رواية
عندما يفتح الولد عينيه، تفرد ذراعيها وكأنها تعبطه، وتفتح قلبها ومهجتها وتهتف بصوت سجي باسم:
- صباحك بالخير يا ذياب بن غانم.
صباح الخير وطول العْمير يا ذياب بن غانم
هل تضايقه الدّمْجة المشدودة على جسمه الطري!! لكن الدمجة لها أحكامها وفائدتها. ورشّ المِلْح على كل جسده اللّحْمي!! حتى تظل ريحته طيبة عندما يكبر ويعرق، لكن الملح يشفط ويوجع، وترغرغ عيناها بالدّموع، فكيف لو تسمع وتقرأ ما جاء في كتاب كليلة ودمنة!! إذا جاءت لحظة الولادة، يتصوّب راس المولود قِبَل المَخرج، فيجد من ضيقه مثل ما يجد صاحب الوهق من عصره، فإذا وقع على الأرض فأصابته ريح أو مسّته يد وجد لذلك من الألم ما يجد الانسان وقد سُلِخ جلده، ثم هو إذا جاع وليس به استطعام، أو عَطِش وليس به اسْتِسْقاء، مع ما يلقى من الوضع والرّفع واللّف والحلّ والمَسح والدّهن، وإذا أنيمَ على ظهره أو بطنه لم يستطع تقلّبًا ولا تحوّلًا، مع أصناف من العذاب ما دام رضيعًا...
وكم كانت تفرح وترتاح وهي تفكّ الدمجة المشدودة ويروح يحرّك يديه الطريتين الصغيرتين ورجليه، يُبلعط ويحس براحة وانطلاق، وهي تقلع ملابسه الغرِقة الحامية، وتغيّر التراب الناعم حتى يتغرّق وتبدّله بين فخذيه، وهذا المخلوق يعرف كيف يتطلع إلى وجه الأم البَشوش ويحفظ ملامحها بنظرات كلها شكر وامتنان.
- يا خَيْتي!! وبصوت أمومي حنون عطوف ملوّع دامع تغني:
هودُبَيّا هودُبا
جابَت العنزِه جِدا
حطّيناه في الخابِه
قلَب قُرصِة زَلابِه
قال سيدُه هُوهوه
قالت سِتّو هِي هي
قالت إمّه حُطوا الكُحل الاسْمَر في عينيه!!
فِرّ يا حمام
في لحظة طُهورِه، خرجَت من البيت، عين لا تشوف، قلب لا يوجع، عندما صرخ من الألم، صرخ قلبها ومهجتها، وهي تشهق وتبكي. انوجعتْ يا تِقبِر إمّك!! سدّت أذنيها بالسَّبابَتين، حتى لا تسمع بكاءه، وعندما أزاحت الإصبعين، سمعت كلمات متقطعة، طْهور مْبارك، وغانم يروي حكاية امرأة معروفة بلسانها الحادّ مثل البولاد، لا تخجل من الكلام الواقف، وتقول لدار عمّها أهل زوجها: على إيش بتْحَملوني جْميلِه هاه!! أعْطَتوني زلمِه مِش مْطهّر، (...) حَشا السامعين مِتِل بيت الشّعير المغمّض قبل ما يسْبِل!! طاطَتْ كلماتها في البلد التي راحت تضحك برجالها ونسائها، والورعات المحافظات يستعِذنَ بالله:
- الله يكسِر خجلِك.. طؤ طؤ طؤ يا عيب الشّوم.
كثيرات وكثيرون ظلّوا يسألونها: شو قُلتِ وِلهْ. أما وَصْفِه في محلّها، واضطّر زوجها ان يتطهّر وهو كبير، لكن من يقدر ان يمسك ألسنة الناس عن الكلام، فلا تخفى عليهم خافية! طْهور مبارك، هَملانين همِّك هَلْأيام، ما شدِّه بتدوم، كونوا في حالكو يا عاطلات...
غانم يركب المهرة ويقطع الدرب الوعرية، وديوك السُّمّن والشحارير تتطاير عن جْباب القاتل تنقد الحَبّ الاحمر الداكن الناضج في عناقيد عبيّة، وتنوع طعامها بحَبّ السّوّيد المرشوم على امه، وكبوش البطم، هذا موسمها بعد ان تكون عاشت على أكواز التين البقراطي والغزالي والبياضي، ومرشَت العِنب. في الأرض هناك فدّان البَقَر وعدّة الحراث، والعَلَف، تبن أحمر، وكرسنّه وشعير، الناس ينتظرون "صحوة الفَلّاح" بعد الشتاء الأول، الفدّان الشّبعان زاغ وغزال، يحرثان الأرض المبذورة بأتلام عميقة، يهيل التراب كأعراف الخيل، والغيم الأبيض العالي، في حومات تتواصل وتفترق، والسماء الصافية الزرقاء التي ينكشف عنها الغيم تُبشّر بأيام صحو، وغانم يشدّ على كابوسة عود الحراث اكثر من أي مرّة سَبقتْ، فقد وُلد ذياب، وعليه أن يوفّر للبيت كفايته وزيادة من أسباب العيش، وحتى فدان البقر والأرض كمن تعرف ذلك وتقوم بالواجب، كانت عصافير الحُمّر تغفّ على الأرض المبذورة وتلقط حب القمح الهيتي المصوَّل والمنقّى، بلونه الذّهبي، وأصوات الحرّاثين تملأ المكان، بعضها على شكل زعيق وصرخات:
قَدّم، حَكِّر، لزِق، البركة في بطنك. وبعضها فيها رجاء:
الله يْعينه، هو ها تِرّح. فدادين من البقر والخيل والحمير، حَرّاث الحمير بصوتٍ رخو: حا نتّوفِه، أيْوه أيوه، بَعد شوية. وأحيانا إذا دعت الحاجة وكثيرًا ما تَدعو: هيش تلْمَك بْريعز يُبطّك، ملعون يدَحِدْلك، وأين للحمير أن تكون لها قوة البَقَر وخير البَشَر على كْتاف البَقَر، أما حرّاث الهيش وعمّار الحيش ومعّاط الريش!! فمن يستطيع العيش من عمَل المشاحِر وصيد الطيور وحراث الحمير، لذلك من هذه الكارات الانسان ما يعيش.
غانم يريّح الفدّان، ويرتاح هو، يفلش الزوادة التي حضّرتها غزية من حواضر البيت، ها هي زردة السنديان وأذيال الوعر، خفق قلبه لما حدث قبل سنوات هو وغزية.
ويحلف ان الطير راح يصغي لصوتها وصوت الغزالتين، بنت البلد وبنت بلاد الجيرة، الصُّفّر بصدريّته الصفراء الفاتحة، وقبعته الملونة، والشحرور بعباءته السوداء الغَطْس ومنقده الأصفر، والحجل المكحَّل بأصابعه المصبوغة بالحِنّاء وريشه الكاشح، والتركمان المنقّش المبرقش على الشوك، كأنه يزغرد، ورفوف الزاغ تزعق كأنها تقول في صفّ السحجِة هَوّوهيدّح، حوّلّلوم، وعصفور الحسيسي الصّغير الحِرِك كالحاشي في الصّف، يسوّي ما انْبرط ويعيده إلى نظامه، الاسود راس والاحمر راس من المتفرّجين الورِعين، لا يشاركان في الغناء، القُبّرة في الأعالي تزغرد تحت الشمس وتشارك في زيانة العَريس: وَقْفو لأمه تتْحِلّ رْكابو، والعريس على ظهر الفرس في الطّوفِه، بعد الزّيانه:
وابعثوا لولاد عمّه ييجولو
عالخيول المبرْشمِه يْطاردولو
قلتلو غانم ويا ابن الكرام
عيرني سيفَك ليوم الكيوانِ
قال سيفي حالِفٍ ما بَعيرُه
جاي مسقّط من بلاد اليماني
ويشتد شوق غانم إلى فَغر الارض وبقوة ونشاط وأمل، وهو فلّاح مشهود له، حرّاث وحصّاد وفرّاط زيتون، وصياد ماهر، ولذلك ها هو كل يوم يعود إلى البيت مع عدد من طيور الزاغ أو الزرازير، أو ديكين من الحجل، مع عَشا النار، حطب سنديان يابس وقرميّات بُطم، حتى لا تبرد غزية ولا ذياب، ولا الوالدين الغاليين وقد أورثاه هذه الأرض، وكأنه يشمّ نكهة عرق الآباء والأجداد.
وتعود به الذكرى وهو يحرث كفّة المَشْحَرة، كان والده فرخ شاب تشارك مع صديق له لعمل مشحرة وبيع الفحم في صفد وشراء ما يلزم من ثمن الفحم، قرَطا حطب السنديان من الوعر، لأن فحم السنديان مرغوب ومطلوب، كوّما الحطب بانتظام، كومة كبيرة كعرمة القمح ام الميتين مِدّ، ولم يكن دمْل الحطب بالعفن والتراب سهلًا.
- روّح انت جيب عشا وأنا أنطر المشحرة، قال لشريكه.
- الليلة بدّك توكُلها مفروكِة، الدنيا شتّايه.
لم يصدق هذا القول، مع ان الطيور راحت تتجمع رفوفًا وتتخبّأ في الوعر، وفي النسمات برودة منعشة، ودخان المشحرة يتلوى من فتحتها، وهو لا يستطيع بأي حال من الاحوال تركها، لئلا يلتهب الحطب ويجمّر ويروح التعب سدى. غابت الشمس وتوشّح الكون بجلباب رمادي عكِر داكن، في الأفق الغربي فوق البحر، غيوم بيضاء غامقة حوافيها مسنّنة بشعاع الشمس المغادرة، شقعات الدخان من فتحة المشحرة تتصاعد مهرولة ملولبة متعرجة ثم تذوب في الكون كأنها لم تكن، الليل يزحف ببطء وعناد، بدأت تغيب معالم الأشياء، ومن فتحة المشحرة يتصاعد وهج يغلي غليانًا شرِسًا، بأنفاس ولهاث متواصل، والشّريك لم يرجع حتى الآن، وهو ينصت علّه يسمع خطوات على الدرب الوعري، هدوء ثقيل عابس ولا شيء آخر، ثم ها هي بُروق سيفيّة حادّة لهبيّة تفري وتجرّح أكداس الغيم الذي بدا عاجزًا صاغرًا، وبرق آخر ينفلش واسعًا كثيفًا في صفحة السماء، ورعد عميق بعيد راح يهمهم ويتَمْتِم مقتحما الفجاج الليلي الغامض الرهيب، دبّت على الأرض والوعر نقاط واسعة ثقيلة من الشتاء مصحوبة بهبّات ضاجة صاخبة صيّاحة من الرياح.
توهجت شعلة من النار في فتحة المشحرة، وعليه ان يغُمّها ويطمّها بالتراب، والتراب بارد متغرق. وهو يعرف ان النمر يحب رائحة المشاحر، يشمها من بعيد ويتسلّل، ثقلت ملابسه عليه، ووخزته بألم ورجفة وخزات البرد والخوف والليل والنمر ومراقبة المشحرة لئلا تفتح وتعطب وتخرب. الليل طويل ثقيل رهيب، والسماء معتمة لا قمر ولا نجوم، والوعر صاخِب، حتى لو جاء النمر فلا يمكن سماعه أو رؤيته. كيف صدق الراعي البدوي، وأحسّت الطيور بالعاصفة. كوّع والد غانم عرق شجرة سنديان، ونقاط الماء تدلف وتُشرْبل من الأوراق والغصون والفروع، وهو يتقرقح على الشريك الغائب. بفَرْجيك يا عاطل، غير أغسلَك قتلة مكلّفِه، انت ما على بالك بال، مخبول حدّ النار وأنا علقان وغرقان...
