رحيل حادي العيس| عدنان أبو ربيع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

هي سيرة ومصير، فرضتا حتميتيهما علينا بإصرار لا يعرف الكلل، نحن أبناء هذا الشعب الصابر الصامد، ان نودع، نحن الرعية، رعاتنا وأعلامنا وروادنا، المكافح تلو الكادح، والمقاوم تلو المقاوم.

 تعلمنا من هذا الرعيل، رعيلنا الأول، أن نمحو كلمة يأس من قاموسنا النضالي، تعلمنا منهم انتزاع فسحة الأمل رغم ضيق العيش، وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل. هذه هي سنّة الحياة لدى  الشيوعي الأصيل الشيخ داوود عريقات.

كان من البديهي، كلما سافرنا نحن أبناء الناصرة، إلى القدس، أن يكون ضمن برنامجنا، إما في الذهاب، وإما في الإياب، أن ندخل أريحا من بابها الأول إلى بابها الثاني فنستقر عنده، وما هو إلا باب بيت رفيقنا طيب الذكر داوود عريقات، أبو سلام، المشرّع دائما والمطمئن أبدا، وعلى مصراعيه مفتوح منذ أن شيد.

كنا ندخل، أولى مدن المعمورة، برعشة الطفل العائد إلى حضن أمه، لا كما دخلها يشوع بن نون، حارقا مدمرا قاتلا لكل ما هو حي.

ولكم أذهلْتنا يا أبا سلام قراءاتك المادية، الموضوعية للتاريخ، ووضوح تفسيرك لسيرورته وربطهما بما نحن فيه اليوم، وكيف تجري الأمور وأين تصب.

كنت بارعا يا أبا سلام في تفسير الأحداث، فلسطينية، وعربية وشرق أوسطية وعالمية، على أساس مادي، كنت فذا بربط قضية شعبنا الوطنية العادلة وتبيّن ارتباطها بالأطماع الإمبريالية وبالأهداف الصهيونية وبخيانة الرجعية العربية الجبانة، العاهرة الفاجرة، التي لا تجيد إلا الخنوع والولاء لمن يضمن لها بقاءها الكريه.

لم تنطلِ عليك خدع التسميات فكنت من أوائل من رفضوا وناهضوا اصطلاح التطبيع المر بمعناه الحقيقي حسب القاموس السياسي الإسرائيلي المنبثق عن صفقة القرن وما به من مكر؛ فالتطبيع، بمفهومه الاجتماعي واللغوي أيضا، صيغة إنسانية تلائم كل شعوب ومجتمعات العالم، شرط أن يقوم على أساس التكافؤ والمساواة والعدل. فالتطبيع إذًا لا يلائم ما يجري على الساحة العربية والفلسطينية لأنه قائم على النوايا الخبيثة الماكرة. لقد أصر أبو سلام على تسمية ما يحدث بالأسرلة، وهي التسمية الحقيقية لما يحدث. وما الأسرلة إلا الخنوع والقبول بما تليه المؤسسة الإسرائيلية بتأييد ودعم الصهيونية والإمبريالية وبمباركة حكام العار العرب.

الأسرلة هي بث الجهل ونشر الفرقة وإشعال نار الاقتتال العربي العربي، تدفع اليها نوايا إبليسية لغاية في نفس يعقوب، وما أشبه يعقوب الأمس بيعقوب اليوم.

رغم الألم الذي طالما اعتصر قلبك، والضيق الذي ملأ صدرك والهم الذي جرى في عروقك، إلا أنك أنت كما أنت، وكما عرفناك، ترضى بالقليل وتجود بالكثير.

لم تخدعك الفوارق الوهمية المصطنعة بين الجليل والقدس وحيفا ويافا واللد والرملة والمثلث، والنقب والضفة وغزة وأي فلسطيني عابر سبيل. فالفلسطيني ما هو إلا فلسطيني حتى قيام الساعة، فالغد حتما لشعبنا والمستقبل شرط للطبقات المسحوقة في كل أرجاء المعمورة مهما طال ليله ومهما بطأت كواكبه.

نِعْم ما أقمت من أسرة رضعت حليب الوطنية الواعية، اعتزت بهويتها الإنسانية الوطنية الاشتراكية وسلكت درب المساواة الاجتماعية، ولم يكن بوسعك تحقيق هذا الإنجاز بمفردك. وبدون دعم وتضحية ومساندة رفيقة دربك الرفيقة أم سلام. فلها السلام العام والشفاء التام.

رحلتَ وما زلت باقيا معنا وفينا، وما انفكت رواية حياتك تدوي بيننا، من مهدك إلى لحدك كنت كريما، ومن "جفرك" الظالم الظلامي حتى أريحتك الفيحاء العابقة. من شبابك حتى شيخوختك، عشت مكافحا وعنيدا، ولن نفعل ما يزعجك ويعكر صفو مزاجك حيث أنت.

سنبقى على طريقك سائرون.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين