(عنهُ وعن اللّغة العربيّة وحُرّاسِها الأوائل)
لا أعرفُ ماذا يقولون في مناسبات كهذهِ، لكنّني على دَهشةٍ وتأثّرٍ شديدين استحضَرتُ طُفولَتي البعيدة تلك بسنَواتِها الثّلاث المُربِكة في حضرةِ صاحبِ هذه الإحتفاليّة الّتي تليقُ بصُنّاعِ الثّقافةِ، الغيورين على أمجاد الأدب.
والسّنوات الثّلاث الّتي أعنيها تُراوِحُ ما بين الطّبقةِ السّادسة حتّى الثّامنة. تُرى، هل كان جيلَ الثّالثةَ عشرةَ، أم أنّهُ فقط يُخيَلُ إليّ؟ هل كانَ مذاقُ التّعليمِ يومَها يختلِفُ، حَلُّ سُؤالاتِ الصّرفِ والنّحوِ، وفهمُ المقروءِ والتّعبيرِ أبهى وألذَّ، أم أنّهُ يُخيّلُ فقط إلي؟ بعودَةٍ سريعةٍ إلى خَلفِ السّنواتِ أستحضرُ وجهَهُ، أستاذَ اللّغةِ العربيّةِ الصّعب، أوّلَ يومٍ دخلَ فيهِ إلى فصلِنا جهِمَ الوجهِ لا يبتسم، وارتعبنا. صدَّقنا مباشرةً ما بلَغَنا على لِسانِ طُلّابِ الفُصولِ الأعلى. كلّ ما أرعَبَنا في كُلِّهِ العَجيبِ أنّهُ لا يبتَسِم، وسلامِهِ مُنتَقى ولا تُعجِبُهُ قُشورُ الثّقافةِ الّتي نعرِفُها، ولا تفسيرُ القصائدِ والقِصَص، وخطوطِنا الّتي تكرُجُ نِمَرُها بين الجيّدِ والصِّفِر. خلافا لرِفاقي في الفصلِ اعتبرتُ حُضورَ أستاذِ غريبِ الطّباعِ صلبٍ حازمٍ تحدّيا لقُدُراتي. وجدتها مناسبةً للمُغامرةِ وتجاوُزِ الجميعِ في أقسامِ اللّغةِ العربيّة، وربّما كانت خُطُواتي الأولى في تحدّي المُستحيل، ماذا يكون إذن ظهورُ أستاذٍ لا يبتسمُ مُطلقا في فصل يضجّ بخمسَةٍ وثلاثينَ طالبا يبتسمون بلا آخر، بل ويوزّعونَ ابتساماتٍ على عالمٍ عابِس؟ بدأ المستحيلُ بإجابةٍ أولى تجاوزتُ بها رؤوساً كثيرة خفتُ أن أموتَ بعدَها من الخِزيِ؟ كانت الرّغبة في المغامرةِ أقوى من قدرتي على مقاومتِها، لكن مع إصراري ذاكَ تجهّزتُ لبُكاءٍ غزيرٍ تحتَ الطّاولة، إذما خذلتني الإجابة. وكانت الرّؤوس تستديرُ مع إصبعي وأنا ألحّ في إجابة ولا تستسيغ إصراري أمام رجُلٍ غريب لا نعرِفُهُ. قرصتني البنت الّتي جاورتني في محاولةٍ لثنيي عن إلحاحي المُزعِج فضربتُ يدها، وهمستُ، سيضربكم جميعا إذا لم أجاوب. ردّت: وليكن! حينها طالبتها بإغلاقِ حنكِها وانتظارِ النّتيجة. أصابت إجابتي وسطَ دهشةِ الجميعِ، وبدلَ أن يبتسموا لعمليّة الإنقاذِ الّتي أنزلتُ حبالها أمامهُم حقدوا عليّ، واتّهموني بشوفة النّفس. ومنذ ذلك التّاريخ تعرفُني المدرسة كلّها كبنتٍ نَرجِسيّة وشايفة حالها. صدقا، أعترفُ اليومَ أمامَ طُلّابٍ كُنتُ بعُمرِ وردِهِم حينَ قرّرتُ أن أتغلّبَ على رُعبي من الظّواهرِ الغريبةِ والدّخيلة، الأكبر من قدرتي على استيعابِها. وذاتَ يومٍ أخبرتُ أبناءَ صفّي أنّي سأتفوّقُ على أستاذ عزّ الدّينِ بذاتِهِ فسخٍروا منّي، لكنّ أحدا لم يجرؤ عل تسليمي لهُ، إذ كنتُ الوحيدة الّتي تتجرّأُ وتُبَلّغ. كنتُ مفتونة بملاحظاتهِ وتوجيهاتِهِ القليلة لكن الغالية في المطالعة. أجري إلى المكتبة كي أسرقَ الكتابَ قبلَ أصدقائي فيتّهمونني بالأنانيّة. طوالَ دراستي في فصل الأستاذ كنتُ مصدرا لاتّهامات وخيانات لم أفهم يوما واحدا كيف عثرَ عليها الأولاد قبل البنات، بل وبقينا على خصومة حتّى الفصل الأخير من الثّانويّة العامّة. كنتُ أغرفُ من بئرِ عَجَب كلّما هنّأ جملةً قُلتُها ونادرا ما يفعَل، وأعكفُ على مواضيعِ الإنشاءِ كأنّي أعُدِّ نفسي لتجاوزِ الأبد، كلّ ذلك وأربعينَ طالبا يغزّونَ سهامَهُم في دفترِكَ وخاصِرَتِكَ وعينيك.
ارتفعنا سنة أخرى، وعاد الأستاذُ للظّهورِ في فصلِنا الجديدِ القديم. في منتصفِ السّنة أعلنَ الأستاذ أمامَ أترابي عن كاتبة كبيرة اسمُها أنا. لم أكن يومها واثقة من موهبتي، لكنّ إعلانهُ ذاكَ رفعَ قامتي على غير انتظار، ووجدتُ قلبي يخفقُ بشدّة، وأقدامي ترتفعُ حتّى سقفِ الفصلِ أحدّقُ في الرّؤوسِ المتوعدّة حولي ولا أراها. إذن سأكون كاتبة وألمعَ. خجلتُ أن أنظرَ إلى الأستاذ لكنّ وجهي تدفّقَ بعصيرِ البندورة حدّ أنّ الأستاذ نفسهُ لم يفهم لماذا استحلتُ لحبّة بندورة كبيرة. في الإستراحةِ الأولى وقفتُ وسط حلقة البنات وخطَبت، "قلتُ لكم سأتفوّق على الأستاذ وسخِرتم، هل تصدّقون الآن؟"، تباينت الرّدود، لكنّي أذكرُ أنَ ولدا سبّقَ لي في طريقِ العودةِ وضربني بدونِ خوف وسطَ صراخي وبكائي وشتائِمي. هذا الولد للآن لا يجرؤ على رفعِ عينيهِ في عينيّ كلّما جارَ عليهِ الزّمن وصادفني في سوق أو شارع. هكذا أصبحتُ الكاتبة الواعدة بفضلِ كلمتبن من الأستاذ. انتزعتُ معزّتهُ الجًهِمة وحِقدَ أربعينَ رأسٍ تغزُّ دبابيسَها في ظهري كلّما قالَ عافاكِ بانفِعال.
هكذا تماما أصبح المستحيلُ في حياتي مُمكِنا بفَضلِهِ، وذاتَ يومٍ نشرتُ قصيدة ثمّ قصائد. ألغيتُ القصائد وكتبتُ قِصصا فَتَنتْهُ ثمّ رواية. كان الأستاذُ يُتابِعُني على صفحاتِ (الإتّحادِ). حتّى قابلتهُ بعد تخرّجي من الجامعة على درجِ المدرسة الإعداديّة الّتي أنشأتُ فيها قسما للتّشكيل الفنّي وفتَّحتُ لأوّلِ مرّة في عينيه، بادرتُهُ بالقولِ: فخورة لأنّكَ أستاذي. لصدمتي العميقة ابتسمَ لي، وأرسلَ إليّ نظرةَ وُدٍّ لا أنساها، قال, "بل نحنُ فخورونَ بكاتبة مشهورة مِثلكِ". ابتسمتُ لهُ وأنا أغالبُ دمعة شاكست عينيّ وأستديرُ في محاولةِ هرب، شأني كلّما انفعلت,,
سلاما لهُ.. سلاماً إليهِ
سلاااما إليكُم مِنه...



.png)

.png)






.png)

