رسائل محمود شقير و حزامة حَبايب وأكثر من حُبّ| د. نبيه القاسم

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أنْ تعيش حياتك كلّها، لا تجد لك صديقا مخلصا أمينا، تجد فيه المُكمّل لك، الحافظ أسرارك والمُعين لك وقت تفتقدُ كلَّ الآخرين، الصديق الذي يفرح بفرحك ويحزن بحزنك، لا يتمنّى لكَ إلّا الخير والنّجاح والفرح والسعادة، ولا يهنأ في أيامه إنْ وجدَكَ على غير ما يُحبّ لك. أنْ تعيش حياتك هذه فهي الجحيمُ وهي العذاب.

وأنْ تجدَ الصديقة التي تُريد، تتحقّقُ الفرحةُ التّامة والسّعادةُ الحقيقيّة وصِدْقُ المشاعر والتّعامل والاخلاص والتّفاني، وتُحَقّق تَجسيدَ الجنّة على الأرض.

لكنّهم غرسوا في عقولنا منذ الصّغر أنّه "إذا خلا رجل بامرأة فإنّ الشيطان ثالثهما"، وهكذا رفضوا إمكانيّة وجود الصّداقة النّقيّة الطاهرة بين الرّجل والمرأة، وأصبحت المرأة في عرفهم، مصدرَ الانحراف والانجرار نحو الرّذيلة وإيقاع الرّجل بالشرّ.

لكنّ الوقائع والشواهد على مدى العقود والقرون أثبتت العكس، وأكّدت أنّ علاقة الرّجل بالمرأة إذا بُنِيَت على الصّداقة الحقّة والاحترام المتبادل والثقة تكون الأقوى والأصدق.

 وأستطيعُ أنْ أشهد أنّ الصّداقة الحقيقيّة تكون الأصدقَ والأعمقَ والأنقى بين المرأة والرّجل من تلك التي تكونُ بين امرأتين أو رَجلين لأنّها تكون غيرَ مُعرّضة للغيرة والحسَد.

ورغم أننا نعيش في مجتمع يَدّعي الانفتاح والتّحضّر، يتغنّى بالصّداقة والإخلاص والعلاقات الإنسانيّة، إلّا أنّه مجتمع لا يجسُر فيه رجلٌ على دعوة زميلة دراسة أو عمل على فنجان قهوة، أو لجلسة تجمعُ بعضَ الأصدقاء والصّديقات، فكم بالحَريّ أنْ تقوم امرأة بذلك.

وجاءت رسائلُ محمود شقير و حزامة حبايب لتُؤكدَ ما قلتُه حول وجود الصّداقة النّقيّة الحقيقيّة بين المرأة والرجل.

تقول حزامة حبايب: لقد منحني محمود شقير نعمة الصّداقة الغالية بين رجل وامرأة، تكون فيها الكلمات كتفا وسَندا ورفقة درب عذبة، وهذا بحقّ من أنقى أشكال الحبّ. (ص5)

ويُجيبها محمود شقير: أصبحت رسائلنا زادا لا غنى عنه (ص56)

 

 

هذه الرّسائل

 تقول حزامة حبايب في تقديمها للرسائل: "على مدى سنوات، نسجنا محمود شقير وأنا أبهى الكلمات، من خلال رسائل تبادلناها من دون انقطاع، قطعنا عَبْرها طرقات من البَوح السّخيّ المُرسل، وتشاركنا فيها مشاعرنا وأفكارنا وبعض أحلامنا. وتَسارَرْنا هواجسنا ومخاوفنا وذاك القلق المتربّص في دواخلنا. وفي لحظات كثيرة، كشفنا عن روحَين بالغَتَيْ الهَشاشة، تتكئ كلّ منهما على الأخرى. وكانت هناك مساحات من البَهجة والغبطة، المسترقة من غفلة من الأحزان الغائرة في الذّات، كما كانت هناك أنفاق من العتمة والكآبة التي تسلّلت إليها نفسي، وسط صبر الصديق على صديقته. صديقين كنّا. وصديقين نبقى."(ص5)

على مدار سنوات تبادل محمود شقير و حزامة حبايب أربعا وستين رسالة، كتبت منها حزامة إحدى وثلاثين رسالة، بدأتها برسالتها الأولى يوم 11.5.2005 وختمتها برسالتها الأخيرة يوم 15.3.2021. أمّا محمود شقير فكتب منها أربعا وثلاثين رسالة، الأولى كانت يوم 12.5.2005 وختمها برسالته يوم 16.3.2021.

يقول محمود شقير: "كان يُمكن لهذه الرسائل أنْ تظلّ مُخَزّنَةً في مَلفّات الحاسوب، ذلك أنّنا، أنا و حزامة حبايب، كنّا شرعنا في تبادل الرّسائل في العشريّة الأولى للقرن الحادي والعشرين، وبعد أربع سنوات من تبادل الرّسائل استعَضْنا عنها برسائل سريعة بين الحين والآخر عَبْر الإيميل. هذه الرسائل منحتنا أثناء كتابتها مساحة للرّاحة من أعباء الحياة، وجاءت تعبيرا عن صداقة نقيّة، واشتملت على تأمّلات وبوح وتفكير بقضايا الأدب وبالحياة الشخصيّة لكلّ منّا."(ص7)

 

رسائل شقير وحبايب فريدة ومُتميّزة

 

ما يميّز رسائل محمود شقير و حزامة حبايب أنّها بين صديقَين مُبدعَين جمعتهما الصّداقةُ وحبُّ الأدب والمعرفة وهمومُ الحياة ومشاغل الإنسان الخاصّة والعامّة. لم تربط بينهما علاقةُ حبّ وعشق، بل صداقة قويّة نقيّة طاهرة جعلت الواحدَ يجد في الثاني حافظَ أسراره وشريك همومه وحاملَ آماله وأحلامه ومُجسّدَ أهدافه ورفيقَ دربه، به ومعه يرضى باستمراريّة الحياة التي يخافها ويعافها. فحزامة حبايب تقول بصراحة "هذه الرسائل انتشلتني من جفاف إنسانيّ في محيط ناشف من حولي، وجعلتني أدرك أنّ صداقتنا الأصيلة هي من بين الأبقى"(ص240).

بهذه الفَرادة والتّميّز تختلف رسائلهما عن رسائل كلّ من غسان كنفاني وغادة السمان وأنسي الحاج وغادة السّمان وخليل حاوي ونازلي حمادة ورسائل جبران خليل جبران ومي زيادة التي كان الحبُّ المتبادَلُ أو من طرَف واحد هو دافعها.

علاقة  حزامة بمحمود شقير بدأت بإعجابِ قارئة مُحبّة للأدب بقصّة له قرأتها في "صوت الوطن". وبكلمات حماسيّة شبابيّة قالتها مُعلّقة على كلام صديق أَبْدى إعجابَه بقصص محمود "شو يَعْني؟ سأكتبُ أحسن منه". وتعترف أنّها كانت تمزح ولم تكن تُفكّر بالكتابة بصورة جدّية، وأنها ستصبح كاتبة. ولكنّها تعترف أنّ محمود شقير كان من أوائل المُؤثّرين على مسيرتها الكتابيّة. (ص180) وكان لقاؤها الأوّل بمحمود في مدينة عمّان عام 1991 في مكتب الغدّ للدّراسات، وقد عرَّفها على محمود الكاتب صلاح حْزَيّن.

 

رسائل تطرح قضايا فكريّة واجتماعيّة وسياسيّة وأدبيّة

 

كون محمود شقير و حزامة حبايب ينتميان للوطن الواحد فلسطين، وللقضية الواحدة، ويعانيان من الهمّ الفلسطيني الكبير، إضافة إلى الهموم العربية والإنسانية، كان الدّافع وراء إحساسهما بالغُربة والرّفض والقَلق والخوف من الآتي، خاصّة بعد الطّرد الجَماعي للفلسطينيين من الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي الذي كان قد احتلّ البلاد.

 تقول حزامة: "أنا حزينة. منذ شهور، والحزن مُتجذّر في قلبي، ليقتات من روحي وجسدي. أحاول أنْ أخرج منه، فيحاصرني أكثر. أسأل نفسي: أين أنا؟ ما الذي جاء بي إلى هنا؟ كيف؟ ولماذا؟ أنا لستُ أنا التي اعتقدتُ أنّها أنا! منذ فترة، وأنا أستعيدُ حقبا مؤلمة، تبدو الآن غابرة، في حياتي. وكأنّي، لغبائي المُطلق، اكتشفتُ مؤخّرا.. مؤخّرا جدّا أنّي بلا وطن، بمفهوم المكان.. المكان الماديّ، الذي تبصق عليه وتلعن ربّه، ومع ذلك هو لك، شئتَ أم أبيتَ.. شاء الربّ أم أبى.. لا مكان، أي مكان يضمّني، لا مكان يُلَملمُني، ويُلملمُ أشلائي، أشلائي التي راحت وأشلائي القادمة. يا الله كم أنّ الإحساس بالغربة يهجم عليّ.. يا الله كم أنا غريبة.. غريبة ووحيدة.. لا بَشَريّ أستكن إليه.. ولا سكينة يمنحني إيّاها بشريّ. ثم ماذا؟ هل من غربة ثالثة أو رابعة أو عاشرة أروم؟ العالم يضيق، والأوطان كلّها ليست لنا. يا ليتني أعثر على مكان.. مكان لا أشعر فيه بأنّي أقف في فراغ." (ص210)

حتى أنّ  حزامة تنصح كلّ واحد أنْ يجد له الملجأ الآمن خارج الوطن العربي. تقول حزامة "من الحكمة أنْ تُؤسّس لنفسك ملجأ آخر، ليس وطنا، وإنّما مكانا تلجأ إليه، لتستعيدَ فيه عاطفتك وتسامحك مع قسوة وطنك وزلّاته"(ص34)

 ورغم أن محمود شقير يرفض تَرْك الوطن والهجرة لأنّ "الوطن حتى ولو تركته تظلّ فيه ويظلّ فيك، وخيار الهجرة بالكامل ليس مطروحا لأنّ جذرا لك في الداخل يجب أن يظلّ مَغروسا" إلّا أنّه يُدرك صعوبةَ الحياة في وطنه ومدينته الحبيبة القدس بسبب شرور الاحتلال وممارساته والفَلتان الأمني والفوضى، والمجتمع الفلسطيني يتهدّد بانهيار القِيَم والتّعصّب. يقول محمود: "أشعر بقلق حقيقيّ من الحالة التي انتهى إليها المجتمع الفلسطيني. ثمة تدهور عام وانهيار للقيم وارتداد إلى حالة من التّعصّب الذّميم، الذي قد يتفاقم في المستقبل القريب ليهدّدَ حياة كُتّاب ومُثقّفين وسياسيين وكاتبات وفنّانات، مثلما جرى ويجري في الجزائر. في مجتمع كهذا لا يقرأ ولا يحترم القراءة ولا الكتابة ولا الثقافة ثمّة جماعات سَلَفيّة مُتزمّتة آخذة في الانتشار في مجتمعنا، وهي تُحاول اللجوء إلى السّلاح لفَرض وجهات نظرها على المجتمع، والمجتمع آخذ في التّفسّخ والانحطاط. والذي أرجوه ألّا تستفحلَ هذه الظاهرةُ بين ظهرانينا، وألّا تجدَ فرصتَها في الانتشار! لكنْ مَن يدري؟ إنّ انسدادَ آفاق الحلّ السياسي للقضيّة الفلسطينيّة قد يدفع إلى مَزيد من التّطرّف وإلى مزيد من الفوضى والخَراب"(ص 207) وهو يفتقد لحقوق المُواطنة تحت الاحتلال الإسرائيلي، ويلجأ للقضاء العَشائريّ غير المُلزِم.

كما ويشكو محمود شقير من الالتزامات الاجتماعيّة وهَدْرها للوقت الذي يضيع هباء "أحضرُ الأعراسَ والجنازات وغير ذلك من المناسبات  الاجتماعيّة التي لا تنتهي، أهدر وقتا غير قليل في ذلك، وأشعر أنّني فَرْدٌ نَكِرَة في جمهور نَكِرَة لا يعرف متعة العيش ولا أُصُول الحياة الصّحيحة"(ص39)، إضافة إلى الإثقال الماديّ على الناس الذين يُعانون من الوضع الاقتصادي الصّعب، حتى أنّه كثيرا ما كان يُفكّر بمغادرة حَيِّه بعض الوقت، خاصّة في أشهر الصّيف التي تكثر فيها الأعراس والوفيّات والمُشاجرات وغير ذلك من المصائب والمناسبات مثل واجب زيارة حجّاج بيت الله لدى عودتهم من الديار الحجازيّة، ويقول بشكل ساخر "سيأتي زمن نذهب فيه للسّلام على كلّ مَنْ ذهب إلى القدس في الصباح وعاد منها في المساء. (ص145). ويقول: "أحيانا أفكّر بالانفلات من إطار هذه الأسرة، للتّخفّف من الالتزامات الاجتماعيّة المُتكاثرة. والسؤال المُلح: كيف يستطيع إنسان ما أنْ يكسرَ هذه الرّوابط، ويتحلّل منها وينفلت من إسارها بعيدا عن قيودها اليوميّة المَرئيّة وغير المَرئيّة؟ كيف؟" (ص165)

وتشكو  حزامة لمحمود من آفة اجتماعيّة حسّاسة عانت وتُعاني منها، وهي النّفاق الاجتماعي، وغَدْر وخيانة الأصدقاء والمعارف "أنا شبه مُنعزلة عن الجميع، تعرّضتُ لخيانات بَشعة كثيرة، اكتشفتُ حتى المثقّفين، أو أدْعياء الثقافة يقطرون خداعا"(ص37). وتعترف  حزامة قائلة "أصبحتُ في الآونة الأخيرة قاسية جدّا، وفقدتُ قُدرتي على التّسامح بسبب الخيانات الكثيرة التي تعرّضتُ لها، والتي للآن لا أفهم لمعظمها سببا أو دافعا. ثمّة قَدْر كبير من الكراهيّة والبُغض حولي، أصدقائي القليلون جدّا.. جدّا يقولون إنّها غيرة، لكن هل يُمكن أنْ تبلغَ الغيرة بأحدهم حَدَّ السّعي بجهد وإيمان مخلص إلى تدميرك بأيّ ثمن؟ أخشى يا صديقي أنّني أكره الناس وثمّة أناس بعينهم أتمنّى فناءَهم، وهذه بحدّ ذاتها فكرة مُرعبة" (ص123).

 ويُحاول محمود شقير تفسيرَ الظاهرة لخزامه وتهوين وقعها عليها بقوله "هؤلاء أناس مُخفقون في حياتهم، ولديهم مُرَكّبات نقص تجعلهم يشعرون بعدَم التّوازن حينما يرَوْن شخصا ناجحا، وبذلك فأفضل شيء لهم هو الانتقام منه بالكُرْه والحَسَد وتوجيه الاتّهامات والتّآمر للإيقاع به ولتدميره، وهذا السّلوك المذموم إنّما هو واحد من نتاجات تخلّفنا. وهو نتيجة التربية المشوّهة في مجتمعات زراعيّة تُنمّي مَشاعرَ الفَرديّة والأنانيّة في نفوس أفرادها، تلك المَشاعر التي تُشجّع على النّميمة والغَدر والخيانة"(ص127)

 

الكتابةُ نعمة أو نقمة؟!

 

تتساءل حزامة حبايب "عن جدوى الكتابة، أهي مُتنَفَّسٌ للقلق أم النّزق أم الحُبّ أم الكراهيّة أم.. أم؟!" لكنّها تؤكّد "أُريد للكتابة، رغم كلّ ما فيها من مَشقّة وإرهاق واستنزاف جسَديّ ونفسيّ أن تحقّق لي، في المحصّلة النّهائيّة، المتعة. (ص23). والكتابة كما تقول: "من الوسائل التي تُعين على سلبيّات الحياة" (ص45)، فالكتابة هي الحقيقة والحياة في أكثر صورهما صدقا وإخلاصا.

وترى أنّ "الدّافع للكتابة عند المُبدع الحقيقي لأنّ ثمّة كائنا واحدا على الأقلّ في هذا العالم، قد لا تسمعُ به أو تعرف عنه أيّ شيء، تُحْدِثُ كلماتُك فيه تَغييرا، وهذا يكفي. (ص77)

وتتحدّث حزامة عن أهميّة الكتابة بالنسبة لها "يجب أنْ أكتبَ. لأنّ الكتابة بالنسبة لي حاجة حياتيّة، الكتابة وحدها هي التي تجعلني أحتملُ قسوةَ العالم من حولي. بالكتابة أكون أنا كما أريد، أكون أنا كما أودّ أنْ أكون، عاشقة مخلصة للحياة، كما ينبغي للحياة أنْ تكون. على الأقل، في الكتابة أنا لا أخون نفسي، إذا لم أكتب أموت، وميتتي ستكون مُزرية، بائسة، مَدْعاة للإشفاق، دون أدنى شكّ. حياتي لا تكتسبُ لونا وطعما ورائحة إلّا بالكتابة."(ص224)

لكنّ الكتابة في الوطن العربي تُشكّلُ تهديدا لأمن الحاكم والمُحيطين به، فتخضع للرّقابة ولمقص الرّقيب. فكتاب  حزامة القصصي "ليل أحلى" مُنع من التّداول في الأردن، وآلمها أنّ أحدا لم يُحرّك ساكنا، وعلى ذلك يقول محمود شقير "يحقُّ لكِ أنْ تغضبي لأنّ الرّقابة ما زالت تُلاحقُ الأدبَ في القرن الحادي والعشرين. تلك مَهزلة ومأساة في الوقت نفسه. ولا أدري متى يقلع الرّقباءُ في الوطن العربي عن مُهمّتهم المَقيتة التي لا تجلبُ سوى البؤس والخراب."(ص192)

 

النّاقد والمَنقود في كلّ منهما

 

قد تكون هذ الرّسائل التي يُقَيِّمُ كلّ منهما فيها إبداعَ الثاني أجْملَ صفحات الرسائل لما فيها من مَشاعر التّقدير والصّداقة والصِّدْق والرّغبة في البَوْح. وتبدو  حزامة هي سيّدة الموقف، المُبادرة الجريئة الشّجاعة المُحبّة المَدفوعة للإشارة إلى مواضع الجمال والتألق والتّميّز والفَرادة في إبداعات محمود شقير، وفي الوقت ذاته الحَريصة على التَّنْبيه إلى مواضع الضّعف والنّقص وإمكانيّات التّبديل والتّغيير وحتى الحَذْف.

تكتب له خزامه: "قرأتُ قصصَك في كيكا، وهي ممتعة وفي السّياق الأخير ذاته لكتاباتك لتنطلق لاحقا في مشروع القصص الأطول، التي أحبّها منك خاصّة بعدما بات لك بصمتك عبر مَلَكة لغويّة تجمعُ بين البساطة والدّهشة في الوقت ذاته، لتكون في المحصَّلة تجربة قراءة مُمتعة تحفرُ في الذّهن طويلا"(ص133)

لكنّها تنتقد الإهمالَ في طباعة كتابه "مرور خاطف" قائلة: "كان يُفتَرَضُ يا صديقي أنْ تنشرَ كلّ قصّة على صفحة على حِدَة، حتى وإن كانت تتألّف من سطر واحد! (ص102). لكنّها تُظهر إعجابَها بما قرأت "الأسلوب في المُجمَل عَذبٌ، فيه سلاسة وهشاشة، وخاصيّة السّهل المُمتنع، ومن الواضح أنّك لم تستكن لأساليبكَ القديمة فثمّة تطوّر ملحوظ فيها"(ص103)

أمّا في انتقادها لكتابه "رام الله التي هناك" تُنَبّهه إلى أهميّة ذكر تاريخ الزيارة وربط هذا التاريخ بظروف ثقافيّة وسياسيّة واجتماعيّة بعينها. ثم كانت ملاحظاتها حول الكتابة بقولها: "ثمة بعض الكتابة التّقريرية في عدد من المحطات والرّحلات، وهي أقرب للكتابة الصحافية منها للأدبية." وتقترح عليه في زيارته المُزمعة لمدينة براغ التي كان قد عاش فيها ثلاث سنوات "أرى أنْ تُكثّف التّعاطي الشّخصي و "الشّخصاني" في كتابتك المُزمَعة عبر البحث عن ذاتك في المدينة، ذاتك التي كانَتْها يوما، ذاتك التي عليها اليوم، وذاتك التي قد تكونها غدا. من جديد ابحثْ عن "ثيمة" أو ثيمات" تنطلقُ منها في الأزقّة والدّروب، فلتكن الثيمة مثلا البيت الغريب والبَعيد الذي أصبح بيتَك، ويوم كنتَ تعتقد أنكَ تأسى غربتك فيه وتحزن لآلاف الأميال التي تفصلك عن الوطن، استحال هذا البيت من خلال عشق المدينة واحتمالها لأهوائك ونزقك إلى بيتك. وتستطيع أنْ تأخذ أيّ ثيمة أخرى مشابهة كالمرأة والشارع والمقهى.."(ص61)

وفي تعليقها على كتاب "مدن فاتنة وهواء طائش" تقول "عنوان الشّقّ الثاني حميم وقريب إلى القلب ويوحي بتجربة شخصيّة لا تخلو من "طيش" أقترح أنْ تتمسّك به. وفي الحقيقة أوحى لي العنوان بأشياء كثيرة، فإلى جانب الشوارع والمقاهي في المدن التي تستطيع أنْ تنطلق منها، كمَدخل تتبدّى فيه شخصيّتُك وشعورُك في المكان في لحظة التّفاعل معه، هناك "المرأة" كثيمة في رحلاتك، يُمكن أنْ تتكرّر. فبعض المدن يا صديقي تتلوّن صورُها في الذكرى من خلال رجل بعَينه أو امرأة بعَينها. فتكون نقطة الانطلاق في وصف مدينة ما امرأة اكتشفتَها فيها أو عُدتَ إليها مشتاقا، من باب الهواء الطائش! أو طيش الهوى".

وبخفّة دم تُطمْئنُه: "ولا تَخفْ.. في سنّك التي أنتَ عليها فإنّ أحدا لن يُحاسبَك"(ص19).

ويكتب محمود شقير ل حزامة رأيَه النّقديّ في روايتها "أصل الهوى" "إنّها رواية جميلة بكلّ المقاييس، لمحتُ بذورَها الأولى في مجموعاتك القصصيّة السّابقة، أمّا هنا فقد تفتّحت البذورُ ونمت وأينعت. كم أعجبتني جرأتُكِ وأنتِ تكسرين مُحرّمات الجنس والسياسة! كم أعجبتني لغتكِ السّرديّة المُتقنة، اللغة الحسيّة المجبولة بعَرَق الناس ومَشاعرهم وهمومهم وأشيائهم. وفي الرواية ذهاب ممتع إلى مساحة جديدة من مساحات المأساة الفلسطينية. تذهبين إلى الناس العاديين الذين دفعهم التّشرّدُ من وطنهم إلى البحث عن حياة تسترهم وعمل يسدُّ رمَقَ أبنائهم. ولا تخلو الرواية من حِسّ ساخر يسري بهدوء ومَكْر في كثير من مَشاهدها. أعجبني أسلوب السّرد الذي يتّخذ من التّداعيات عنصرا أساسيّا، حيث تتجاور مَرْويّات من أزمنة مختلفة، والرواية في حركتها أشبه ما تكون بدوّامة عاتية تأخذُنا ذات اليمين وذات الشمال وفي كلّ اتجاه، مصوّرة حركة الحياة في صَخَبها وعنفها وفي رحابتها وجمالها". (ص197) ويكتب لها عن روايتها "قبل أن تنام الملكة" "استمتعتُ بقراءتها، وهذا في رأيي شرط من شروط الكتابة الجميلة. وأعجبني ما فيها من سَرد مُتْقَن ولغة جميلة قادرة على تجسيد أدقّ الخلجات والمشاعر والرؤى والانطباعات. ثم إنّ لديك ذاكرة بصريّة قادرة على تصوير التّفاصيل ومُراكماتها في نَسق جذّاب ملائم للحالة التي تُريدين نقلّها إلى المتلقي". (ص231)

 

محمود و حزامة: تكامل، نقاء ورُقيّ

ما يشدّني لرسائل محمود شقير و حزامة حبايب، إضافة إلى كل ما ذكرتُه، أنّها، أيّ الرسائل، جسّدت أمامي هذا التّكامل والنّقاء والرُّقيّ الذي وَحّدَ بين مُبدعَيْن أصيلَين: حزامة حبايب الصبيّة الصغيرة الواثقة بذكائها وتفوّقها ونجاحها وتأكيدها لصديقها المُعجَب بالكاتب محمود شقير بكلمات اندفاعيّة طائشة "شو يَعْني؟ سأكتبُ أحسن منه" وعندما تلتقي بمحمود عام 1991 في عمان تشدّها إليه شخصيتُه الهادئة الرّزينة وكلماتُه الجميلة القليلة، وبالمقابل محمود شقير يجد أمامه شابّة مُمتلئة بالحياة والأحلام والرّغبات، مُبدعة لها المستقبل كلّه. ومن حيث يدريان أو لا يدريان يجد كلّ منهما تكامُلَه في الثاني. ويكون أنْ يكتبَ محمود مقدّمة لكتاب "مختارات من القصة القصيرة الفلسطينيّة" ويتناول قصة "حلم واقعي..إلّا قليلا" ل حزامة حبايب فتفرح وتُرسل عَبْر  attachment"" رسالة لمحمود تشكره على كتابته وتطلب منه رأيَه في مجموعة قصصها بالكامل.

 وهكذا تتواصلُ الرسائل بينهما، وإنْ على فترات مُتقطّعة، على مَدار ستّ عشرة سنة، كانت حصيلتها هذه الرسائل الجميلة.

يحافظ محمود شقير في رسائله على هدوئه ورَزانته ومَنطقيّته وعُمق تفكيره ومسؤوليته ووطنيّته ونقائه وسَعَة صدره. ويرى في حزامة صديقة أثيرة وابنة وشقيقة وتلميذة ورفيقة، يستمع إليها ويقرأ كلماتها، فينفعل ويتأثر، ولكنّه عندما يكتب لها يكون نِعْمَ الشّقيق والأستاذ والهادي والمُشجّع. يُشاركها في عشق الموسيقى والغناء، ويفرح وهي تصف له كيف غنّت ورقصت أثناء وجودها في مطعم في باريس: "حين بدأوا بغناء "كوانتا لاميرا" "وجدتني أفِزُّ من الكرسي لأرقصَ في منتصف السّاحة، وسط انسحاب الجميع لأكون راقصة فَرديّة وسط جمهور قَوامه من الأوروبيين رافقوني بابتسامات مشجّعة. "(ص62). وكيف مرّة ثانية "ارتديتُ ملابسي الرياضيّة وخرجتُ من البيت في نزهة إلى الكورنيش الذي يبعدُ عن بيتي مسافة عشر دقائق سيرا على القدمَين. كانت الساعة تجاوزت الحادية عشرة ليلا. لم أحمل معي أيّ شيء. مرّة أمشي ومرّة أركض ومرّة أقفز. مرّة أمشي على الرّصيف ومرّة أمشي على حافته بتوازن دقيق كي لا أقع. كنتُ أهزّ ذراعيَّ في الهواء في حركات دائريّة. ثمّ بدأتُ أحرّكهما كجناحي طائر ووجدتني أركضُ وأقفز. أجمل ما هذه المدينة أنّ أحدا لا يقول لك: ما الذي تفعله؟ أو يُطالعك بنظرات استهجان"(ص82).

