دفاعًا عن الذّبابة| علي قادري

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

مضارب الغموض

الشّعرُ كما يروقُ لي تعريفه، هو مادّة الهمّ الّتي تستقرُّ على شكلٍ بذاتها ولذاتها، وقد يكون هذا المدخلُ خطيرًا لتعريف الشّعر، لأنّه يجعل من الشّعر عباءة فضفاضة تتّسعُ وترحبُ بالأجناسِ والأشكال، وبعد كلّ هذه القرون لا زلنا نسعى ونحاول جاهدين البحث عن فهم أصيل للشّعر، وخاصّة الشّعر الحديث بكلّ تصنيفاته من الإحيائيّة  إلى القصيدة الحرّة فقصيدة النّثر وصولاً للنّصّ العابر للأجناس.

وتأتي مداخلتي في هذا الصّدد خاصّة لما أواجهه من أسئلة حول دور الشّعر الحديث ومكانته وجمهور الشّعر المتلقّي في رفضه وعدم استحسانه باستخدام مسوّغات أساسها لصقُ تهمة الغموض والإبهام، وفي هذا المقام تحضرني جملة أبي تمّام الشّهيرة حين سئِلَ لماذا لا تقولُ ما نفهمه يا أبا تمّام، فأجابهم ببديهيّة الشّاعر المستشرف ولماذا لا تفهمون ما أقول. وإن كان قد مرّ على هذه الجملة أكثر من عشرة قرون، فهي لا زالت طازجةً لأيّامنا أيضا.

سألت الشّاعر الرّاحل الكبير سميح القاسم في لقاء يتيم لي معه "أيّ الأشكال أحبّ إليك وأقرب إلى ذوقك؟"، فأجاب باندفاع هوميروس، "إنّ الشّكل هو الأداة، أمّا جوهر الشّعر فيكمن في قوله المتجدّد المتجاوز لزمانه، وقد أقبل كلّ شكلٍ ما دام الشّعرُ قائمًا وموجودًا".

 أقول ذلك محاولاً تفكيك تلك الادعاءات الرافضة للشّكل والمضمون الحديثيْن والبحث في أصول الرّفض ومنبته وسياقه العام، تلك الادعاءات التي ترى في الانزياح عن قول المفهوم والصّريح والصّادح ليس إلا ضربًا من ستر الشّعر بالمجاز وزجّه في مضارب الغموض. على أيّ حالٍ سأحاول أن أخفّف الوطء وأمارس فعل التّفكيك لهذه الادّعاءات التي تطال، بالمناسبة، المنجز الشّعري لشعراء الحداثة العربيّة في السّبعين سنة الأخيرة.

إنّ الاتكاء على المألوف والمأنوس من صريح القول والعبارة في التّراث القديم، نظنّه  أنّه كان مأنوسًا لعصره، وهذا اعتقاد مغلوط، فلو أخذنا مثلا تجربة الشّاعر العروبيّ أحمد بن الحسين المعروف (بأبي الطّيّب المتنبّي) معتقدين أنّ المتنبّي في زمانه كان شاعرًا "مفهومًا" كما يحلو لنا تصنيف الشّعر والشّاعر، فنحن واهمون في ذلك، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّه من القرن التاسع الميلادي فصاعدًا دخل مفهوم "الصّنعة" على الشّعر، وانتقل الشّعرُ برمّته إلى مستوًى جديدٍ في نظمه وقرضه لكلّ المشتغلين به، وأقول المشتغلين، لأنّ الشّعر أساسه الاشتغال، والاشتغالُ هو النّسق الملائم للدراسة والبحث وامتلاك الأدوات والمعرفة، ويسأل السّؤال، وهل يكون الشّعر شغلاً وعملا وصنعة وحرفة كباقي الحرف؟ والجواب هو نعم، وإلاّ لكان كلّ ناطقٍ بالعربيّة شاعرًا ومشروع شاعر وسمّوه كما يحلو لكم.

