الإنسان الفلسطيني مثل غيره مخلوق من لحم ودم، وأنّه، رغم ظروفه القاسية، لا يمكنه أن يتجاهل عواطفه وأحاسيسه ويلجمها إزاء من يحب.
تناول الشاعر في هذا الديوان، كما في الديوان السابق، أكثر من موضوع. فإن كان الشعر الرومانسي هو الغالب عليه إلا أن للشاعر تجربة مرة ومؤلمة وخاصة خاضها في الرثاء، وبالذات في قصيد "خيتاه"، فهل التزم فيها بأصول شعر الرثاء المعهودة منذ الجاهلية؟
يرى الباحث عبد الله الغذامي اعتمادا على رولان بارت أنّ الكتابة لا تولد إلا إذا كان المؤلِّف قد قام بتخزين رصيد هائل من الإبداعات السابقة، فتكون بمثابة جنين سوف يولد في زمان محدد. (انظر: الخطيئة والتكفير، ص14-15) كتب العرب قصائد عديدة في الرثاء، منذ الخنساء مرورا بابن الرومي وصولا إلى السياب ونزار قباني وآخرين، ولكن رغم تشابه مشاعر الألم إلا أنّ كلا منهم عبّر بأسلوبه الخاص عن مشاعره وأحاسيسه. ولو توقفنا عند قصيدة "خيتاه" لرأينا أنها تحمل من التضاد بقدر ما تحمل من التشابه مع قصائد الرثاء السابقة لأنها تحمل بالأساس مشاعر الأخ تجاه أخته، وهي التي ساعدته في تربية أبنائه، وشاركت العائلة، لسنين عديدة، احتفالها في ليلة الميلاد، تُحضِر للصغار الهدايا وتساهم في إعداد الطعام:
"كانون والميلاد والشجر المزين والرجاء
وشرائح الكانون تدعو السامرين ..
إلى العشاء
وأنا وزنبقتي البعيدة حالمان
هم يأكلون – وأنا أعدّ لهم –
ويأكلني الحنين
يتضاحكون، فأدّعي ضحكا،
ويخنقني الأنين
ويثرثرون ومسمعي للذكريات
على مدارات السنين
وأنا و"أدما" حالمان
وأرى بعينيها المودة والحنان" (تظلين أحلى، 54-55)
يقف الأخ/ الأب محزونا وهو يقوم بتحضير الشواء لأبنائه، وقد افتقد أخته في مثل هذه الليلة، بالذات، وهي التي اعتاد أن تكون شريكته في إعداد الشواء للأبناء. فكان فرح العيد في "كانون" هذه السنة ناقصا. يفرح الأبناء ويتمتعون بزينة البيت وبمأكولات العيد، فيما يغرق الأب في ذكرياته يستحضر الأخت التي كانت رفيقةً وشريكة في الأعياد السابقة، فينتابه الألم والوجع دون أن يكشف سرَّه لأحد حرصا على سعادة الأبناء.
لشعر الرثاء "أصوله" ومبناه "المنطقي" بدءا بالتحسّر على الميت، مرورا بتعداد خصاله الطيبة وتبيان حجم الخسارة وعلة الوجع، وانتهاء بالترحم عليه. لكن هذا المبنى، وهذا الترتيب وتلك الخصال الطيبة لا بد أن ينتابها التغيير، وفقا للزمان وتبدلاته التي تلم بالبشر، ومع ذلك يبقى هناك بعض من هذه الأصول. فالحزن والأسى والتحسر والوجع ميزة بشرية لا تفارقها منذ بدء الخليقة وستظل ترافقها. أما الجديد فهو أنا الشاعر، وتجاربه ولغته، وحتى مدى حساسيته وعمقها.
