هل كان الامر سهلا مثل شُربة الميّ على والدة غزية!! ابنتها الوحيدة تقاسي تعسّرت عليها الولادة وهي بكرية أول بطن، وكأنها تسمع صراخها وتوجعها في قلبها، والناس زبْلتها في الحكي: ما صار شيء تَصار قبله، والجارات يعددن الحالات في البلد، وهناك حالات أصعب من مصيبة غزية، حتى بلا عقد نكاح، ومن شاف مصيبة غيره هانت عليه مصيبته. مخدة الأم كل صباح تكون مغرقة بالدمع، وهي لم تكن قاسية القلب مثل بعض النساء اللواتي حرمْن بناتهن لذة العيش، وهن مْعنِسرات، عنصور الواحدة قاتلها، تمشي في الحارة معبسة مكشرة ما بتضحك للرغيف السّخن.
-
إذا ما بْتشولْحيه في الصرماية بقطعها على راسِك وراسُه النوري ابن النّوَر.
-
كبرتها قاتْليتَه، أمرّ منّنا ولا مِنها، في بيت أهلها كانت عايشة في خربوشِه على اللقاقيم.
لكن الابنة كعمتْ امها وهربت مع نقا قَلبها ونقَا عينها.
-
أحّه!! مِستاهلِه، هيك أحسن، جاجة حفرت على راسها عفرت وما سجرة لحقت ربها، لا تكبر الله أكبر.
وظلت الأم تكشف عن بْزازها وتتجه ناحية سيدنا الخضر:
-
يْصيبك يْنيبِك ريتني أشوّح في محرمتي يوم أجرِك وأدعس على قبرِك.
اليوم في المساء، ها هي الرياح التشرينية تزمر وتزمجر، تقطم ورق الشجر الضعيف وتنعفه، وتنفخ وتلهث في شقوق باب المدخل الثقيل الكاشح من الخشب القطراني ومن الشباك الوحيد، في أنغام هادئة كالترانيم الناعمة المستعطفة، ثم تهجم هجمات كاسحة مولوِلة غاضبة، الغصون تصطفق بأصوات متوجعة، وفرع التينة يُسرسِك ويئن ويعِن. وتتوالى الدقات على الباب المغلق وما من مجيب، فالدقات تذوب في هيجان الطبيعة والريح الجَفول، ثم ينفتح الباب مع شقعة شرسة من الهواء، لحظة دهشة وصمت من أهل البيت، غانم وغزية والوالدين، بعدها سيل من الترحيب والتأهيل والانهماك بوالدة غزية ووالدها، الكل يتحرك حركات دائرية زائدة لا حاجة لها.
-
مسّيكو بالخير!!
-
مسيكو بألف خير، زارتنا البرَكِه.
الوالدة تضع بقجة كبيرة منتفخة، فيها ملابس وحرامات ولحاف وطراحة ومخدة والكثير من اللوازم، جوز ولوز وقطين وزبيب ودبس... ونقوط من الوالد، وها هي الجدة تعانق ابنتها بحرقة وحنان أمومي، جدة ذياب، صرت جدة.
-
الحمدلله على خلاصِك بالسلامة، وتمشي الى السرير.
الولد يُزفْوِن ويبتسم.
-
اسم الله اسم الله كِنّو بوه، مخلَق منطَق.
-
من إجا لبوه ما عابوه!! ردت غزية بكلمات ذات معنى فيها عتب خفيف، واشارة الى شرف البنت.
غانم يحشُك على يد حماتُه ويبوسها، وهي تبوسه في راسه، ويعانق والد غزية والدمع يكاد يفرّ من عينيه.
ذياب يتطلع في وجه الجدة والجد، نظرات لا يتقنها إلا الرضيع فيها حُب استطلاع، ودهشة رضية باسمة، والجدة تغنّي:
قريمشِه يا منِمشِه
يا حبّات دغيمشِه
بعثتني سِتي العجوز
أجيب كوز البصل
وقع مِني وانكسر
حَلفَت تعَلقني في السّجر
والسّجر ملان كبوش
حِبّي ايدِك يا عروس
يا ام الذهب والدبوس
فِرّ يا حمام
ذياب يصغي الى هذا الصوت الحنون العطوف والنظرات الطافحة بالحُب، تأخذه من السرير وتحمله: تَع لقَلبي، وهو يخرمش وجهها بأظافره الطرية، تدور به في البيت والفندقْلية مع ليرة الذهب تردح وتترندح على جبهته الطرية النديّة.
صار الكل في وحدة حال، تبخّر الزعل والعتَب وطار مع الرياح المولولة الهدّارة، والنار في موقدة التراب تهبّ هبّات عميقة جوفاء كأنها آتية من أبعاد سحيقة، تدفق دفقات نارية متلاحقة، بهوّ بْهوّ بهو، وشرارات تتطاير منفلتة مقذوفة مع دخان خفيف، تتطاير هاربة مندفعة لامعة ثم تذوب دون ان تترك أثرا، كأنها ما كانت.
-
كلّفي خاطرِك يَمّة أفركي الكُبّات، قالت غزية.
-
طيب يلّله يا تقبري إمك، حماتي بتحبني، الخير في وجهنا.
طوّاية القابولية على النار، وحول طبق القش، طبق السُّفرَة تربّع الجميع، مع لفّة من خبز الصاج ولجن الكبة الضيق كالمنخل وطواية الحوسِة.
-
تفضّل بارِك على الزاد.
-
بسم الله الرحمن الرحيم سبحان من قسّم الأرزاق ولا ينسى من فضله أحد.
غانم يحدّث ان هذه المباركة أولها: سبحان من رفع السماء بلا عُمَد والنجوم بلا عدد والبحار بلا جمَد، سبحان من قسّم الأرزاق ولا ينسى من فضله أحد.
-
الرّاس للقوّاس. قالت الحماه. غانم ضِرسه طيّب يهرس روس الزاغ والحجل بقرقشة، والعظم يُطحن تحت اضراسه، وهو البرَكة أكّيل، ينحت رغيفين مع كُبّة.
-
صحتين من تْعيبُه صحه على قْليبُه.
ومع دورات فناجين المغلي مع راقة من حزوز الجوز ورائحة القِرْفه والجنزَبيل العطرة يدور الحديث عن الفلاحة والحراث والبذار، ويتم الرّاي على مساعدة غانم، من والديه ووالدي غزية على قدر الإمكان، وغزية تحضّر الزوادة، اقراص كبّة مقلية وقْرمَه، ولبنة تشرينية وعرايس خبز مدهونة بزيت وزيتون اخضر مرصوص.
الناس يشوهرون في هذا المقطار، الراكب راكب والماشي ماشي يتحدثون بأصوات عالية.
-
آمنت فيك يا الله، امبارح زعَل واليوم، شوكة وانقلعت.
-
النّسب أهل، والدم ما بصير مَي، غانم سبع من السباع بشرّف بلد، قلبه قوي وايدُه فِرطه، العياذ بللّه.
قبل سنوات، وقبل السفرْبرْلِك كان العسكري التركي يجرب يدُخّ على عرض البلد، وحكي زِفِر، يسلب وينهب، دمّه ثقيل، وغانم يقول في عقله: هي طويلِه فيك، بجيك يوم يا ابن الحرام.
وجاء اليوم، غانم مع اثنين من الشباب ملصْمين، من عيونهم ينقط سمّ الغضب، والعسكري الأومباشي ومعه نفَر تركي، في ارض الجبل، وغانم نقّيط، هوايته بتصيب وما بتخيب.
-
خُذها يا فاعل يا تارِك من ابن حلال. طلَق البارود مكتوم أخرس لا يكركع عندما يصيب.
تشقلب الاومباشي عن ظهر الحصان، ودمه يطرش على الحجارة، لفّوه في خيشة ورموه في الهوته. وظلت الفرَس بلا خيال هي والعسكري النَّفر. تخلّص عليه كمان يا غلمان!! ثارنا عند واحد، وهذا مرافق انسان فقير، تقاطر الناس يُخفون الأثر، يحرقون الحجارة المدمّاه والتراب، ويقشرون كل بقعة دم، والناس لا مِن شاف ولا من دِري، وبدأ التحقيق مع قصّاص الأثر والاستنطاق والتعذيب، قصّوا لِحى المشايخ وهنّي طالعين من الخلوة.
الناس لساناتها دافية، لا خبر ولا عِلم، وعندما جاء خِلّو شاويش خلفا للأومباشي المقتول، لعبت الليرات العسملّية الرشيدية والمجيديات المجموعة من اهل البلد دورها في قرار الحُكم: الفاعل مجهول، وخِلّو شاويش ليس فقط انه يتقبل الرشوة والبرطيل بنهم وجشع بل يلمح ويلف ويدور كما ان الولائم الدسمة، القوزِه والقَص من شلاعي المعزى الشبعانِه لها مكانها ومكانتها عند خِلّو شاويش.
غانم يحرث على الفدّان والنفوس الاربعة معه يعملون بنشاط، قلع بيت عشب زَمط من سكة الحراث، تشهيل حجر، هواية منكوش عِرق شقيف.. والحرّاث يروح يصفن، ونظره يحطّ على ذيال الوعر، نظرات باسمة حالمة كالنسائم الربيعية المعطّرة، ويرشق مكانا آخر بغضب وارتياح، وموجات عاصفة لا بد منها في الطبيعة.
لا قيمة لهذه الارض بدون ذكريات ناعمة وضاجة صاخبة، فمع القمح والوعر هذا الفجاج بمرجاته وجباله ووديانه مزروع بالحكايا منها الحلو ومنها المرّ تماما كالحياة، في لحظات معينة يشعر ويجس، او حتى يسمع ويرى كل ما تخزنه هذه الأرض من احداث ومواقف وحكايات في كل شبر، في كل صخرة، وما وقار وصمت هذه الجبال إلا لأنها تستعيد حوادث الايام وتستعد لتقبل الآتي، وكذلك همهمة الرياح ولفط الوديان الجارية وزعيق الزاغ، ورشح الحجل والموجات الناعمة في البِركة، ونكهة الارض المحروثة، ومن حسن الحظ ان أحدا لا يقطع عليه سيرة ومسيرة الأيام المخزونة في الكون، والمخزونة في عقل وقلب ووجدان غانم النشيط، وتغمره محبة الناس والأمل بالناس، حتى من ذوي النفوس الوضيعة.
دّلّوا أحد وجهاء البلد المحسوب على الاتراك وواحدا من العسكر، ربطوهما في حبل ماكن مجدول، مدور الجمَل، على ثلاث طوق، انزلوهما الى الهوتة المخيفة المعتمة التي لا قرار لها، يفحصون عن مصير الأومباشي كما دلّ قصاص الأثر، ويبدو ان العسكري وجد قطعة قماش عالقة، والبعض يقول انه شاهد فخذ زلمة مقطوع وأراد ان يهزّ الحبل ويخبر عما رأى، لكن الوجيه المحسوب على الأتراك وضع يديه القويتين في خوانيقه حتى فاضت روحه، ويحكي الناس ان الوجيه طلع وكل شعر رأسه ابيض شايب وحتى شواربه التي كان يفتخر ويعتز بها،
-
كيف مات العسكري يا فكروش!! انت قتلتُه، وفي الناس حكمة: الخوف اللي شيّب الوجيه ابن البلد قتل العسكري، والخوف قطّاع الشدايد.
ومن ظلم الأتراك كان بين كل بيت وبيت طاقة واسعة إذا جاء العسكر الخيالة عن طريق درب الزنار او المعراضَه يتناقل الناس الخبر، يخبئون البواريد والشباب المطلوبين، ويدعون العسكر الى المنزول على ذبيحة وصرّة يرنّ فيها الذهب العسملي والمجيديات. والخير كثير، الارض غلّيلة، ارض الخيط وأرض البلد وشلاعي المعزى وعجّال البقر، لبنة وسمنة، كله من خير الأرض وهمة وعرق الناس والطّرش، والارض إتعب عليها بتتعب عليك.
غانم يعيش لحظات سارة باسمة، يحس عتابا غزية والغزالتين في شبابة الراعي وأجراس البقر والجمال والطيور والوحوش الزاعقة في قلب الوعر.
ويدهمه حنين جارف الى ذياب وغزية والبيت والموقد والشرر المتطاير باندفاع، وأنات وعنّات فرع التين، وصيحة الديك. ديكهم يصيح بصوت متزن ناضج ممطوط بحسب كل الاصول، كل ديك وله موّاله، واحد صوته غليظ، عُتقي في اواخر عمره، وآخر فجّ غير متكامل فيه رجّة وبحّة كالفتة المِرجِل، في أول رجولته.
ذياب الصغير حطّ نظره على الديك الأحمر الناصح وهو يمد عنقه بريشه اللامع المموج ويصيح على سنسلة الدار او على فرع التينة، وذياب يضحك بنبرات محببة لاغطة، كم في الحياة خبايا تغيب عن البال ولا نعطيها حقها في رحلة العمر.
وغانم يشغل فكره، كيف يربي ذياب لينهل من الحياة كل ما هو خيّر ومبارك، سيحكي له حكايات راح يرتبها في ذهنه، ليرضع هذه القيم مع حليب الأم، عليها ان ترضعه حولين كاملين، ويوفر له بعرقه وكدّه كل ما يلزم، ويعلّمه عند الخطيب القراءة والكتابة، وحتى في المدارس التي سمع عنها ولا يعرفها. يجب ان تدعكه الأيام، ويبعده عن الدلال الرخو، ويظل يستعرض تربية وتنشئة هذا الوريث ليس لوالديه فقط، بل لكل ما هو خيّر ومبارك. وهذا ذياب وهو على باط أمه، كمن يومئ لها ويوجهها الى الحاكورة والدجاج الذي يفعفِل في التراب، والديك يتغندر ويتبختر امام الزوجات، يجد ما يؤكل فيروح يتكتِك لهنّ، ويتسابقنَ الى ما يجده ويرميه من منقاره الحاد النظيف، وإذا طار او حوّم نسر، تراه يزعق منذرا محذرا، ولا يذهب الى المبات إلا بعد ان يسوق كل الدجاجات الزوجات امامه، فهو المسؤول عن هذه الأسرة.
(يتبع)



.png)

.png)






.png)