إنّ الموهبة، كما نطلق هذا التّوصيف ارتباطًا بكلّ فضاء إبداعيّ، لا تكفي ولن تكفي صاحبها إلاّ لزادٍ قليل في رحلةٍ عريضة المجاهل طويلة الارتحال، فماذا تعني الموهبة الشّعريّة؟ لا شيء إن لم تتغذَّ وتأكل وتشرب من اللغة والأدب والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة والفلسفة والأركيولوجيا ودرس الحضارات والآداب العالمية، والفنون على أنواعها. تقولون تبالغ، فهل يحتاج الشّعر إلى كلّ هذه المجالات والحقول، أقول وأكثر من ذلك. فهنا تتجلّى آفاق هذه الموهبة، إن صحّ  التّعبير، آفاق الموهبة، كما هي آفاق النّصّ والمعمول به كي يعيش ويؤبّدَ، وإلاّ فكيف يمكن أن تتحقّق جملة القاسم، في أنّ الشّكل هو الأداة والجوهر هو القول الذي يتجاوز زمانه وحدوده؟

 

//غموض أدونيس و "الصّنعة"

لعلّي أستشيط غضبًا، أحمل وأتحامل على جماهير الشّعر، ولكن سامحوني، أوليسَ من الظّلم والتّعسّفِ أن نصنّفَ الشّعر في أيّامنا أنّه ذلك القول الجميل الذي يقع على وزنٍ وقالب، وإن لم يفعل فعلته في ترنّحنا ويقرع أجراس آذاننا في قوافيه فهو ليس شعرًا! لقد أفنى الشّاعر والمفكّر أدونيس (علي أحمد سعيد إسبر) حياته كلّها في محاولة تعريف الشّعر، ويقول: "فإنّ من يحارب هذا الشّعر باسم الغموض يحارب الأعماق من أجل أن يبقى على السّطح، ويحارب البحر من أجل أن يبقى في السّاقية، ويحارب الغابة والرّعد والمطر، من اجل أن يبقى في الصّحراء. تصوّروا الإنسان أو العالم واضحًا: لن يكون آنذاك أكثر من تسطّح هائل، ولن يكون فيهما مكان للشّعر" (زمن الشّعر، أدونيس، 1996 ص19).

إنّ معظم المنجز الشّعريّ عند أدونيس يقوم على قاعدة (الميتا شعر)، أيّ أنّه كتب في شعره عن الشّعر أكثر مما كتب عن أيّ شيء آخر، ولكن كم من القرّاء والمثقّفين العرب قرأوا أدونيس وتناولوه على محمل الجدّ والعناء، أقول العناء كي أؤسّس منظوري لقراءة الشّعر وتناوله بقديمه وحديثه. وإذا ذهبت أبعد من ذلك مستحضرًا بعض النظريّات الأدبيّة،  واتبّعنا مثلا مبدأ موت المؤلّف لرولان بارت، فإنّني أرى بمبدأ العناء خبز وملح القارئ في تناول كلّ نصّ أدبيّ. وإلاّ فكيف ينتقل القارئ من عنصر خامل إلى نشِطٍ في تفاعله وتجاذبه مع النّصّ الأدبيّ ومع الشّعر والقصيدة على وجه التّحديد؟

عودةً إلى "الصّنعة" وإلى المتنبّي، ألم نقرأ في كتب الأوّلين كيف عاش الشّعر والشّاعر قريبًا من بلاط الملك والأمير؟ ألم نسمع عن الشّعراء المغمورين من الجاهليّة إلى نهاية العصر العباسيّ؟ أولم يكن الشّعر حصان عنترة وحلمه في التّحرّر من عبوديّته؟ أو لم يكرّ ويفرّ امرؤ القيس في أحياء العرب صعلوكًا ماجنًا بعد ان ضيّعه والده صغيرا وحمّله دمه كبيرًا؟ انتبهوا إذًا إلى البيئة الحاضنة للشّعر والشاعر، إنّ بيئته الطبيعيّة على امتداد العصور كانت التفرّد والاختلاف والانزياح، وقد نشأ الشّعر بادئ الأمر في البادية من أثر فعل التأمّل في المأزق الإنسانيّ الملوّح للإنسان في نصب عداء الدّهر له، ولكنّه سرعان ما دخل إلى قلوب الأمراء والملوك، وقد تقدّم الشّاعر في مرحلة مُبكرة إلى واجهة القبيلة كي يكون لسان حالها في الحرب والسّلم، في المدح والهجاء وغيرها. وإذا قفزنا إلى قصر عليّ بن أبي الهيجاء (سيف الدّولة الحمدانيّ) وسمعنا أخبار النّحاة واللّغويين والمشتغلين باللغة والادب في مجلسه، لوجدنا أهل الاختصاص والعلماء يقضون مضاجع اللغة ويفكّكونها، وتلك حالة عكست دور النّخبِ والخاصّة وانحسار الشّعر في تلك المواضع، حتّى ساد الرأيُ أنّ الشّعر يُعنى عند الخاصّة فقط. وأنا لا انحازُ إلى هذا الرأي بقدر ما أومن بأنّ الشّاعر، كلّ شاعر، يخلق قارئه ويمدّه بحبل الوصل الرّفيع المطاطيّ الذي لا ينقطع.

ليس الشّعرُ استعلائيًا وطبقيًّا، ولكنّ له سلطانه الذي يعيد تشكيل وترسيم هموم الإنسان في كلّ عصرٍ، ويتعاطى بجدليّة العطاء والتّلقّي، وبالحفر المزمن في البواطن والظّواهر. وليس الشّعر يعيشُ مع شياطين أو عفاريت أو خرافات، ولكنّه مادّة الواقع والهمّ الإنسانيّ، وشكله هو امتحان الرّاهن والإبداع المتراكم على مدى العصور والحقب والتجربة الإنسانيّة.

 

//القارئ "السّوبر"/ الفائق

عرّجتُ وطوّفتُ وحاولت أن أمهّد ما استطعت، ولكن من جملة الحديث، أنّ فهم الشّعر الحديث يتطلبُ بالفعل إلى "القارئ السّوبر/ الفائق"، وهذا لا يعيبه في شيء، على العكس تماما، فإنّه يدعو القرّاء مجدّدا إلى التّهافت على القراءة والثقافة، وإلى ترسيخ دعائم الاستقبال والتلقّي بمعرفة متّسعة ونقديّة واستشرافيّة وشغوفة، وإن كنّا نلحظ اليوم مساحة مقدّرة للشّعر والشّعراء الشّباب في المنصّات الافتراضية، واستطعنا من خلالها الكشف والانكشاف ورفع حالة الحصار الثقافيّ الذي قبعنا تحت نيره سنوات طويلة بانقطاعنا عن أهمّ المنجزات الثقافيّة والأدبيّة وأهم ما يُنشر في الوطن العربيّ، وأقول أنّني استطعت في السّنوات الأخيرة الانكشاف على أصواتٍ شعريّة لشعراء وشاعرات يبشّرون بطاقات زخمة، وبآفاق إبداعيّة خالية من المساحيق والرّتوش، من أشقائنا العرب، وقد استطاع الشّعر أن يظهر من خلال تلك الوسائط الافتراضيّة والمنصّات مظهر العائد إلى امتلاك ذاته وثقته بنفسه، ولا بدّ برأيي من توظيف تلك المنصّات لمناهضة الإسفاف والتّسفيه وتشويه الذّوق العام، وذلك ممكن.

لو عدنا إلى جوهر الحديث حول الشّعر وتنازله عن القيود الشّكليّة، وسعيه إلى فتح آفاق جديدة لوجدنا أنّ النّمط السّائد اليوم هو ما يُعرف "بقصيدة النّثر"، وقد نجد شعرًا قد تجاوز قصيدة النّثر التي وصلتنا من الشّاعر السّوريّ الكبير محمد الماغوط ومن بعده عبد القادر الجنابيّ ورياض الصّالح الحسين وآخرين، والجيل الذي جاء لاحقًا كقاسم حدّاد وعبّاس بيضون وسعدي يوسف ونوريّ الجرّاح والقائمة طويلة، وبعض الأصوات الشّعريّة الشبابيّة اليوم قد تجاوزت قصيدة النّثر إلى قصيدة عابرة للأجناس، فنرى فيها أدوات السّرد والمسرحة والنّصوص المفتوحة والكثير من التأثيرات الأدبية العالمية والغربيّة.

ولست هنا في موضع الحكم والتّقييم، ولكنّي أجد نفسي أقف مدافعًا عن حقّ الحركة الشّعريّة الحديثة في التّعبير عن نفسها وعن حقّها في الوجود. فإذا كان شعر المقاومة في ستّينيات وسبعينيّات القرن الماضي قد تجاوز واقعه الخطابيّ المباشر ونبرته العالية وبنيويته الأيديولوجيّة  لينقل للعالم صوت المعذّبين القابضين على الجمر في وطنهم، فإنّ ما تفعله الحركة الشّعريّة اليوم هو عمل استثنائيّ ومحسوب، لأنها تميط اللثام عن حالة الرّياء الثقافيّ الذي يصارع تطوّر الحداثة الشّعرية بمعزل عن الحداثة الفكريّة والمجتمعيّة والسياسيّة والأخلاقيّة والجندريّة إلخ، فهذه الحركة هي حركة هدم في كينونتها، والهدم هو شرط البناء كما أفهمه، الهدم الشّكلي يرافقه هدم مضمونيّ متعمّد، ولا بدّ من هذه الجدليّة التي تفسّخ اللغة  وتُقحم الذائقة الجمالية ليس للشّكل فحسب بل للمضمون الذي قد يقف عاجزًا من التّعبير أحيانًا عن أبسط حقوق الإنسان في الكرامة والحريّة والعدالة.

 

//السّياسة في فضاءات الشّعر

فماذا نقول وقد بلغنا أسفل درك على مستوى الموقف السياسيّ العربيّ، باستحضار المستعمر من جديد، ودعوته صراحة وعلانيّة، وبوقاحة وفجاجة لم نعهد مثيلا لها  من قبل ، ولا زلنا ندافع عن أنظمة سياسية أهلكت شعوبها باسم الحريّة والاشتراكيّة والعدالة، وباسم فلسطين وباسم العروبة وقيسوا على ذلك، وعلى الشّقّ الآخر أنظمة خانعة خاضعة مستسلمة تلهث وراء التّطبيع وتحريك عجلة الإنتاج والاقتصاد البتروليّ، وماذا نقول في التقارير التي تصدر سنويّا عن معدلات القراءة عند العرب، وكيف لا نخجل من انفسنا مؤسّسات وحكومات وأنظمة وأحزابًا، وكيف لا نعترف أنّ كلّ حداثةٍ وكلّ ثورة حقيقيّة لا يمكن لها الحياة إلا بأن تعقد العزم على تغيير المنظومات الفكرية والاجتماعية السائدة، وليس بعد، نحن محترفون في تأجيل الصراعات التي تحتاج إلى حسم، ونحن الثّوريّين اكثر الأشخاص الذين نراوح، نراوح بادّعاء المحافظة على الوضع القائم، وبادعاء أنّه ليس هناك بديل، كما كنّا ولا زلنا نسمع من اناسٍ عاشوا حياتهم يدافعون عن حريّة الشّعوب وحقّهم بالتّحرّر من نير الاستعمار ووقفوا في الصّفوف الاماميّة يهاجمون المارد العربيّ المنتفض على الذّلّ والاستبداد وتحالف السياسة مع المال وسيطرة المركز وإخضاع الهامش المسحوق، في مطلع العقد الاخير.

الشّعر عمومًا والشّعر الحديث على وجه الخصوص يتنفّس هواء مغايرًا، ويعيش في مطارح أخرى، ويبحث عن "الإكستريم"، ويذهب إلى أقصى حدود الشّكل، يمطّ اللغّة، ويمدّ التعابير وينحت من صورة الواقع طفلاً يبول على العالم، ويُطلع من بين الأنقاض والرّكام امرأة تبتر ثديها النّاشف تتّهمكم وتتهمّنا جميعًا، نحن من بعناها حرّيّة وعدالة واشتراكية وما فتئنا نخاف خدش الحياء.

إنّ قراءة الشّعر يا قارئي العزيز تحتاج إلى قلبٍ يتهادى على سجيّته بفطرته البكر، وإلى أظافر تمزّق بها جسد القصيدة، وإلى داليةٍ تعصرُ منها نبيذه، يحتاج الشّعر إلى أن تعيد إغواءه فيغويك، إلى أن تضاجعه. والقراءة هي فعل تأثيث، وفي التأثيث يكون التّليينُ ثمّ الإغواء، ويكون الهدم ثمّ البناء، ويكون نسف الدلالات المعهودة والقبليّة والإتيان بعقل رحب وبقلب يعنّ، والعناء العناء، مدخل اللّذة، وأفق الشّهوة العابرة لذاتها، وإلاّ فكيف يتّسع الشّعر في أيّامنا إلى كلّ هذا البلاء والعفن والقيح ورائحة الجثث والبلاد التي تهدّمت على رؤوس أهلها. فعن ماذا نبحث بالضّبط؟

ثمّ إنّ الشّعر اليوم قادر على الحياة كما هو شعر الأوّلين لا زال قادرا على الحياة، لأنّه الشّعر، لأنّه القول النّفيس الخالص الذي علّق تميمة اللغة على تاج الإبداع الذي يتجاوز زمنه وحدوده، ولأنّه يحمل همّ ومأزق الإنسان على كتفيه، فما يبقى منه إلا النّافع المختمر، وأما الزّبد فيذهب جفاء. إنّ عرضي لمنظور العناء و"القارئ السّوبر/ الفائق" هو محاولة إلى تحريك العجلة من جديد، عجلة الثقافة والنّشر والقراءة، وإلى تجديد البيعة للثقافة، ففي جدليّة الأدب والسياسة، نرى تفوّقًا نجوميًا للسياسة والسياسيين على المثقّفين، فنحن لسنا في صراع مقامات، بقدر ما نحن بحاجة إلى تمكين أوتاد الخيمة القائمة على ما يعوّل عليه، وهو السياسة المقرونة بالأخلاق والثقافة المنتشية بالنّقد الحرّ اللاذع الذي قد يمقت سلوكًا لكنّه يظلّ حريصا ومخلصًا للفكرة وفضاءاتها. فكلّ سياسة وكلّ حركة تحرّر في العالم كانت تستند على حركتها الثقافيّة، بشعرائها وأدبائها ومثقفّيها، ولا بدّ للسياسة بأن تتنفّسَ من رئتيْن اثنتين، رئة الثقافة ورئة العدالة، وإلا فستتحوّل إلى حالة شعبويّة مارقة ووضيعة في تاريخ كلّ حركة تحرّر.

إنّ الشّعر هو مرآة الواقع والمجتمع والنّاس، وما ذات الشّاعر إلا التّشظّي الحقيقيّ لتلك المادة، وفي تعبيراته الممشوقة وعلى جذعه تعيش الأعشاب الضارة كذلك، والضّار اليوم هو شرطُ النّافع، فكيف لا يدحر الضّدّ ضدّه، وما علينا إلا أن نمكّن الشّعر منّا كي نتمكّن منه، وحين نتمكّن منه ستنفتح ذائقتنا على مزيد من الجمال والقبح، الهتك والفتك والفضح والانكشاف، والشّعر اليوم لا يحمل لنا البشارة بقدر ما يمكن أن نحمّله هلاك المدن والهولكوست الحديث.

إنّ الشّعر في أيّامنا ذبابةٌ، نضيقُ ذرعًا بها، وتبقى طنّانة إلى أن ترفع رايتك البيضاء في وجهها، فتذهب بك مذهب التّشويش والتنقيب والفحص، وبهذا ولهذا، يكون الشّعر مدخلك إلى تأويل ذاتك أولا والانتقال منها إلى السّطح، والعودة من السّطح إلى الأعماق، وهكذا إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

 

 

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين