*احتفاؤنا بمؤلفات د. محمد عقل معجم الأطباء والصيادلة الفلسطينيين (1748- 1948 م) رد حضاري وعلمي على الرواية الصهيونية المتطرفة بأنهم جاءوا إلى أرض بلا شعب، وإن وجد فلا حضارة له"*
الدكتور محمد عقل شب من تحت الرماد عندما أصابه في صغره الشلل، وأصر على التعليم والعلم وأثبت أنه قادر على تحدي المرض وتحدي الحصار، لقد وضعته مؤلفاته التاريخية في مصاف المؤرخين الفلسطينيين في القرن العشرين ، ولا أنتحل له هذه الصفة تزلفا أو مبالغة بل وضعه ثلاثة مؤرخين وهم الدكتور تيسير يونس جبارة والدكتور سعيد عبد الله البيشاوي والأستاذ الدكتور صلاح العاوور في كتبهما ومؤلفهما الهام " المؤرخون الفلسطينيون في القرن العشرين " الصادر عام 2007م ضمن كتابهما في ص211 إلى جانب المؤرخ الفلسطيني محمد عَزَّة دروزة وعيسى السفري والدكتور طيب الذكر عبد اللطيف الطيباوي الذي أصدرت له بلدية الطيبة مجلدا ببعض مؤلفاته مشكورة آملين أن تحذو بقية البلديات والمجالس المحلية حذوها بالاحتفاء برجالات العلم والابداع بين أبناء شعبنا وهذه الالتفاتات هي بمثابة جرعات مهمة لخفض الجريمة والابتعاد عن العنف وطبعا غيرهم من المؤرخين الذين نعتز بهم.
في مقدمة الجزء الأول يقول الدكتور محمد عقل ص7" هذا الكتاب يسرد حكاية الأطباء والصيادلة وأطباء الأسنان الفلسطينيين الذين عملوا في فلسطين في العهدين العثماني والبريطاني. معظم هؤلاء كانوا من الذوات والأثرياء ما مكنهم من الالتحاق بالجامعات ومعاهد الطب في إسطنبول وبيروت وبعض الدول الأوروبيّة. لقد بذل هؤلاء جهودا مباركة في معالجة مرضاهم، ولكن معظمهم لم يتخصص في فرع واحد من الطب كما فعل اليهودي المهاجر القادم من المانيا. أكثرهم خصَّص يوما واحدا في الأسبوع لمعاينة الفقراء والمحتاجين ومعالجتهم، وإعطائهم الدواء بلا مقابل لكنهم ابتعدوا عن الوصول إلى القرى البعيدة، ما اضطر أهلها إلى التوجه إلى الأطباء اليهود الذين يعيشون في المستعمرات القريبة من محل سكناهم".
في هذا السياق أذكر أن أهالي عارة وعرعرة وكفرقرع كانوا يتوجهون إلى مستعمرة برديس حنّا في حينه لتلقي العلاج عند الطبيب .. . الذي كانوا يطلقون عليه " أبو الخمس بيوت". (1)
//بداية التنظيم والتنظيم النقابي للأطباء العرب في فلسطين:
يشير الباحث والمؤرخ د. محمد عقل إلى أن الأطباء والصيادلة الفلسطينيين حاولوا تنظيم أنفسهم من أجل الدفاع عن حقوقهم، " في سنة 1933م عقد أول مؤتمر للأطباء الوطنيين في حيفا، وفي سنة 1934م أقيمت الجمعية الطبية في يافا، لكن لم يجر تنظيم فعلي لجميع الأطباء العرب إلاّ في سنة 1944م،حين عقد مؤتمر الأطباء العرب في القدس الذي تمخض عن إنشاء الجمعية الطبية العربيّة الفلسطينية . في نفس السنة التي أقيمت جمعية الصيادلة العرب في فلسطين . في سنة 1947م أقيم الهلال الأحمر الفلسطيني"(2).
ومع أن تخصصات الأطباء كانت قليلة كما يذكر الباحث نفسه إلاّ أن هناك من استطاع أن يتخصص في فرع الجراحة في الجامعات الأوروبية مثل" الدكتور نايف حمزة الذي عمل في المستشفى الحكومي في حيفا ونال شهرة عالية لدرجة أن النّاس أطلقوا على المستشفى المذكور اسم مستشفى الدكتور حمزة "(3)
واسمحوا أن أذكر هنا وفي هذا السياق وتأكيدا لما أورده د. محمد عقل ،أن جدتي لوالدي المرحومة ظريفة حسن مرعي \صيداوي، نقلت لمستشفى الدكتور حمزة الذي يتحدث عنه المؤرخ وأجرى لها عملية ناجحة ولكن ظروف بيتها وعملها أدت إلى فتاق في العملية ولم تذهب للدكتور حمزة حالا لحيفا ليعالجها مرة أخرى بعد الفتاق، وبذلك بقيت تحمل درنة الفتاق في بطنها وكنّا صغارا ونعجب من ذلك : فتقول لنا: عملت العملية في أحسن مستشفيات فلسطين وعند أمهر الأطباء هو الدكتور حمزة وقد نقلني إلى هناك والدك( أي والدي أنا)، ولكن بعد العمل في البيت وأنا الوحيدة لشبابي الخمسة وللمحافظة على "الطرش" أي الحيوانات البيتية مثل، البقر والغنم والخيل رفضتُ الذهاب إلى المستشفى مرة أخرى خاصة وان هذا النتوء لا يؤلمني، وكانت تعتز بأنها عولجت في مستشفى الدكتور حمزة وأنه هو الذي عمل لها العملية .
