رواية: ذياب (11)| محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

زرع الانجليز قطعة مطاولة من الأرض بشتلات الصنوبر، وسموها "حْراش المَحزور"، فوق وادي عين الجرون، تعجب الناس لهذا الامر، وعْر البلد كله سنديان ومَل وبطم وعبهر وقاتل. وعيّنوا "مآمير حراش" من البلد ومن أماكن اخرى، وصار مأمور لِحراش يتعارض النساء وهنّ يحملن حملات الحطب، ويأخذ المنجل المشكوك في الحملة، ولا يعيدها الا بعد دفع المخالفة، والمصاري قليلة في أيدي الناس، هنالك الكثير من القمح والحبوب، أما العِملة فهي قليلة، وأهل البلد يقايضون بالقمح ما يحتاجونه من تجار صفد، وأجرة الناطور والحلاق من البيدر، قمح وعدس وحمص.

وإذا فلتت بعض رؤوس المعزى على حراش المحزور او رْباع الصنوبر كما أسماه الناس، فهناك المخالفة الكبرى، ولأول مرة صارت تمرّ في البلد مقاطير من اليهود، عشرات عديدة في كل مقطار، يذهبون الى سَرْطبا والجرمق والزابود وحرفيش، وحتى يهود صفد في حارة اليهود، تغيّرت لهجتهم – طِولِت مناخيرهُن – واستعاد الناس ما تحكيه "فريدة الهُزْبُر" وأصلها من بلدة المطلّة، اشتراها البارون روتشيلد منذ سنين عديدة، زمن الأتراك، ومختار صيدا، أما مختار المطلة "علي الحجّار" فوجد مقتولا على الطريق بعد ان عادت فرَسه بلا خيّالها، وفريدة خلقتها حلوة، بيضا بيضا مثل القُلقاس، وعيون زرق مثل نور العِلت، نظيفة مْشبرقه، بيتها جنب المغارة، ومتزوجة في البلد، ولها اولاد، تلبس قنابيز المخمل والشال العجمي، واللباسات المَغلينه بالحرير، كانت هناك بنت عِز. وتعاون الانجليز والفرنساوية في لبنان على طرد أهالي المطلة تحت حكم الأتراك.

مآمير الحراش والمعّازِه صاروا يمنعون الناس من تطويع الأرض، وواحد من المعّازه كان ينادي على مأمور الحراش عن السطوح، وعلى طول حِسه: حُط العلامات على سياج الكروم، وجاء وُجَها البلد ونقّطوا "عبد المجيد" زلمة الاتراك والانجليز بعين غباطِه وحواكيرها شرقي حرفيش، نقّطوا ابنه البكر بكل أرض غباطه، وباعوا موقع – ماروس في الخيط، صار الناس يحسبون ألف حساب لحُكم الانجليز، جمّعوا السلاح من أهل البلد، والسلاح إما جِفت خلِع بُقَصَلِه او قصلتين لصيد الأرانب البرية والحجل والزاغ والطيطبوس والزرازير، او بواريد إم جنزير لحماية المعزى من الذئاب التي تهجم على الطّرش والحلال.

مع اليهود الذين يمرون في البلد، صبايا وشباب، مع الماشي على الأول بارودة انجليزية، ومع الماشي على التالي بارودة، وذياب وبقية الاولاد يغرّون اليهود طرْق جمَش، وهم لا يقيدون ولا يردون على الأولاد طالما هم في البلد، أما عندما يبتعدون الى "كرم عيد" فيحملون الولد ويخبطونه في الأرض، او يسفّونه كفوفا على وجهه، غزية وفريدة وسعدى يلعنون اليهود "من أبا وجْدود".

وجاء الى البلد يهوديان من صفد، ازْحاق الجبّان وحاييم، يشترون الحليب من المعّازه ويعملون اقراص الجبن والقريشه، ازحاق طويل، أطول واحد في البلد، على رأسه طُفّاريه مرفرفِه واسعة، وبنطلون واسع، وهو جْرودي لا شوارب ولا لحية، حتى ولا كَزْكوزه، وجهه أشقر رو مثل الشمرْميق، ويحكي عربي بلهجة خاصة، لكنا حقّاني، يدفع حق الحليب للمعازه على دايِر بارَه ويطلب من الناس: يا معوّدين هاتولنا معكو عودتين حطب. يفوّر الحليب في حاكورة الشامية ويجبّنه اقراصا وينقله على ظهر البغلة الى صفد، والناس يشترون القريشه يأكلونها مع سكر، كل يوم يطرق مشوار على صفد ويعود في المساء ليستلم الحليب، والواحدة تقول: بَدّي أروح أكفِت الحليبات على الهودي، أما حاييم فلسانه ثقيل وهو انسان كِشر وبخيل، لذلك ظل ازحاق لوحده يستلم الحليب. وذياب وذويناته يتفرجون على ازحاق وهو يفوّر الحليب على مواقد النار، في دسوت كبيرة، يتركها عند الجيران. وأحيانا لا يبخل على الأولاد، يجلب لهم الملبّس وفُزدُق العبيد وكعكبان وبِزر ميّال الشمس، يصبغ الشفاه بلون أزرق غامق. وذياب يحكي في البيت عن ازحاق الجبّان، الأولاد يشحطون الشَّل والحطب للجبّان، ويقول: إجا المفتش على المدرسة ونبّه علينا ما نضرب جمش على اليهود، واللي بضارب بمدّه المعلّم فلقه.

ويجد الناس الوقت للحزازير والتناجيق وحكي الولدنه والضحك، وكان المعّازه من "عُرْنه" في سوريا وهي معمّرة في لحف جبل الشيخ، يُشتون مع المعزى في البلد، الطقس هناك قاسي، والثلج على الأبواب، والسايس الشيخ صالح قدير في الحكي، زلمة ديوان، شاطر في المسخرة ولا يعرف القراءة والكتابة، ويقول أهْون عليّ أطلع في طلعة "خلّة الغُز" ولا أعلِّق – أمضي – إسمي ومع ذلك عمل حاله يقرأ مكتوبا وعلى وجهه علامات الحزن والأسف والغضب، ويأتي ابن اقليم البلاّن "علي خيّال" ويسأله: خير انشالله عمي صالح!!

  • أسكتْ عمي أسكت الله يرضى عليك!!
  • شو فيه!!
  • قلت أسكت، خليني في حالي، مصيبة وحلّت علينا.
  • سايق عليك الله تحكي!!
  • شيخ بْلادكو مصبِّح بِنت!!

وهو يقصد انه قال للبنت صباح الخير، أما ابن عُرنه البسيط فحسب أنه انقلب الى بِنت وصرخ:

  • يا أسفي عليك يا حصان بلادنا، قُللي عمي صالح مصّبح بنت من فوق ومن تحت!!
  • مَهي هاي المصيبِه، آه عمي من فوق ومن تحت.
  • باطِل باطل على حصان بلادنا.

وهو في طريق عودته الى عُرنه التقى مع الشيخ أمين كبّول، وجهه ثقيل، تكاد الدمعة تفر من عينه، ويسأله الشيخ:

  • مالك وجهك ثقيل.
  • أسكت ساكِت، حكي بِنحكاش.
  • إحكي، أُنطق، طب الذيب على المعزى!!
  • يا ريت، هاي هْوينه، عُمُر كل المِعزى.
  • لكان شو!!
  • شيخ بْلادنا مْصبح بنت من فوق ومن تحت.
  • الله يكسر خجلك ضِحِك عليك الشيخ صالح. كيف إلي عين أفوت على البلد، وعاد الى عُرنه.

أما ذياب فيقول لأهله: سيدي صالح حزّرنا حزّيره: أرنبة عالشّوك عَشوك – حَزاها – إخضر ولا يابس!!

  • وشو قلتولوا؟
  • إشي قال اخضر إشي قال يابس.
  • وانتِ!! سأله غانم.
  • أنا طلِعت أشطر واحد، قلت لا اخضر ولا يابس، في عِزُّه،

غانم يفرك ذان ذياب، ولَك يا إخوث تِتعشى حَزا – الأرنبه!!

ويضحك ذياب من قراقيح قلبه، وصار يحب سيده صالح اكثر.

ازحاق الجبّان لا يتدخل في السياسة، حتى انه يسبّ الانجليز، أما فريدة الهزبر فتقول واحد مكّار، مكر يهود. قالوا ليش بتنفخ على اللّبن، قال بوه كواني.

ومع فريدة، وفي هذه الأيام، جاء كثيرون من الشوف – شوافنِه – ومن جبل الدروز – من الفقر تحت حكم فرنسا، وتزوجن في البلد، عشرات النساء من حاصبيّا والجبل، لهم لهجة تختلف، وعلى رؤوس الصبايا والنساء طربوش صغير منمنم تحت الفوطة الملقوحة على الرأس والاكتاف، صبايا حلوات، والفقر جنازير السّباع. سعدى تشتغل بالأجار في حليشة القمح ومعها حشمه. تلوّحان بالمكّتّ الذي يكتون به شْمالات القمح من التراب العالق على الشلوش وترقصان في الحقلة، ولا أمهر ولا أشطر من هيك رقاصات، والناس ترغرغ عيونها من الفرح، وتغنيان:

راحت عالحُقلِه تلقّط شمايل

  حرَقلا قَلبا بُعقال المايل

طِلعت عالتينه تسأل وتْسايل

  وتنادي صْحيبا تعال لهونا

أصوات ناعمة تشلع القلب مثل خزّ القزّ.

وتتحدثان عن الحرير والتوت والقَز، والشباب يميّلون العُقله، ويتنهدون، ورعيان المعزى ينجرون على شُبابات القصب السّتاوية، ويغنون على جفرا وزريف الطول وأغاني الدبكة الشمالية:

ردّت عليِّ وقالتْ دخيلَك

  وِبنيِّه زْغيرِه مانا مِن جيلَك

أصبر عليّ تَنّي أحكيلَك

  علّلي جرى لي اميبرِح واليوما

جفرا ويا هالرّبع

  عالبير نَشّالِه

ومْزنَّره بالكَمَر

  فوق الكمَر شالِ

يا ربي يغيب القمر

  تسَلِّمك حالي

وتكون ليلِه عَتِم

  والسُّرِج مطفيّه

ذياب ذِهنه طيب، يحفظ هذه الأغنيات، وغانم يضحك بفرح وسعادة:

  • بكير عليك – بعدك سخِل،
  • اسم الخمسِه تحوطَك!! تقول الجدّه

وغزية الأم ومن قلب حنون:

  • الله يحميك يا نظَري، أعيش وأشوفك عريس على ظهر الفرَس، وأرقص في عِرسك وأحَني ايدّيّ.

(يتبع)

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين