رؤية نقدية لقصيدة رقمية لقصيدة "الخروج من رقيم البدن" للشاعر منعم الأزرق | سناء أبو صالح

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

هل ستتغير ذائقتنا الأدبية؟ هل سَتُغَيِّر التكنولوجيا من هواياتنا وأساليب متعتنا؟ هل سيطالنا حتى نحن الكبار سنًا هذا التطور والتقدم الأدبي؟  حقًا لا أدري!

بداية لا بد أن نتحدث عن ماهية الشعر الرقمي. فهذا الشعر أُلِّف خصيصًا لينشر عبر الإنترنت وليس على صفحات الكتب. كما وهناك الشعر الرقمي التفاعلي الذي يمكن القارئ أو المشاهد متعة المشاركة في تغيير ملامح المشاهد، أو حتى أن يشارك بالردود وبالتأليف. حينها ينتج هناك نصٌّ يتشارك في تأليفه جميع المتلقين. وكأننا في صالون أدبي يتشارك فيه الجلوس الحوار الأدبي. هذا النوع يذكرني بكتاب الأغاني، والذي يذكر فيه الأصفهاني كيف كان يردد جميع الجلوس بل ويؤلفون قصيدة بذات القافية وذات الوزن، حتى الجواري التي كانت تشاركهم المجلس كانت تضيف على الشعر وعلى القصيدة. كما وتذكرني بالحدَّاء وزميله في أعراسنا وفي مجالس الزجل الشعبي، العتابا والمواويل التي كان يقدمها شعراء العامية في بلادنا وفي لبنان، كما وتذكرني بمجالس العزاء التي حدثتني عنها أمي وجدتي حيث كانت تجلس فيها النواحة أو الندابة وتشارك أهل الفقيد في بكاء الميت. جميع هذه الأمثلة تفاعلية، إلا أنها حقيقية محسوسة. هل سينتقل الإحساس بنا ليصبح افتراضيًا؟

منعم الأزرق هو شاعر رقمي من المغرب، من مواليد سنة 1968. حاولت البحث عنه في الإنترنت فلم أجد شيئًا يذكر. مع أنّ أعماله موجودة في الإنترنت إلا أنني بحثت مرارًا لأقرأ عنه. فله عدة أعمال رقمية وان نجدها في أي كتاب إلا تلك الأبحاث التي تناولت دراسة قصائده الرقمية. هنا، فيما بلي لن أقدم بحثًا بل سأعرض هذه الفكرة أمامكم من خلال قصيدة "الخروج من رقيم البدن"، قد تقبلها ذائقتكم الأدبية وقد ترفضها. لا بد لي أن أشكر هنا أستاذي الدكتور خليل عودة من جامعة النجاح في نابلس على فتح آفاق الأدب هذا أمام ناظرينا.

نسمع ونرى في بداية القصيدة صمت الصورة التي يقدمها الشاعر، حيث يضع المتلقي على أهبة الاستعداد لما هو آت. فيقدم الشاعر مطلع القصيدة بصمت مطبق أمام المطلع الغريب: "الخروج من رقيم البدن". يبقى المتلقي في حالة من التفكير والترقب والحيرة... كيف يمكن للإنسان أن يخرج من ذاته؟ والخلفية بألوانها توحي بذلك السديم الذي لا نعرف له قرار، اللون الأحمر الناري الذي يخترقه ذلك الشهاب الأبيض في وسطه، ونرى جوانب ذلك السديم مشوبة باللون الأزرق، كما ونرى شذرات من الألوان متناثرة هنا وهناك.

ثم نسمع تلك المعزوفة المشهورة لجاكلين دو بري على التشيللوLa Carnaval، أنغام حزينة تخيِّم بهدوء على مشاهد القصيدة. إلا أنّ استرسال التشيللو يستثير فضول القارئ لمعرفة ما ستأتي به القصيدة من كلام.

عندما يختفي العنوان، يبدأ السديم بالدوران من أعلى إلى أسفل ثم تطغى عليه بل وتخفيه كلمة "كأنْ"، والتي تبدو بشكل بارز وكبير. ثم تأتي هنا تتمة الجملة " كأنْ لم أكن نطفةً تتهيأُ للكون موتًا"، والتي سرعان ما تتغير ألوان الكلمات الثلاثة الأخيرة فيها من اللون الأحمر الناري الى اللون الرمادي. وهنا يحاول الشاعر أن يستثير المتلقي بلعبة الألوان، فاللون الرمادي في ثقافتنا لا يوحي بسعادة أو هناء بل هو لون الموت والشقاء. كما وأن السديم يتماهى مع كلمة "نطفة" فنراه يستدير على نفسه مكلِّلا المفردة ونرى كلمة الموت تتناثر من حولها.

يجب أن نعي هنا أن السديم عديم الملامح، كما هي النطفة. السديم قبل الخلق والنطفة جاءت قبل أن يتخلّق الجنين. ثم نرى أن هذا السديم اتخذ له حيزًا أكبر في الشاشة لتظهر على طرفه: "كأنّ الذي صار كان جناحًا لرؤيا اشتبهتُ بها". تبدو هذه الكلمات باللون الرمادي منتظرة لما سيأتي بعدها من صوت لدوي للرعد وهطول للأمطار على كلمات: "فاشتعلتُ بشاهقها حبسةً واحترقتُ" وقد جاءت بلون أصفر ناري... أما الأمطار فقد جاءت على شكل أرقام 0 1 2 هابطةً إلى أسفل الشاشة. ثم تأتي الجملة الشعرية باللون الأبيض المشوب بالأحمر "لتنثرني راقمات القصيدة سربَ قوافٍ يبددُ بيت الوثن" وعند اختفاء آخر كلمة نرى أشكال هلامية حمراء تتبدد من على الشاشة.

في الفقرة التالية يبقى شكل السديم ثابتًا، ولكن تبدو الكلمات ثابته عند أعلى الشاشة ماعدا بعض الكلمات التي تتغير. "نعمة الحيّ أن يستفيق من العشق" ثم نرى أن كلمة "نعمة" استبدلت بِ "نقمة الحي أن يستفيق من العشق"، وفي تدريج ثالث نراها: "حكمة الحي أن يستعير من الموت"، كما ونرى الأحرف تتداخل في بعضها يلغي بعضها بعضًا. تتسمر الجملة الأخيرة عند أعلى الشاشة باللون الأصفر الفاقع بينما هناك مجموعة من الأحرف الرمادية المتناثرة في وسط الشاشة تحاول تشكيل المفردات: "ما عتّقَتْهُ الشقوق على حجر الليسِ". كما وبدت كلمة الأيس قبل أن تتشكل لفظة الليس. وفي حركة دائرية تأتي باقي الحروف لتشكل تتمة الجملة: "تلك الكنوز يسمونها كاتمات الزمن"، ومن تحتها نقاط كبيرة تشير إلى إنهاء هذه الوصلة.

ثم تأتي أسئلة استفهامية بشكل متنافر للأعلى وللأسفل: "إلى أين؟ حتّامَ؟" وقد جاءت باللون الأحمر الباهت والأرقام مرافقة مراقصة لها. وفي الشطر الذي يليه نعرف هوية السائل، "قالت وشوم القبيلة" وقد جاء رسمها متعالقًا أحدها بالآخر، ثم نشاهد باقي الخبر "عُدْتُ وقد قيل تُمْحى كأنثى السراب" ثم نرى أن انثى السراب امّحت من الشاشة وظهر الشطر بهذا الشكل: "عدتُ وقد قيل تُمحى إذا مات في الحي نبض البدن" باللون الرمادي اللامع ثم تستبدل كلمة البدن بالوثن؛ "إذا مات في الحي نبض الوثن".

هذا هو المقطع الوحيد الذي يتأخر على الشاشة. قد تكون كلمة الموت هي ما سمحت بهذا البقاء. فقد تأخرت الكلمات في المقطع التالي لاحتوائها على الموت: "حكمة الحي أن يستعير من الموت". كما وأن كلمة موتًا تأخرت على سطح الشاشة في المقطع التالي: "كأنْ لم أكن نطفةً تتهيأُ للكون موتًا". هذه دلالة على أنّ الموت باقٍ فينا.

 عند المقاطع الأخيرة يتوقف صخب الموسيقى الصادرة من التشيللو وتلوح نغمات من قيثارة تتوقف إعلانًا لموت البدن وموت الوثن. ثم يظهر عنوان القصيدة مذكرًا القارئ المشاهد باسم هذه القصيدة وهو: "الخروج من رقيم البدن" في صمت مطبق. فالقصيدة تبدأ بالصمت وتنتهي بالصمت.

يتحدث الشاعر هنا عن لحظة الموت، وقد تكون لحظة الحياة، وقد تكون هذه هي حالة العشق الإلهي عندما يصل الصوفي إلى حالة من العشق والوجد في الله. هذه اللحظة النورانية الكاشفة لأسرار الكون، لذلك نرى المؤلف الرقمي اختار لنا هذا السديم عديم الملامح ليتماهى معه في حيثيات قصيدته. 

طغت هذه القصيدة على المتلقي كمتلقٍ للنص وليس كقارئ، فقد أسرت لبَّه بالموسيقى والألوان، إلا أنّ كلام القصيدة بقي مشتتًا، لا يمكن للمتلقي أن يستحوذَه من القراءة الأولى أو الثانية... لا بد لي كقارئ أن أمسك قلمي وأبحث عن ورقة لأدون ما أسمع... لا بد لي أن ألغي رقمنة القصيدة لأُرجع الكلام إلى مواضعه. لا تصلني القصيدة، بل يصلني مشهدٌ سرعان ما يتلاشى كما تتلاشى كلمات القصيدة على الشاشة. 

 

* * *
"الخروج من رقيم البدن"

 

كأنّ الذي صار كان جناحًا لرؤيا اشتبهتُ بها

فاشتعلتُ بشاهقها حبسةً واحترقتُ

لتنثرني راقمات القصيدة سربَ قوافٍ يبددُ بيت الوثن

نعمة الحيّ أن يستفيق من العشق

نقمة الحيّ أن يستفيق من العشق

حكمة الحيّ أن يستعير من الموت

ما عتّقَتْهُ الشقوق على حجر الأيس... الليسِ

تلك الكنوز يسمونها كاتمات الزمن

*******

إلى أين؟

حتّامَ؟

قالت وشوم القبيلة

عُدْتُ وقد قيل تُمْحى كأنثى السراب

عدتُ وقد قيل تُمحى إذا مات في الحي نبض البدن

إذا مات في الحي نبض الوثن

"الخروج من رقيم البدن"

 

رابط القصيدة الرقمية:  https://youtu.be/i9KRD5IJ5Ow

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين