يلّله يا ذياب إلحَق الظَّهِر.
والظهر جمال وخيل وحمير وبغال وكلاب وأجراس في طلعة الصّفادِه، قبل ان ينعرف الكلب من الذيب، ألحّ ذياب على والده ليذهب مع الظهر الى صفد، مع أحمال الفحم والقمح والعنب، هناك يقايضون بما يحتاجه الناس من كسوة وحذوة.
تشرين موسم تعمير المشاحِر، وآخر موسم العنب القرقشاني الصامد بحَبّه الأسود الشديد، ويكون أهل البلد قد جمعوا موسم الحبوب من قمح وشعير وحمص. الوعر أسمر داكن في هذا النّزال بين الفجر القاحم والليل المولّي، في الوعر لغط وحوش ونعيق بوم وعواء ذئاب قبل ان تأوي هذه المخلوقات الليلية الى مواكِرها ومهاجعها، والكلاب تنبح وتدْغَر، لكنها تعود لمرافق الظهر، اما الحيوانات المحمَّلة فتمشي براحة واطمئنان وهي على أتم عِلم بالطريق، بواجبها ودورها، تعرف مواقع عين الورَقا والبيضا بمياهها العتيقة المخضرنِة، وسُكّرة ميرون والقيّومه وقدّيثا ودلاّتا وخلة بير الشيخ، وتغبّ من ميّة عين الزتون القوية الصافية الباردة المنعشة قبل صفد العذِيه.
ومع طلوع النهار يكون تجار صفد في انتظار الظهر والمقايضة وسداد الدّين، لكل واحد من الظهْر بيت صفدي، زبون قديم معروف.
النار تشتعل في الفرن المعروف، المطِل على عين الزيتون والسّموعي وجبل عين الشعير وأذيال الزابود وضواحي الجرمق وتلة جبلة عروس. فراخ الشباب من ذْوينات ذياب شغّيلة الفرن يقطعون لحم الغنم واللّيِّة من الذبائح المعلقة ويلبّون طلبات الناس، منهم من يطلب "الصّفيحة" وهي أرغفة مفروش عليها اللحم المفروم والبقدونس والبصل، وغير مطبّقة، اما الفطائر فهي مطبقة على الجوانب ومقَرَّنِه، ينش منها الدهن والهبّال بنكهته الشهية، ومجموعة من الرجال ينتظرون دورهم، وريقهم يدْلع، ذياب بصحته الجيدة أكل اربعة فطائر.
-
صحتين ومجاري الهنا، أكل الرجال على قدّ فْعالها.
واحد من الشغيلة ارتاح لذياب وحرّج: حَراج تقول: أربع فطاير في الفرن، تِنْتين اسْتنتشناهُن وتِنتين مسْتَنتشنهُنْش ثلاث مرات بعجله. جرّب ذياب حظّه وفشل وراح يجرّب ويضحك، وصاحب الفرن الأفندي يراقب البيع بوجه بشوش ولكن الحساب هو الحساب.
عاد ذياب من صفد ومعه حاجيات البيت، ونقل عن اولاد صفد وهم يقولون: هَيّوكْ فحل الجندُب بْجنب الضاهريّة، وانه أكل اربع فطاير. والختيارية يقولون: عِندك مرَض السّاقويد، والكوع وذِن، الساق والإيد والكوع والأذن، ويسألونه هل شاف في الطريق راسُه بين كتافُه، وذياب ذكي ومْداعِك، يعرف مثل هذه الاقوال، ويأتي أحيانا بأغنيات وكلمات فيها حكي رزالِه، عن الشاب الذي "طبّ" على عجوز فزوجوه إياها وراحوا ينجّقون عنه:
دَخْلِك دخلِك يا عروس
حيّرتيني مْنين أبوس
مَدّيت ايدي "عالمحروس"
دَقْوَقني شوكِ البلان
والعجوز غنية ملاّكه: يا ماخذ القِرد على مالُه بروح المال وبظلّ القرد على حالُه، النساء يجتمعن عند غزية، يصوّلن القمح، ويُنقين السّميدة للجاروشة: النخّالة للمخدّات والجريش الرفيع للكبّة والغليظ للمجدّرة والمفلفله والشلباطه والمغربية والكَرْش، أما "الصْراصيرة" الأنعم من الجريش الرفيع فتؤكل مع الدِّبس. بعدها يُودّعن غزية، والواحدة تقول: يللّه قومي تنروِّبْ لبنّا ويبرطع جَمَلنا.
الجهْل مْبَدّا على العقل عند الاولاد والشباب، في لعبة الطّميمة وحجارة القعاقْرية وإنزل وتْزَنْزَل، هنالك الأمير، يأتي الاولاد ويقولون: حارَه يا ماره يا ركّابين الحمارة لمين القول!! ويتسمى الاولاد اللاعبون بأسماء الوحوش: إنزَلْ وتزنزَل يا نِمر، يا سبع، يا ذيب، يا فهد.. يا أسد..
حكماء البلد يقولون: يمكن ذياب في جيله هذاك كان الله يهوّنها طلْطميس، الجاجة بتوكل عشاه، جرذون في الدنيا حرذون في الآخِره، في جيلُه هذا فِتِح إيدُه فِرْطه، يبطح كل ذويناته، على البيادر، على طَرحات القش، وعند سيح العين. وينشغل الديوان بالناتقين والناتقات والتقمص.
كشّر الانجليز عن أنيابهم ومعهم اليهود: ووقعت الطوشة بين الحارتين، أي حارة تسبق وتحمل "التوراه" من صفد الى الصدّيق في ميرون؛ وهم يغنّون: الليلة شُعلِة سيدنا باريوخاي يريوخاي. واحدة من نساء البلد قليلات الحَيا، شرّها بعلّق على الحيطان اشتركت في الطوشِه ومسكتْ الزلمِة من الحاره هذيك على "محاشْمُه" صار يجَعِّر مثل ثور البقر، المحاشِم مِقتَل متل راس القلب وعِرق بنتِ الذّان، قاطعها المشايخ وحرموها من الدِّين وسلّموها شرح "المير السيّد" الله يقدّس لطيفُه. في البلد الكثير من الشُّرّاح، والشّراحات الذين وقعت عليهم تهمة الزّنا. زليخه وهي حبلى دبّت حالها عن السطح حتى تطْرِح لأنهم غصبوها في جوزها غصيبه، طِرحتْ وسلموها الشَّرح، الشّرح ولا ذرّية الفاعل التارك القملة المفقوشة، ممصْلِع متل جَعموس البِركِه.
ذياب يصغي الى هذه الحكايات، وليلة دخلة الشاب على العجوز، راح مع عدد من الأولاد يتطلعون من روزنة السطح على الدَّخلِه، والعروس العجوز الفايْنِه تشلح أواعيها من غير وعيها وترمي حالها على عريسها الذي دخّ عليها في سيعة نحس.
على زمن الانجليز بَدنا نْشوف الاهْوال والشّواهين الطّوال، في البلد عدد من النساء، كل واحدة تقع في "وجع النقطه" يغبّ قلبها عليها والرّغوة تطلع من فمها، ويأتي الخطّاطون، الذين يخطون للناس خطّ المكارَهة والمحبة يضعون الحجاب "الرّصَد" على وجه المريضة ويسألون: وين فلانِه!! جوزها ضربها وراحت لعند أهلها في عين الأسد. مين سرَق عديلة الصوف ليشد الفراش قبل العِرس!! عديلة الصوف سرقها كمال وخبّاها في المرابيع، في الجَحْروفِه.
واحد منهم كل ليلة يرصد زوجته وهي غافية واتهمها بالسَّنْكَري:
إجا الليلِه لعندِك!! آه إجا وقضى حاجتُه، ويبدأ الضرب والعزارة والفضايح.
من ذْوينات ذياب هناك أولاد عاطلون بلا رِبا، حكيُهم زِفِر، جاء فؤاد وقال للجارة القارحة المليعبِه المشَلِبْطه:
بَدّي أفعل وأترِك فيكي، وهي تردّ:
مْنين يا تِقبرني الدنيا حمّ ومْقطّرِه بتنفعش هذيك الشغلة في الشّوب. الجيران يضحكون ويسألونها: برّدت الدنيا، صارت تنفع هذيك الشغلِه!!
كل بلد فيها كَفْوها: هناك الأوادم والعاطلين، فيها إشي كِشّ إشي تيعَة، فيها الشّرّانية واولاد الحلال، اللّقاميط والشرفاء، عديلة الصوف اللي سَرقها الحرامي كمال وخبّاها في جحروفة المرابيع، اشتراها والد العريس من عكبرة. لاقى صاحبة البيت وسألها عن صوف.
-
آه طلَبك موجود. فوت على البيت.
كانت لوحدها في البيت وراحت تنظر الى الرجل نظرات غاضبة يبرقط منها الشّرار.
-
لا يا أختي – فَرْجيني الصوف هون برَّه.
-
انتِ فلان ابن فلان!! مِن ...
-
لا يا أختي أنا مِش اللي بْتسألي عنّو.
-
إحلف يمين!!
-
خير ان شاالله، شو السيرِه، كفى الله الشّر.
-
فلان قتَل خوي وعلى الوصفة بِشبهك، كنت بدّي اطُخّك في الفرد رصاصة بين عينيك في قلب البيت واتهمك إنك دخّيت عليّ. الله ستَر، عُمرك طويل. أما القاتل إلو يومُه. وبَشر القاتل في القتل. باعته الصوف بسِعر رْخيص لأنه آدمي.
هي امرأة مِتل النِّمره، الفَرد في عُبّها ونظرات عينيها تقول:
-
يا مَحْلا سَداد الثار.
في عكبرة والبلانه وسَبانا وياقوق ودلاّتا الكثير من شَلاعي الغنم والمعزى. يقصّون الصوف، ينبشونه ويغسلونه، ويحشون به فَرشات الصوف للضّيف ولجهاز العَروس، لحف وخَداّديات ومسانِد وسبَت وفرشات وقنابيز وثياب اقلام السّكر.
ذياب يحب حديث الديوان، ويحفظ الكثير من الحزازير والحكايا، والغناني.
الحلوة حَملت جرّتها ونزلت عالعين
يخرب بيت اللي يصيبها مظرَف هالعين
كحّلتِك في ديّاتي يا عويناتي
محْلا عِشق البنات ومصّ الخدّين
ويستحلي النوم في الوعر، تحت السما والطارق، وعالم الليل رهيب، فيه الوحوش والطيور. ويستحلي مناداة الناطور في الليل:
يا أهل البلد، صلّوا على خير البشر، أولهم محمّد وثانيهم علي، والثالثة فاطمة بنت النبي.
الناطور ينادي على غرض ضائع مفقود، وعلى النخوة ودَبّة الصوت، على لحم المعزى والجاموس والبرتقان..
صوته المألوف يتدحرج في جوف الليل الرهيب، والجبال العابسة الرزينة تبتلع الصوت، وكذلك الخلاّت والوديان والمُغر.
تسكت الطبيعة على مناداة الناطور، ودخان ودفقات وخفقات المطحنة، والنجوم المرشوشة على صفحة السماء الجبارة تبصّ وتتغامز، بعيدة أبعادا سحيقة، ودرب التبانات المهلهلة والموصولة تقطع قبه السماء جلّ السما واسمه من الشيط للميط. ويُحب صيحة الديك،
-
الولَد العِلم عند الله استجوَز يا بو ذياب.
-
شوفولُه بنت حلال عاد.
-
غزية تتنهّد بوجه رضي، وتتمنّى ان يأتي ذلك اليوم، يوم عرس ذياب.
(يتبع)



.png)

.png)






.png)