يكسر الشاعر أفق توقعات القارئ منذ العنوان "خيتاه" تلك اللفظة التي كان هو خالقها تقليدا للّفظة الفصحى "أختاه"، وما تحمله من حنين. كما أن القصيدة، بحد ذاتها، عالجت موضوع الرثاء من خلال تجربة الشاعر الخاصة بعيدا عن التقليد. فقد تحدثت الخنساء عن حزنها فأجادت، لأنها لم تلجم عواطف الأخت تجاه أخيها، ورثا ابن الرومي ابنه فنجح لأنه لم يلجم عواطف الأب تجاه ابنه، وكان المهلهل قد رثى أخاه كليب فنجح لأنه لم يلجم عواطفه تجاه أخيه. إن الشعر يحتاج إلى صدق في المشاعر يتيح فيها الشاعر لأحاسيسه أن تنطلق دونما قيود، وهذا ما فعله دبيات في هذه القصيدة؛ جعل أحاسيسه تنساب بسلاسة ودون قيود تجاه أخته الفقيدة فنجح.
تحمل كل قصيدة مُجدِّدة جينات القصيدة الأم، مهما أغرق الشاعر في التجديد، ومهما غاص فيه، فالتجديد لا يعني اقتلاع القصيدة من جذورها كنبتة سامة، وإلقاءها بعيدا، بل هي متشابهة مع سابقاتها بقدر ما هي متجدّدة. فإن كانت المشاعر هي وجه الشبه، فإن التجربة هي الجديدة، ولا نقصد بذلك رثاء الأخ أو الأخت.
يعرض دبيات تجربة خاصة به وحده، فجاء العرض مؤثرا بقدر ما كان الشاعر صادقا ومخلصا لعواطفه ومشاعره، فلم يضع قيودا لعواطفه، ولم يبحث عن خصالها التي تفاخر بها العرب، بل ذهب نحو الداخل وما يعتريه من وجع عميق يبث لواعج الشوق ومشاعر الحنين، فعبر عن اشتياقه لأخته التي اعتادت أن تشاركه وأبناءه فرحة العيد، فكان العيد هذه المرة منقوصا، مؤلما وموجعا. هاجت الذكريات فأخذت الشاعر إلى الماضي، ليقيم مقارنة بين ما كان وما صار.
استوقفتنا قصيدة "خيتاه" بقدر ما تحمل من مشاعر، وبقدر ما تمكنت من ملامسة ذات المتلقي، بصدقها، كما ذكرنا. وكان الشاعر قد خصص معظم قصائد هذا الديوان الذي يحمل عنوان "تظلين أحلى" للحب والغزل، وقد رأينا الشاعر يقتحم هذا الموضوع بحذر، دون أن يخترق ما كان من قبل، رغم جمال اللغة وسلاسة اللفظ ورقة الأحاسيس، يلمس فيه المتلقي "مغامرة" نزار و"عفة" العذريين، فهل سيتحقق الاختراق في الديوان الثالث؟ وهل هذا ما يرمي إليه الشاعر فعلا؟
وقفة مع الديوان الثالث، رماديات"
نرى من الطبيعي بعد الانتهاء من معالجة الديوانين الأول والثاني والانتقال للثالث أن نعيد طرح التساؤلات التي طرحت قبل معالجة الديوان الثاني حول "أفق التوقعات"، وحول جديد هذا الديوان، فالفسحة الزمنية والتجربة الإبداعية كفيلة بأن تفسح المجال للانزياحات والانحرافات الأسلوبية. فما هو جديده؟ وهل كسر الشاعر "أفق التوقعات"؟ هذا ما سنحاول الردّ عليه من خلال بعض المحاور بدءا من العنوان.