لليل عالمه، وُحوشُه وطيوره، تزعق وتصفر وتتنادى، وهي الليلة صامتة في هذا الضجيج والصّخب، وكيف اسمعها حتى لو زعقت وعوَت وصفرَت. لو بالإمكان إشعال النار، فالنار تونّس وتدفئ وتنشف الغرَق، لكن الحطب الغرقان لا يطاوع، فكّر أن يفجر فتحة في جانب المشحرة ويأخذ عودًا مشتعلًا، في ذلك خطر، والأمر غير مضمون، فالعيدان والمقادير لم تلحق ان تجمّر وتشتعل. بعد ساعات من العذاب والجوع والبرد والخوف راح الكون يكتسي بلون رمادي، قريبًا يهل الفجر ويطلع النهار، وخفّت العاصفة، هي في تواليها، ومن بعيد يصل صوت الشريك: هي خَيّا، وحياة الله ماتت بقرتنا، ذبحناها وجبت معي اقراص منسوفة، هذا اللّي أخرني، وصل ناشفًا باكيًا على فقدان البقرة، والناس كما هي العادة يعوّضون هذه الخسارة بشراء أرطال اللحم، ويحكي والد غانم، رحت أعاون شريكي في المشحرة، أبكي معه، دموعنا نازلة ونحن نأكل أقراص المنسوفة المسلوقة، من الجريش الرفيع واللحم المدقوق الناعم.
اليوم حرث غانم كفّة دار المشحرة، ودار المشحرة لا ينبت فيها شجر، حتى ولا عشب، بقعة محروقة سوداء، حرقتها النار طيلة أيام، وفي البلد الكثير من دور المشحرة.
وها هو غانم يصل إلى البيت ومعه حِمل حطب، عَشا النار، والكثير من حَبّ الزعرور الأصفر والأحمر والحاحوم والقبريش والنّجاص البري الناضج، وحتى كبش من عنب القاتل الأحمر الداكن، الناس لا يحطّبون الشجر المثمر، غذاء للناس والطير والوحشي، ومعه شويّة بلّوط مَلّ، يقمّع ويُشوى على النار، فيه عِرق حَلا.
خفق قلب غانم وهو يحط حمل الحطب، ويتسمّع إلى صوت غزية تغني لذياب. الولد فايق.
- مسا الخير يا بوي يا ذياب!! اليوم بذرتلّك كل البذار، بذار يوم كامل، مدّ قمح هيتي في كفة المشحرة، والرضيع يعرف كيف يبتسم بسمة فوضوية محبّبة، ويتطلع إلى هذه الوجوه المألوفة، ويسّد ويمسح ويهبش الثّدي المحبوب، منه يرضع حتى يشبع، أصابعه الطرية الصغيرة المنمنمة تداعب هذا الشيء، والأم تحس قلبها يُنغْنِش على حركات ونظرات الرضيع، كأن من واجبه حفظ وحماية هذا المصدر لسدّ جوعه وعطشه، يضع الحَلَمة بفمه الوردي، يمصّ مصات ويرخيها ثم يعود اليها، أكل دلال، أكل شبعان.
النار في الموقد يخفق لهبها خفقات رتيبة على مهلها، وهو يلقح عددًا من طيور الزاغ والزرازير على منسفة القش، وغزية تترك ذياب في السرير بعهدة الأب، يعاشره ويناغيه ويكاغيه، ويروح يهزّ السرير، حتى يغفو ويروح يتنفّس من أنفه الصغير، أنفاسًا لطيفة مرتاحة، والأم تستعد لتنظيف الطيور، وتحضير العشاء، والعشاء كبّة طير، كبّة الطير طيبة، والحوايج موجودة، جريش رفيع، فلفل أحمر، بصل مونِه أحمر بلدي وزيت طيب، وخبز صاج مليوح، وبهار نفَس غزيّة طيب على الأكل، وتهيء بلاطة الكبة والدقماقه، تضع رؤوس الطيور والقوانص والقصبة والقلب للقابولية، وتدق اللحم والعظم دقات خافتة منغّمة مألوفة، حتى تنعم الدّقّة وتصبح مثل الحرير ناعمة وردية، وتُعالي طواية البصل على قضيب حديد ملوي ومزدوج فوق الموقدة، وتحضّر صُرر القِرفة والمردقوش، وتدق حزوز الجوز، وكلها تعطي مذاقًا طيّبًا لذيذًا. (يتبع)



.png)

.png)






.png)