وفي رسالة أخرى تُحَدّثه عن رحلتها إلى باريس لحضور مؤتمر صحفي "حيث نزلتُ في فندق أنيق في الشانزليزيه في جناح مؤلّف من طابقين، صالون وغرفَتَي نوم وثلاث حمّامات، وكان يحلو لي أنْ أقفز وأنطنط على السّرير، وأحيانا انتقل للنّوم من غرفة لأخرى لأُصَعِّبَ الأمرَ على "الروم سيرفيس.. ولمَ لا؟" وتحكي له كيف "قطعتُ الشانزليزيه طولا وعَرضا سيرا على القدمَين، وكنتُ أقصم أوراق الخريف تحت قدميَّ بفرح طفولي. وأينما وجدتُ تجمّعات للحمام، كنتُ أقفز وسطها لأفزعها فتطير من حولي، وأنا اضحك.. ولا أحد يقول ما الذي تفعله؟". (ص87/88)

فيُعلّق محمود شقير على كل ذلك بهدوء ورَزانة "لقد جاءت رسالتُك أشبه ما تكون بنَصّ أدبي مليئ بالحيويّة والانطلاق. كم كان ممتعا ذهابك للرقص وسط جمهور من الناس".

وتحثّه  حزامة على الانطلاق والتّحرّر من العادات والتّقاليد والمَظاهر والقالب الذي ارتسم له في عيون الناس "لمَ لا تُمارسُ بعضا من التّفاهات اللذيذة في الحياة؟ لمَ لا تَصخب وتُجَنّ؟ ولتترك كلّ شيء يقودُك كما يُريدُ لا كما تُريدُ أنتَ" (ص28).

وتدفعه للخروج من قوقعة القبيلة والعائلة وحتى الأسرة لينطلق في العالم الرَّحب مُتحرّرا من القيود المُكبّلة والعيون المُراقبة "أترك القبيلة وتحرّر منها. أدِرْ ظهرَكَ للقبيلة، وتَحَلّ بفضيلة الأنانيّة" (ص36)

فيعتذر محمود شقير لها عن قبول طلبها "إنّني لا أكتمُك أنّ الهجرة الكاملة من الوطن، صعبة جدا بالنسبة لي، بسبب الرّوابط العديدة التي تشدّني إلى البقاء في الوطن، وبسبب التّقدّم في العمر والخوف من التّعرّض لنكسات صحيّة" (ص30). لكنّه يتقبّل نقدَها "استمتعتُ كثيرا وأنا أقرأ ملاحظاتك السّديدة على الكتاب. ولقد أعجبني بشكل خاص المآخذ التي تُسجلينها عليه"(ص64)

هكذا بهدوء ورَويّة واحترام يتعامل محمود شقير مع  حزامة حبايب حتى أنّه في بعض الرسائل يكشف لها عن بعض جوانب حياته البيتيّة والخاصّة إضافة إلى مشاركتها في همومه الفكريّة ورؤيته للكثير من القضايا الاجتماعيّة والسياسية، ولا ينسى قسوة الزمن وأنها تَصغره بما يزيد عن العشرين سنة، فالحياة أمامها بينما هو يريد مُسابقة الزمن وإنجاز ما عليه أنْ ينجزه من إبداعات ومشاريع يريد تنفيذها. يُصارحها محمود "أشعرُ أنّني في سباق مع الزّمن، وأنّ فسحة الوقت المتبقيّة لي ليست كافية، وأنّني ما زلتُ مُطالبا بمَزيد من الإنجاز" (ص164)

 

خزامه والبَراءة العَفَويّة

مُقابل الرّزانة والهدوء والتّريّث في سلوكيّات وتعليقات وملاحظات محمود شقير المحكومة بالطابع الذي عرفناه به وأحببناه عليه، وبالهموم والسّنوات التي تُلاحقه وتذكّره   أنّ العمرَ يمضي، نجد  حزامة حبايب تنطلق بعَفَويّة وطَلاقة وفرح حقيقيّ لتُعلّقَ على ما كتبه لها في رسالة "أنا لا أدخّنُ ولا أسكرُ ولا أتناولُ طعاما دَسما، وعلى رغم ذلك أُصبحُ عُرضة للمرضّ! فأين هي العدالة في ذلك؟" (ص98) تُمازحه  حزامة بقصّة المريض الذي ذهب إلى طبيب يشكو ألما غامضا لا يعرف له سببا، وكان يجيب الطبيب بالنفي مُردّدا كلمة أبدًا على كلّ سؤال يوجّهه إليه، حينها وضع الطبيبُ سمّاعتَه وتأمّله قائلا:

