إنَّ للغابة والشجرة والحديقة رمزية تصويرية في الفن، وقد كان لمعالم كلٍّ منها ايحاءات وخصوصية معينة أراد الفنّان أن يبرزها من خلال فنّه التشكيلي الذي يخاطب الذائقة الذهنيّة والحسيّة وما يثيره من مشاعر وأحاسيس تداعب النفس المشاهِدة المتلقيّة وفقًا لخلفية المتلقي الفكرية والثقافية والاجتماعية، وعمق رؤيته الفنيّة بأَبْعادِها الإنسانية متعدّدة المناحي والاتجاهات. وفي هذا السياق، نبدأ برمزية الغابة في الفن حيثُ تُصَوَّر كمكان مظلم منعزل مع وضوح منير مضيء في وسطها أي مركزها، وذلك كرمز لإتمام وبلوغ الاستهلال الروحي. ويمكن تأويل وتفسير الغابة إمّا كمكان مُقَدَّس أو رمز للمراكز الهامة الأعمق للعقل اللاواعي.
إنّ البُعد المقدّس مُشتق من الحقيقة بأنّ الغابة تتألف من عدد وافر من الأشجار، التي تشكّل رموزًا للنسيج اللنفاوي الحيوي للعالم وللقدرة التجديدية للطبيعة. ونظرًا للتشابك الكثيف للحياة النباتية والظلال داخلها، على أية حال، فإنّ الغابة أيضًا تُعتَبَر مَسْكِنًا للمخلوقات الهجينة والشيطانية (أقزام، تنين، عمالقة، أساطير عن آلهة الغابات، مخلوقات خرافية، حوريات، ساحرات) وهي مرتبطة بالمجهول. إنَّ الساكنين الأكثر أهميةً في الأحراج والغابات تشمل رجال الغابات، كتشخيص للطبيعة غير المُرَوَّضة قبل دخول الزراعة. وفي القِدَم، بعض الغابات كان لها تبجيل وتوقير، مثل تلك التي كانت مسكونة من قِبَل إلاهات الفنون والعلوم (عند اليونان) فوق جبل بارناسوس أو كَرْم البَلّوط «دودونا» في إيبروس، الحَرَم المقدّس القديم لليونانيين. وفي الأدب الكيِّس المؤيِّد لسياسة البلاط، والملاحم الفروسية، فإنَّ الطريق خلال الغابة المظلمة يمثِّل اختبارًا للحماسة والهمّة والنشاط.
واذا تحدثنا بالمفهوم النفسي، فإنّ الغابة هي رمز للأنوثة غير المستكشَفة. إنّ قلب الغابات، وعادةً يُمَثَّل كأرض مقطوعة الشجر، يرمز الى التطويق المقدّس الذي خلاله يقوم بطل الرواية بالاتصال بالإلهي.
وحينما نأتي لدراسة رمزية الشجرة في الفن، فإنّها تمثِّل المحور والمركز الباطني الغامض للكون وعنصر الاتحاد بين أسفل العالم (الجذور)، الأرض (الساق)، والبُعد السماوي (أوراق الشجر والأغصان).
إنّ كونًا حيًّا في حالة نمو مستمر، تشكّل فيه الشجرة صورة حياة في كُليّتها. ولهذا السبب فإنّ الشجرة قد بُجِّلت ووقِرّت من قبل الكثير من الناس. إنّ البلوط، شجرة الدردار، واشجار الزيزفون، كانت أهدافًا للعبادة في شمال أوروبا ؛ التين، الرمان، واشجار الزيتون في حوض البحر الأبيض المتوسط. إنّ الشجرة الكونية تدفع وتغرز جذورها في داخل السماء وفروعها في رحم الأرض، غارسةً وصابّةً نُسْغُها وحيويتها السماوية مانحة الحياة. إنّ أغصانها تتوافق وتنسجم مع العناصر الخمسة: الأثير، الهواء، النار، الماء، والتراب.
كثير من آلهة نشأة الكون ارتبطوا بالأشجار : أوزوريس (شجرة الأرز)، جوبيتر (البلوط أو السنديان)، أبولو (الغار)، ديانا (البندق)، منيرﭬﺎ (الزيتون).
إنّ العذراء مريم نفسها قد شُبِّهَت بشجرة الخلاص التي من ثمارها وُلِدَ الفادي.
في جنّة عدن الوارد ذكرها في سفر التكوين بالكتاب المقدّس تنتصب شجرة الحياة وشجرة معرفة الخير والشرّ، اللتان سيُستخدَم خشبهما لصُنع صليب المسيح. ومثل الصليب، فإنهما ترمزان الى الموت والقيامة (البعث) – تَبَرْعُم البراعم بعد استراحة الشتاء – وهما مراكب الصعود الروحي.
وكرمز قضيبي (phallic symbol)، مولود من عضو آدم، فإنّ الشجرة تمثّل الاتحاد بين الانسان أو الرجل والطبيعة. إنّ تفرُّع الشجرة قد يكون نَسَبِيًّا، كالذي في شجرة يسَّى (والد الملك داوود)، أو قد يكون هذا التفَرُّع فكريًا أو عقليًا، كما هو في شجرة المعرفة. إنّ الشجرة الخيميائية، بالمقارنة، ترمز الى قوة الخيال الخلّاق المُبدِع.
وبانتقالنا أخيرًا الى الحديث عن رمزية الحديقة فإنّه يتم تقديمها كمكان مُنَمَّق مُتَرف، غالبًا ما يكون محصورًا، مُزَيَّنًا بنوافير رشاشة، أشجار فواكه، وحيوانات مُدَجَّنة. إنّ الحديقة تمثِّل بُقعة مُقدّسة، مكانًا مُفرَدًا ومحجوزًا للمُسْتَهَل والمُنفَصِل عن الواقع اليومي. ومن حيث كَوْنُهُ مكانًا محميًا، محاطًا بالجدران أو بسياج رمزي؛ فإنّه من الممكن أن يكون محروسًا بواسطة كائنات عليا، كالملاك على بواباتِ الفردوس أو جنة عدن، أو محروسًا بمخلوقات خرافية، كما هو في الأساطير الكلاسيكية (حديقة حارسات التفاح الذهبي في الميتولوجيا الإغريقية).
ومن حيث كونها محكومة بمبادئ آمرة مثل وصايا الهية، ثقافة، وفن، فإنّ الحديقة الرمزية فوق كل ذلك، هي حيِّز بشري، محمي من طبيعة غير مدّجنة ومروّضة ومن مخاطرها وشَرَكها (حيوانات متوحشة، غابات مظلمة). إنّها متميِّزة واستثنائية، مع ذلك، عن المدينة، غرفة التجارة والعمل، ومن القلعة، ومقعد الطاقة. إنّه حَيِّز مُعدّ لممارسة الراحة بالمعنى الايجابي، ولسمو النَفس.
إنّ جنّة عدن ترمز الى حالة وظروف من الغبطة والسعادة البالغة التي عاش فيها الأسلاف من الجنس البشري قبل الخطيئة الأصلية. إنّها كانت حالة من الكمال التي حاول الانسان يائسًا أن يعود اليها منذئذٍ، كما تشهد على ذلك رحلاته العديدة (الحقيقية والمُتَخيلَة) بحثًا عن الفردوس المفقود. إنّ الحديقة الكيِّسة التابعة للبلاط السياسي هي مكان حيث يتمّ فيها «ترويض» العاطفة والانغماس في الشهوات الحسيّة من خلال طقوس الحديث، الموسيقا، والرقص ؛ من الممكن أيضًا أن تتضمن دلالات صوفية، ما ورائية، كما هو في الأدب الفارسي وقصص الحب والمغامرات القروسطية المتأخرة.
(كفرياسيف)



.png)

.png)






.png)