بقي أن أذكر أن مستشفى الدكتور حمزة يحمل في الحقبة الإسرائيلية الحالية اسم مستشفى" رمبام " على اسم الرابي موسى بن ميمون اليهودي الذي تعلم في ظل الحكم العربي والإسلامي في الأندلس.
//الأطباء والثورة الفلسطينية:
تميزت الشريحة الفلسطينية المتعلمة بدعمها وانخراطها بالثورة الفلسطينية الكبرى (1936- 1939م) فالعديد من المعلمين والكتاب والشعراء انخرطوا في الثورة وأبرزهم الشهيد عبد الرحيم محمود الذي قال بيته الشعري الخالد:
"سأحمل روحي على راحتي وأرمي بها في مهاوي الردى
فإمّا حياة تُسِرُّ الصديق وإمّا مماتٌ يغيظ العدى"
وعبد الكريم الكرمي أبو سلمى وغيرهما.
كذلك كان للأطباء الفلسطينيين الحس الوطني
ورغم انتهاج حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين الرقابة الصارمة على الأطباء العرب وانتهاج سياسة " التخفيضات المتواصلة في الميزانية، ففي سنة1920\1921م بلغت نسبة مصروفات دائرة الصحة 9.6% من مجمل مصروفات الحكومة، بينما في سنة 1937-1938 بلغت النسبة 3.1% وبقيت هذه النسبة حتى نهاية فترة الانتداب"(4).
هذا إلى جانب استيلائها على المستشفيات التي كانت في حوزة البلديات وجعلتها مستشفيات حكومية"(5).
رغم كل ذلك قام الأطباء بمعالجة جرحى ثورة فلسطين الكبرى التي يجب أن يتعلم عنها شبابنا بصفتها ثورة شعبية ديمقراطية طالبت بوقف الاستيطان الصهيوني في فلسطين وطرد المحتل البريطاني من عموم فلسطين، وممن عالجوا الثوار ويورد المؤلف أسماءهم " الدكتور فؤاد دعدس والدكتور حمدي التاجي الفاروقي والدكتور صدقي ملحس والدكتور أحمد الطاهر وغيرهم"(6).
كما يشير المؤرخ محمد عقل إلى إصدار الطبيب خليل عبد الهادي أبو العافية مجلة أدبية سياسية (7).
مشاركة أطباء فلسطين في الحياة السياسية والاجتماعية العامة.
ولا ينسى مؤرخنا الإشارة إلى مشاركة الأطباء الفلسطينيين في الحياة السياسية والاجتماعية في فلسطين مثل إصدار مجلة سياسية أدبية كما أشارنا سالفا، فهو يشير إلى أن الدكتور حسين فخري الخالدي أصبح رئيسا لبلدية القدس سنة 1934م، والدكتور عزت طنوس أصبح رئيسا للمكتب العربي في لندن في الثلاثينات من القرن الماضي وبعد النكبة أصبح الدكتور جورج حبش عام 1967م رئيسا للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (8) وعضوا في منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي للشعب العربي الفلسطيني.
وهذا ينطبق على الصيادلة مثل الصيدلي نجيب نصّار الذي توجه للصحافة وأنشأ جريدة الكرمل في حيفا. والصيدلي نقولا شحادة الذي عمل مع أخيه في "مرآة الشرق" (9).
يقدم لنا المؤرخ في الفصل الأول مقارنة قيمة واستعراضا لمميزات الطب العربي والطب الافرنجي ص11-17. ثم في الفصل الثاني يقدم لنا دراسة عن الطب الشعبي والأوبئة في فلسطين س19-42. وفي الفصل الثالث حول الحجر الصحي في فلسطين عبر العصور من ص43-46، الفصل الرابع يتناول الصيدليّات والصيادلة في فلسطين قبل العام1948م ص47-ص80، وغيرها من المواد التي تناولها بالتفصيل الجزء الأول من الكتاب.
بهذا يقدم المؤلف سندا حضاريا موثقا لأبناء فلسطين في جميع أماكن تواجدهم وخاصة الأجيال الشابة بأن فلسطين لم تكن صحراء قاحلة ولم تكن مستنقعات ملا ريا بل كان فيها كل مكونات الدولة العصرية الحضارية، ومن قطع هذا التطور هو الثلاثي الدنس الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية التي تآمرت وما زالت تتأمر على هذا الشعب.
وأخيرا وليس آخرا شكرا جزيلا للدكتور المؤرخ محمد عقل على هذا العطاء ونتمنى لك المزيد من دراسة جوانب أخرى ربما لم تدرس من تاريخ فلسطين.
.jpg)
إشارات:
- د. محمد عقل (2021م)، معجم الأطباء والصيادلة الفلسطينيين (1748-1948م)، إصدار خاص، ص7.
- نفس المصدر: ص7.
- نفس المصدر: ص8.
- نفس المصدر: ص8-9.
- نفس المصدر: ص9.
- نفس المصدر: ص8.
- نفس المصدر: ص10.
- نفس المصدر: ص9.
- نفس المصدر: ص9.
(عرعرة – المثلث)
.png)


.png)

.png)






.png)

