وافق الكنيست هذا الأسبوع على خطة نتنياهو-كاتس الاقتصادية، الخطة التي يُزعم أنها ستنقذ الاقتصاد الاسرائيلي من الأزمة التي يعيشها بسبب جائحة الكورونا ووصول عدد المعطلين عن العمل الى مليون، وخطر اغلاق 70 الف مصلحة صغيرة تضررت خلال الأزمة اضافة الى التلكؤ في اتخاذ القرارات لانقاذ ومساعدة المتضررين، مما تسبب في خلق هذه الاحتجاجات ضد حكومة نتنياهو، وهنا لا نغفل العامل الاخر الذي قاد المحتجين الى الشارع، أي خوفهم على "ديمقراطية" اسرائيل كما يؤكدون هم بأنفسهم.
خطة نتنياهو تخللت الاتي:
1) منح لكل عائلة ب500 شيكل لكل ولد لم يبلغ ال18 من عمره وينخفض المبلغ الى 300 بعد الولد الرابع ولا يقيد الدعم حتى عدد معين من الأولاد.
2) المواطنون فوق جيل 18 ممن دخلهم أقل من 651 ألف شيكل في السنة سيتلقون دعما ب750 شيكل.
3) منح مضاعفة بقيمة 1500 شيكل لذوي الاحتياجات الخاصة، "أسرى صهيون" (وهو مصطلح يشار به الى من سجن أو "اضطهد" بسبب نشاط صهيوني)، مصابي الحروب، مهاجرين محتاجين، الناجين من الهولوكوست، متلقي معاش التقاعد، كبار السن الذين يتلقون عناية طبية.
4) الجنود المسرحون سيتلقون 500 شيكل اضافية ليصل المبلغ المقدم اليهم ل1250 شيكل.
5) منحة مضاعفة لمن اصابتهم اعاقة ابان خدمتهم في الجيش أو قوات الأمن الاسرائيلي.
6)خفض الضريبة الشرائية على الشقق من 8% الى 5% لمن يملك شقتين فما فوق.
هذه البنود أعلن عنها مؤخرا، أما بشأن الاجراءات الاقتصادية التي تخص المستقلين وأصحاب المصالح الصغيرة، فقد كان هناك العديد من الاجراءات التي اتخذتها الحكومة مثل دعم فوري ب7500 للمستقلين وأصحاب المصالح الصغيرة، والمصالح التي يصل دخلها الخاضع للضريبة الى 640 الف شيكل سنويا وقد انخفضت مبيعاتها بنسبة 40% ستحصل على دعم 70% حتى 15000 شيكل كل شهرين، ومصالح متوسط مبيعاتها السنوي حتى 300 الف شيكل ستحصل كل شهرين على دعم من 3000-6000 شيكل كل شهرين، اضافة الى بضعة أمور اخرى كخفض فترة التأهيل من سنة الى نصف سنة اضافة وما شاكل.
خطة حكومة نتنياهو والاجراءات الاقتصادية الأخيرة أثارت موجة من ردود الفعل، منها الساخرة كتقرير قصير على"כאן חדשות" حيث طرح المقدم سؤالًا: "كيف انتهى الحال بأن حمل نتنياهو العلم الاحمر؟" والمقصود كما هو واضح تدخل نتنياهو، بطل السوق الحر، بشكل مباشر في الاقتصاد عن طريق سلطة الدولة. طبعًا فإن هذه النظرة سطحية للأمور كون الضحالة الفكرية وضيق الأفق والنظرة القاصرة للظواهر والأحداث، تدور في فلك التخلف الثقافي الذي لا ينفصل عن الصهيونية لحظة.
نتنياهو من موقعه هو ممثل الطبقة الرأسمالية الاسرائيلية في سلطة الدولة، وان قدمت الحكومة نفسها كسلطة فوق طبقية، في الأزمات تتدخل الدولة بشكل مباشر وتوسع نفوذها وتقدم بعض التنازلات للحفاظ على واقع طبقي معين داخلها ولتخفيف حدة الاصطدام، والمثال الأشهر في هذا السياق هو الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت وخطته الاقتصادية (the new deal) بعد الأزمة الاقتصادية العالمية (1929) والتي شملت اصلاحات كثيرة داخل الولايات المتحدة وانفاقا حكوميا مباشرا، وهي الخطة التي أنعشت النظام الرأسمالي بين أعوام (1933-1941) فروزفلت لم يحمل لا العلم الأحمر ولا كان اشتراكيا، انما كان قبطانا من قباطنة الرأسمالية.
عودة الى نتنياهو فان الموقع الطبقي لنتنياهو لا يخفى على أحد ومهما قدم من تنازلات فانه يبقى منحازا لطبقته، وهذا يبدو جليا عندما نفحص الخطوات التي يتخذها عن كثب، مثل خفض الضريبة الشرائية على الشقق الى 5% ومشكلة لأسعار المرتفعة للشقق هي مشكلة مشهورة في اسرائيل، ففي مصلحة من يصب خفض الضريبة الشرائية؟ وهل يمتلك الكادحون الشقة الأولى حتى يهمهم التخفيض الذي حصل على الثانية؟ هذا التخفيض لن يجلب أحدا الى هذן السوق غير الرأسماليين والشرائح العليا من المجتمع. ومحاولة تقديم أدنى حد من الدعم والتنازلات مثل مشروع "منحة تشجيع العمل" حيث كان الاقتراح الأصلي ينص على عدم منح المنحة في حال توظيف عمال أقارب، وقد عدل اقتراح القانون بعد التماس النائب يوسف جبارين.
التلكؤ والمماطلة في تدخل الحكومة لانعاش الوضع الاقتصادي كان واضحا منذ بداية الأزمة، ولم تتسارع الخطوات في هذا المضمار قبل الاحتجاجات العارمة في الشوارع ضد سياسات نتنياهو، ينحدر المتظاهرون من أصول طبقية اما عمالية أو من شرائح الطبقة الوسطى الاسرائيلية الذين تضرروا من الأزمة الأخيرة، ومن الواضح أن المحتجين من ابناء الطبقة الوسطى لا يثقون بنتنياهو ويخشون أن تنتهي الأزمة بخسارتهم لبعض امتيازاتهم الطبقية ويجدوا أنفسهم قد انحدروا طبقيًا الى صفوف الكادحين، بينما الكادحون يخشون أن يجدوا أنفسهم قد تحولوا الى معدمين.
السياسة والاقتصاد لا ينفصلان، ولكن ان أردنا أن نتحدث عن الجانب السياسي "المحض" فسنقول أن في اعتبارات نتنياهو تدخل مسألة الحفاظ على الائتلاف الحكومي وعدم الذهاب لانتخابات رابعة، وفي الجانب الشخصي محكمته، ومن الجانب المحتجين يدخل عامل الحفاظ على "الديمقراطية" الاسرائيلية ويرون في تصرفات حكومة نتنياهو في الأزمة اضعافا للديمقراطية مثل القانون الذي وسع صلاحيات الحكومة في فترة الكورونا وعطل صلاحيات الكنيست.
قبل أن نعرض الى العرب والمجتمع العربي لنضع بعض النقاط على الحروف، عندما نقول "عرب" فتحديدا نعني "المجتمع العربي" الذي أقصد به شيئا واحدا وهو نمط انتاج ما قبل رأسمالي، لذلك فان المجتمع العربي له تحليل لوحده ولا يدخل في معادلة الكادحين والطبقة الوسطى عند المواطنين الاسرائيليين اليهود، كون التشكيلة الاجتماعية الاسرائيلية تحوي في داخلها نمطي انتاج متفاوتين واحد رأسمالي واخر ما قبل رأسمالي بينهما علاقة "جدلية". رغم هذا كله فان العرب لا يستثنون من المعادلة فهم ما زالوا يعيشون في حدود هذه التشكيلة الاجتماعية وتسري عليهم القوانين التي تقرها السلطة السياسية.
العرب هم أكبر المتضررين على مختلف الأصعدة منذ قيام دولة اسرائيل، وأزمة الكورونا فاقمت بؤس المواطنين العرب، ولكن المفارقة هي أن المتضرر الأكبر هو الغائب الأكبر عن الاحتجاجات. بالنسبة للوضع المعيشي لدينا كعرب ما يكفي من الأسباب لنكون في مقدمة هذه المظاهرات، أذكر منها:
1) غياب المشاريع الانتاجية بالكامل وانتشار المصالح الصغيرة التي تشكل نسبة 95,8% من المصالح التجارية في المجتمع العربي.
2) يحتاج المجتمع العربي الى 12-13 الف وحدة سكنية اضافية كل عام.
3) شح الميزانيات المقدمة للسلطات المحلية العربية.
4) نسبة الفقر نتجاوز ال60% عند المواطنين العرب.
5) البطالة: يشكل العرب 18% من الأيدي العاملة ويعمل منهم 13% فقط.
6) نسبة الرهون العقارية (משכנתאות) للعرب هي 2% مقابل 98% لليهود.
7) هدم البيوت وقانون كامينتس العنصري.
هناك أهمية سياسية للمشاركة في هذه الاحتجاجات والمساهمة في تنظيم الاحتجاجات، فكما كان العرب هم المتضرر الأكبر على الصعيد الاقتصادي فهم كذلك على الصعيد السياسي؛ لم يستفد العرب شيئًا من "ديمقراطية" اسرائيل عدا القليل مما يسمح به القانون من حرية تعبير وما يمكن نيله بالتكتلات البرلمانية، استنادًا على هذه الديمقراطية سُنت القوانين العنصرية وشرعنت سرقة الأراضي والحروب وكفلت هذه الديمقراطية "حرية" التحريض والكراهية.
صحيح القول بأن اسرائيل لم تكن دولة "ديمقراطية" حتى بمفهوم الديمقراطية الليبرالية ولو يومًا واحدًا، ولكن هذا لا يعني أن الموضوع لا يعنينا، ذهاب اسرائيل الى سلطة أحادية مركزية يقودها اليمين الفاشي بقيادة نتنياهو سيكون اسوأ للعرب من كل حكومات اسرائيل السابقة وهذه هي الأهمية السياسية التي نقصدها، وليس كما يحاول بعض المتبحجين أن يصفونا ب"المدافعين عن ديمقراطية إسرائيل" أو غيرها من أقاويل فاقدة لكل معنى.
رغم انضمام بضعة أفراد عرب الى هذه الاحتجاجات فإن المشاركة العربية حتى اللحظة خجولة. تغيب العرب عن الاحتجاجات سببه تحييدهم عن المشاركة في الثروة الاجتماعية والمشاريع التنموية، بينما الأوساط الاسرائيلية التي شاركت في الاحتجاجات لم تتضرر فقط انما شعرت بنوع من الاقصاء من المشاركة في الثروة الاجتماعية وانتابها شعور من الاقصاء الاجتماعي لم تعرفه من قبل، بينما العربي لم يعرف هذا الشعور (شعور الشريك في الثروة الوطنية) لأنه لم يعشه يومًا.
بالنسبة للكثيرين فان هذه الاحتجاجات هي شأن إسرائيلي صهيوني داخلي لا ينبغي لنا التدخل فيه، ولكن برأيي على العرب بقيادة الأحزاب وخصوصا الحزب الشيوعي والجبهة، أن ينتزعوا مكانا طليعيا في هذه الاحتجاجات وفرض خطابهم وتوجهاتهم على سلم الأولويات، فالعرب ليسوا بمعزل عما يحصل في الساحة السياسية والاقتصادية "الصهيونية". لا نريد أن نكون الجندي الذي يناضل من أجل الاخرين ولا ينال شيئا فيرفع العلم الأسود حدادا على خيبته ولا ذلك اليائس الذي يرفع الراية البيضاء استسلاما لواقعه. وفي أسوأ الحالات وان لم يستطع العرب الانخراط واخذ دور ريادي في هذه الاحتجاجات وأصر القائمون عليها على عدم شمل العرب، فسيكون علينا أن ننظم حركة احتجاجية في نفس السياق تخصنا وتخص قضاينا وتتمتع بنفس الاستمرارية التي تتمتع بها الاحتجاجات القائمة حاليا، ومهما كان القرار، سواء الانخراط في الاحتجاجات أم لا، فان هذه فرصة مناسبة لنا للاحتجاج والتظاهر في ظل الأزمات والافات التي يعاني منها المجتمع العربي.
ويبقى السؤال الأهم، هل ستنجح الأحزاب العربية، وعلى رأسها الحزب الشيوعي والجبهة، بالتجنيد للاحتجاجات وأخذ دور طليعي فيها أم ستبقى هذه الاحتجاجات مجرد شأن إسرائيلي صهيوني؟
.jpeg)


.png)

.png)






.png)