ليس الهدف من هذه الدراسة تحليل عتبات النص ودورها بقدر ما هو التعرف على خطاب جريس دبيات الشعري، كما ذكرنا أعلاه. عنوان الديوان "رماديات" لافت للنظر، خاصة وأنّ عنواني الديوانين السابقين يحملان نظرة تفاؤلية، من ناحية، ومباشرة من ناحية ثانية، بينما "رماديات" أكثر عمقا وأكثر إثارة، يستفز القارئ ويأخذه باتجاه الرؤية والرؤيا والبعد الفلسفي. فالرماديّ، في مفهومه المباشر، يعني كل ما كان بلون الرماد، أو ما ينسب إليه، وهو لون ما بين الأبيض والأسود. وقد كُني بهذا اللون، في حالات معينة، عن عدم اتخاذ موقف واضح، وعن الاتجاه نحو الضبابية والغموض. وبما أنّ العنوان قد يحمل فكرة موجزة لمضمون المؤلَّف وتوجّهه، فقد عدتُ إلى العناوين الفرعية، فوجدت أن هناك ثلاث قصائد تحمل العنوان، "رماديات"، وهي "رماديات 1"، "رماديات 2" و"رماديات 3". وقد افتُتح الديوان بإحداها. تنتمي هذه القصائد الثلاث، من حيث الشكل، إلى النوع الشعري الذي أطلق عليه الشعر "المقطوعيّ (Strophic)، (جبران، ص34-37) حيث تحلّ المقطوعة بدل البيت في القصيدة الكلاسيكية.
يرى المتلقي أنّ دبيات قد وظّف هذا الشكل لطرْق عدة مواضيع اجتماعية ذات طابع رؤيوي تعكس تجارب الشاعر. فكل مقطوعة، بحد ذاتها، فكرة تحتاج إلى نقاش أوجزها في بضع كلمات. تكشف هذه القصائد الثلاث عن شاعر له في الحياة تجارب صعبة، ورؤية تعكس خيبة أمل من أمور ومناح عدة: اجتماعية، سياسية، فكرية وأدبية. نستطيع القول إنها خلاصة فلسفته الحياتية المؤلمة، نظرا لعدة أسباب، فالشِّعر، برأيه، مباح لكل جاهل، فلا وجود لقواعد أو قوانين أو روادع تمنع الجهلة من تلويث هذا الفن والاعتداء عليه وتشويه صورته ورسالته:
"شاعر يحكم في كل الفنونْ
يقرض الشعر فترويه السنون
وهو لا حسّ ولا حتى جنون". (رماديات، ص49)
والحال ينطبق على جور الحكام والمتنفّذين الفاسدين الانتهازيين الذين جيّروا الثورات وتضحيات الفقراء والمناضلين في سبيل مصالحهم الضيقة:
"حكمونا ألفَ عام بالحديدْ
وتحرّرنا بما ضحّى الشهيد
ساقنا الحكّام منا كالعبيد". (رماديات، ص53)
أما العدل فأصبح مفهوما مناقضا لمعناه المألوف، وبات الظالم سيّدا مهابا، فيما ضاعت القيم التي تغنّى بها الناس عصورا، وحل بدلها أب يهين زوجته وأبناءه وفق مفهوم "الرجولة" الزائف:
"هو وحش الغاب تخشاه العيالْ
لا يسوس البيت إلا بالنعال
آهِ لو شاهدتَه بين الرجال!!". (رماديات، ص95)
ويسود الكذب والنفاق بين الناس، وينسى الصديق مَنْ كان يوما صديقه، وتختفي من قواميسه مقولة "الصديق وقت الضيق:
"عندما ناداه: "انقِذ يا صديقْ
إنني أصبحت طعما للحريق!"
أنكر الصوت فما في الأمر ضيق!!". (رماديات، ص52-53)
تحمل هذه القصائد الثلاث صورة سلبية عن مجتمع يأكل فيه الأخ حق أخيه، وعن تفكّك الرباط العائلي المقدس بين الزوجين، وانعدام المروءة والخصال الطيبة التي كانت يوما مدعاة فخر العرب واعتزازهم.
يتابع المتلقي قراءة الديوان إلى أن يصل القصيدة الأخيرة التي يختتم الشاعر فيها الديوان بعنوان "يجوز" (رماديات، ص101) يعلن فيها عن سبب اختياره هذا العنوان، وهي عبارة عن حوار يدور بينه وبين ابنته نورة، (نويرة)، التي تتساءل، عاتبه لائمة والدها الشاعر، عن سرّ اختيار هذا العنوان الذي يحمل "فحم المداد"، ويساوي بذلك بين شعره والرماد. فيجيب قائلا:
"فقلت: يجوز من رمد بعيني فلا تجلو البياض من السوادِ
كذاك يجوز من دنيا غرور تذرُّ رمادها في عين صاد
سأحرق أحرفي وألُمُّ منها رمادا يرتجى لنفاد زاد"
مهما يكن من أمر هذه الإجابة فإنها تعكس خيبة أمل الشاعر مما آلت إليه الأمور في مجالات عدة، ورغبة منه بأن تبقى كلماته رصيدا للمستقبل تساهم في تغيير الوضع الراهن، وكأن حريق الأحرف وما يتبقى منها من رماد قد يشعل النار من جديد، ويعيد وهج الشعر. يتشبث المتلقي بكلمة "يجوز"، عنوان القصيدة، وعودة الشاعر إليها مرتين ليذكّر بأنّ الفرق بين الكلام العادي الذي يحمل رسالة عادية وبين الشعر شاسع جدا، فالكلام العادي يحمل رسالة مباشرة لها معنى واحد فقط، أما الشعر فيحمل رسالة غير مباشرة قابلة للتشظي، وللمتلقي الحق في تأويلها وفق تجربته ومن خلال تأثيره وتأثُّره بما جاء في النص، ما يعني أن الشاعر نفسه لديه أكثر من سبب، من ناحية، وأنه غير واثق من إجابته، ليترك القارئ يبحث عن هذه الاحتمالات، "فالرسالة -كقول لغوي- تتجه عادة بحركة سريعة من باعثها إلى متلقيها، وغايتها نقل الفكرة، وإذا ما فهم المتلقي ذلك انتهى دور المقولة عندئذ. ولكن في حالة (القول الأدبي) تنحرف (الرسالة) عن خطها المستطيل، وتعكس توجُّه حركتها وتثنيها إليها، إلى داخلها، بحيث لا يصبح (المرسِل) باعثا، و(المرسَل إليه) متلقيا، وإنما يتحول الاثنان معا إلى فارسين متنافسين على مضمار واحد يضمهما ويحتويهما هو القول: أي النص." (الخطيئة والتكفير، ص10)
وأما الرماد و"رماديات" ومشتقاتها ومعانيها فهي ليست ملك الشاعر جريس دبيات بعد أن قام بتسليم ديوانه للمتلقي، ولم يعد له الحق في تأويله. وقد وجد المتلقي أن هناك أكثر من احتمال لتأويل دلالة الرماد ورسائلها، فهي الضبابية وعدم الوضوح، وحالة الضياع، وما يتبقى من وهج النار. والرماد بقايا جمر كان متوهجا، وبالتالي بقايا شعر قابل للتوهج، فالرماد قد يخفي تحته جمرا قابلا للاشتعال، مما قد يحيلنا إلى الأساطير والميثولوجيا وعودة الحياة إلى طائر الفينيق بعد حرق جسده وتجدّده، وما يحمله ذلك من احتمالات مفتوحة للتأويل.
كتب الشاعر دبيات في مواضيع عدة، وفي قضايا متعددة، وتناول الهمّ اليوميّ للإنسان العربي، وتعرّض للأمور السياسية والوطنية والقومية والفكرية والأدبية، فبرزت لديه مرارة وألم وخيبة مما كان، ومما يحدث حتى اليوم. هذا هو الشيء الوحيد الثابت. أما تأويل العنوان وعلاقته بالمضامين فقد قلنا فيه ما يجب أن يقال، بإيجاز، ونترك لغيرنا من الدارسين أن يرى ما يراه وفق ثقافته ورؤيته، دون التقيد بتعليلات الشاعر وتبريراته، فللنص دوره في التأثّر والتأثير، وللمتلقين آراؤهم التي قد تتشابه وقد تختلف. (يتبع)



.png)

.png)






.png)