-لا تأكل ولا تشرب ولا تُدخّن ولا تُحبّ ولا تُمارس الجنس ولا تسهر ولا تقرأ الصحّف ولا تُشاهد التلفزيون، فلماذا "عيشتك" إذن، أليس من الأفضل أنْ تموت؟!"

وتستدركُ قائلة بعد ضحكة طويلة "ولكن بالطّبع يا صديقي الجميل أتمنّى لكَ موفورَ الصحّة وطولَ الحياة كي تمنحنا على الدّوام كتابة جميلة" (ص104-105)

وطرفة خفيفة ظلّ أخرى تَرويها في رسالة كتبتها لمحمود عن عَرّافة أيرلنديّة قالت لي مرّة بأنّ لكلّ إنسان حياة سابقة، قرأت لي طالعي، ورأت أنّني في الحياة السّابقة كنتُ ملكة وأنّ ثمّة خَدَما وحَشما كانوا تحت إمرتي ليل نهار. وحين قلتُ لزوجي الذي يحتمل جنوني بصبر حقيقيّ، إنّني كنتُ ملكة وأعامَل كمَلكة، حرص ألّا أنجرفَ إلى ذاك الزّمان السّحريّ وقال لي: كُلي خَرا! وقومي جلالتك سَوّيلي فنجان قهوة! فلم أنسَقْ وراء أوهامي طويلا. وبالفعل أعددتُ له القهوة"(ص93)

 

وتكون خاتمة الرسائل

وبعد انقطاع عشر سنوات يعود محمود شقير وقد بلغ الثمانين من العمر ليكتبَ إلى حزامة حبايب رسالة يسألها رأيها في نَشْر رسائلهما التي كانت، ويُبلغها أنه بعد شهر سيبلغ الثمانين من العمر، فتنتفض فَرحا وتسأله مندهشة:

-ثمانون عاما!! معقول؟! ثمانون عاما يا صديقي وتزداد شَغَفا وألقا ووسامة. ثمانون عاما يا محمود؟ أكبرتَ كلّ هذا القدر؟ أحصَدتَ كلّ هذه السّنوات، بسمانها وعجافها؟ أدَخَلتَ العقدَ التّاسع من عمرك يا محمود؟ أكاد لا أصَدّق!

وتستعيد  حزامة السّنوات البعيدة التي تعرّفت فيها على محمود وقرأت له وأُعجبت بكتاباته وكان أثرُه كبيرا عليها، وكيف التقته في عمان، وتكتب:

بعد كل هذه السنوات، ثمّة شيئان أنا مُتيقّنة بشأنهما: الأوّل أنّ هذه الرسائل انتشلتني من جَفاف إنسانيّ في محيط ناشف من حولي، والثاني أنّها جعلتني أدرك أنّ صداقتنا الأصيلة من بين الأبقى".

وتُنهي رسالتها بحزن يتفجّرُ وكلمات تقطرُ ألما "عِدْني يا صديقي أنْ تعيشَ أكثر وأن تكتبَ أكثر، وأنْ تبقى في القدس، قُدسك، تُحصّنُها بالحكاية، وتُحصّن ذاتَك وقلبَك بالكلمات.

في الثمانين، ما زلتَ يا محمود بَهيّا. ما زلتَ شقيّا في كتابتك، وما زلتَ تتشافى. عن جَدّْ.. كلّ ما بتكبَر يا صديقي بْتِحْلا." (ص246)

وجاء ردّ محمود في رسالته الجميلة الرّزينة الأخيرة لحزامة تحملُ كلّ الحبّ والصّدق والرُّقي والطّهارة التي نعرفها في محمود "يسعد صباحك يا صديقتي الجميلة المُدهشة. سَلِمَتْ يداكِ وقلبكِ على هذا النّصّ المُدهش الصّادق. مع تمنيّاتي لكِ بالصّحة وراحة البال والإبداع الدّائم." (ص247)

 

ويظلُّ السُّؤال؟

هل بعد كلّ هذا الرّقيّ والنّقاء والمَحبّة والإخلاص الذي كان ولا يزال بين المُبدعَيْن خزامه حبايب ومحمود شقير نجد مَنْ يُنكرُ تَحَقّقَ الصّداقة بين المرأة والرجل؟!!

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين