رواية: ذياب (12)| محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

راح غانم ينفس عن همومه ويروّح عن نفسه المعكرة بالشغل في الارض من مشرقها لمغيبها، هذا الدايم الباقي، اليوم تعبُه وبُكره ذهبُه. ويكثر اللغط عن نوايا الإنجليز، يسافر مع من يسافرون الى لبنان، الى جبل عامل والمتاوْلِه، واحيانا تذهب غزية معه، وترى المتواليات يملأن مناشِل وأجرار الميّ من بُرك الجمَع، نساء يغسلن الملابس، والدواب تشرب، والاولاد يسبحون، والصبايا يمسكن حلقات الدبكة ويغنين لكامل بك الأسعد، زعيم المتاوله وجبل عامل، من هناك تعود غزية بالمناديل المعرّقة، والقماش الملطّع ولبانات الحُمّر، وغانم يشتري قصّات الحرير المقلمة لقنابيز الرجال والدبق لصيد العصافير، والهدايا للبيت ولذياب، سرحت الغنمه بين غزية وحماتها، والعلاقة مثل السمن والعسل، وتحكي غزية: الحماه أم ثانية، وتحدّث عن لسان أمها، عن كنّة بنت أصل، بنت حلال، لم تحرم حماتها العجوز من كل ما هو موجود ويعنّ على بالها، وفي الحياة الكثير من المواعظ، الكنه تسلق الدجاجة او الفرّوج لحماتها، فينقلب الدجاج الى جرو كلب، والكنه تكشف عن صدرها وعن بْزازها وتتجه نواحي الخضر ان هذا ما حدث معها ثلاث مرات، حتى قالت الحماه: لا تتعبي حالِك يا بنيّتي، أنا كنت أذبح لحماتي جراوة كلاب وأطعمها، وهذا عقاب وعذاب الدنيا على عمايلي السّودا، الله يبرّينا من عذاب الآخره، ويكون خلاص لنفسنا.

وتأتي الأخبار من جبل حوران واقليم البلاّن، عن الثورة ضد حكم الفرنساوية، وعن الدخيل أدهم خنجر وظلم الفرنساوي في سوريا ولبنان، وذياب يحفظ الكثير من المحوربِه عن سلطان باشا الأطرش:

 

شِديتِ لك جِدعيّة

  بالكُونِ منسوبة

جِدْعية تسبق هبوب

  الريح لوجابا

قوم اعْتليها بالغلام

  ودّي لي مكتوبا

حيّي بها راعي النماس

  الباشا سلطان

لو تسمح حِسّ الزغاريد

  نوبة على نوبه

والخيل خاضت بالدّما

  كالسيل غدران

 

ويفرفح قلب غانم وهو يرى ذياب يقود فرقة المحوربه:

 

عالي يا جبل حوران

  يا بُرج محفّظ بِركان

فوقك ما بِمرّ الريح

  ولا بْتعدي فيك الفرسان

عالي يا جبل لِدروز

  عفرنسا خذينا الفوز

مدافع ومْتار لْيوز

  شْعَلنا الدبابِه بالنار

والكبار يتحدثون عن الثوار صالح العلي والعظمِه، وأحمد مْريوِد وحسن الخرّاط.

راح ذياب وبقية الأولاد يجمعون الكاز والرماد للكبار، الذين حملوه الى جبل عين الشعير في الجرمق، هناك اوقدوا النار في الليل حتى يراها أهل جبل حوران الثوار ضد الحكم الفرنسي، وحصل الناس على صورة لسلطان باشا وهو يرفع السيف ليقطّ راس القايد الفرنسي غمْلان، فما كان من الأخير المسلّح بمسدس إلا ان رفع يديه مستسلما. والكبار يحوربون:

غَمْلان واصمُد لا تِميل

  والخيل وِردِت عالميا

غملان واصمد لا تميل

  والشرب خير من الظّما

سلمان الحمَد – دبابة الجبل – حط كتفه على المصفّحة الفرنسية وقلبها، وسليمان العقباني كان يضرب العسكري الفرنسي بالسيف من كتفُه الى زنّاره ويشقُه شقتين.

لكن الفرنسيين ومعهم جنود مغاربة وسِنِغال سود تغلّبوا على الثوار، ولجأ الثوار الى النّبِك في امارة شرق الأردن، والى وادي السّراحين وفيه الشيح والأفاعي والفحيح، لم تجُد عليه الطبيعة بالغيث والماء، وظلت الأرض ناشفه، وعاش الثوار عيشة الجوع والعذاب والناس يغنون:

يا طارِش لَرْضِ النَّبِك ودّي خبَر

  ودّي سلام لبو طلال باشا الجبَل

والبدوي ابن بُصرى الشام ينجر على الربابة ويقصّد:

يا سلطان بلاد الشام

  يا مْشيِّد دين الإسلام

إلك كرسي بجبلنا

  من تونس لَبلاد الشام

سوريا ويا محبوبتي

  فيكي مُتنا وحْيينا

ويحفظ الناس اسماء حمد البربور وأسعد كنج وحمزه الدرويش وعبد الغفار وشكيب وهاب والمير عادل ارسلان والمير مجيد وفؤاد سْليم.

صار الشباب يشترون السلاح المهرّب، بواريد طليانية وألمانية – إفْ إم – وفرنساوية قصيرة، وذياب يعرف كل أنواع الفشك، يجمع الفشك وهو - الاخوث الله يهوّنها- الاخوث يذهب مع الحطابات الى الوعر، وهو فرخ شاب قوي خطّ الشَّعر في وجهه، وهناك مع الحطابات ينشر كل ما يحدث معه، مع ان الواحدة تقول له وتنبّه عليه: إصحَك تِحكي لحدا!!

وجاء الى البلد الكثير من أهل حوران واقليم البلان من اجل لقمة العيش، يعملون في حصيدة القمح في ارض الخيط، والخير كثير، قمح وذره وحمص وفول، وغزية تقول لواحد حوراني – أبو فارس محمد – باين عليك مِش شاطر في الحصيدِه كَعَمّي!!

  • مْبَلى عمي – لولا وجع إيديّ وإجرَيّ والشمس بِتنكِّد عليّ كنت بحب الحليشه والحصيده.

وياما ناس – انطرحت – في ارض الخيط من الشوب، في موارس الحرية ومرج الغزلان وقدح الغول والفنّدقيات والسرير وكتف الحِنداج.

والخبّازات الصبايا من البلد يخبزن خبز القمح ودكاديك الذرة على نار "العِسِّه" الشذية، والتي تعطي للخبز نكهة طيبة، لأن العِسّه والزعتر الفارسي وحطب البطم والسّريس ريحته بِتشهّي، وميّة عيون العرب رايْقه مثل الزلال وبارْدِه بتنعش القلب، يرشون على وجه المطروح من الشّوب نِتفة ميّ ويسقونه طاسة مي مسقّعة حتى يعود ويملك صحته، وحسين وعلي مضرب المثَل، يأكل الواحد لفّتين خبز، عشرين رغيف مع زيت او حتى خبز ناشف، كل واحد مثل القْعود، كل واحد أقوى من الثاني في الحليشِه والأكل والمفاقَشه والمباطحة وضرب الجمَش والذراوِه والرّجيدِه.

تعاون الإنجليز والفرنسيون على بيع الارض لليهود، فرنسا الحاكمة في لبنان تبّعَت ارض الحولة اللبنانية الى فلسطين حتى يمتلكها اليهود بعد اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، والحولة جورة ذهب، وراح اليهود يشترون ارض مرج ابن عامر بمساعدة الإنجليز، ووادي الحوارث وبيت ليد، ويسمع الناس حكايات تقشعر لها الأبدان، كان اليهود يستضعِفون بعض الملاّكين، ويدعونهم الى اماكن مخفية وسراديب تحت الارض، ويضعون أمامهم المشهّيات من الطعام والشراب، ويسلطون عليهم صبايا حلوات لابسات على القصير وشبه عاريات يدلقون حالهن على الملاّك، ويثيرون فيهم الشهوات، وفي عِزها وحْماها، يبصّموهم على اوراق تنازُل عن الارض، والناس يشتكون الى الانجليز، والانجليز يقيمون اللجان للتحقيق ويضعون المصاريف على الناس حتى يضطر المالك الى التنازل عن ارضه، مكر يهود ومكر انجليز، ودولة الانجليز ملِحها على ذيلها.

شبّت النار في ارض الخيط، في حزيران القيظ، وأتت على معظم الموسم، حتى رأى الناس طيرا أخضر يرفرف بجناحيه ويطفئ الحريق.

  • هذا الخضر بو العبّاس صلى الله عليه.

لكن اليهودية حيّرت سيدي الخضر كما تقول الحكاية الموعظة، اشتغل صبّاغا، وجاءت اليهودية تصبغ فستيانها – أصبغ لي اياه في إحمر، بعد ان قام بذلك قالت: لأ في إخضر، في إزرق، في إصفر، فما كان منه صلى الله عليه إلا ان خلط كل الألوان ورشقها، ومن يومها بقدرته وقدرة الله طلع حَبّ النّمش على وجوههم.

صار الانجليز ومعهم هنود وعرب يضايقون الناس، ويحرّثون الارض الزراعية المفتلحة، ويفتشون البيوت عن السلاح، والعِقاب حَبل المشنقة، وجاء الى البلد "الشقي الشريف" فؤاد علامه من لبنان، مغضوب عليه هناك من قِبل فرنسا، كان يقطع الطريق، يأخذ من الأغنياء ويعطي الفقراء، ولا يقدّم على النسوان. جاء في الليل الى مضافة المختار، ووجد الضابط الانجليزي ومعه نفَران من العسكر، وفي المدخل اثنان مُسرْكلان ومكتفان من شباب البلد، كان الضابط بالكاد بدأ يتناول طعام العشاء، ذْبيحة، معمولة قوزِه محمّرة سخنِه بتهَبّل، دخل فؤاد علامه وسحب الفَرد في وجه الضابط الانجليزي والعسكر: برْضَك، إرفعْ إيدَك، أوعى تتحرّك، رْصاصة في صباحَك. وطلب من أحد الحضور، وفي الناس هناك الحلو والحامض، فتّشهم، وهات السلاح، وكتّفهم، وفِك كتاف اولاد البلد، محمد ومحمود، صارت وجبة العشاء من نصيب الاثنين، اما الانجليز ففي مدخل المضافة، وهم مكتّفون، وغادر فؤاد والشابان – وهم من أفراد العصابة، وصار الناس يرسلون لهم الطعام والفشَك الى المخبأ.

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين