ما أسعد الفلاح وهو يرى ثمرة تعبه، يمتع نظره بالزرع، والارض الأم الحنون، ترضعه وترعاه، تستقبل الشتاء والشمس وحبّات الندى بحرص، تدغدغه النسمات يبتسم ويضحك بنعومة، والفلاح لا يتعب من إطالة النظر الى تكوّن الموسم، يكبر كالطفل المعافى، الطيور ليست مؤذية، دعها تحطّ وتطير وتحوم، وتبني بيوتها، وتأخذ حقها ونصيبها، والنحل المجتهد المشغول على الدوام، يعرف كيف يجمع العسل، في تنقّل قصير على زهرات لسان الثور الزرقاء وورقات البرقوق التي تروح ترحب وتخفق خفقات خفيفة منَمنمة، لحظات بهجة وسعادة وهداة بال، تدفع غانم للمْرودَحة والغناء، والعيش مع الذكريات الزاهية الفواحة. الأرض بغلاوة ذياب، حلوة ومحبوبة في كل أيام السنة، في كل الفصول، وحتى هذه الاعشاب البرية، تنبت كل سنة في ميعادها، تُقلع وتعود، غانم يحب كل ذرة تراب، كل حجر وجبّ وشجرة، يحن اليها، حتى وهو يعزّل حجرا ويضعه على السّنسلة، يحمله بلطف، لا يوجد شيء زائد، الجراد يزول وتبقى الارض، والحرب تنتهي وتبقى الارض والحياة. والوجيه أبو فرحان، يبدو انه لم يشعر بالألم في رجليه وهو يضحي من اجل الامرأة، الأخت، وعرض البلد، كان سعيدا، والتضحية كرمى لعمل الخير سعادة، تعمّر القلب بالمحبة. والراعي يعيش بأمل وبهجة وهو يرى المعزى النهمة تمرش وتقضم قصف العشب والسنديان بشهية، كل شيء يريد ان يعيش ويبقى.
ساقوا الشباب الى اليمَن، تحت الحِفظ، واليمن كيّعت الأتراك، اليمن بعيدة، لكن اسمها على ألسنة الناس، في زيانة العريس:
////////صدر عجز////////
قُلتلو عريس ويا ابن الكِرام
عيرني سيفك ليوم الكيوان
قال سيفي حليفي ما بعيرُه
جاي مسقّط من بلاد اليماني
وأية سهرات في ليالي الشتاء الطويلة حول النار المزغردة في الموقد، مع فناجين الدِّبس واللوز والجوز، والسراج يتمايل والسّهّار يستمعون الى حكاية التّبّع حسّان، حكوا له عن جمال وكمال "الجليلة" خطيبة كليب من بني بكر وتغلب، فأرادها لنفسه، جلبوها له مع عدد من الرجال الابطال، كليب وجسّاس بن مُرّة، وراح التّبّع ينظر الى جمالها وينتظر اللقاء معها، وهي تصبّره وتطلب احضار عبدها قشمر بن منصور المهرّج، وهو كليب، راح كليب يقوم بحركات مضحكة ويلعب بالسيف، والجليلة تضحك، والأبواب مغلوقة، وجساس وربعه ينتظرون، ثم آن الاوان، وظهر كليب على حقيقته والشرر يتطاير من عينيه، وهو يهمّ بقتل التبّع، والأخير يقول: قبل موتي إسمع مني ملحمة التبّع حسّان: وراح يعدد ما سيحلّ ببكر وتغلب وظهور تمرِلَنك من الاعاجم. بعد مقتله جاءت اخته سعاد مع ناقتها البسوس للأخذ بثأر أخيها. ونزلت ضيفة على جساس وكليب، الحاكم الظالم الذي حرم الناس من المرعى وموارد الماء، رشَق الناقة الغريبة بالقوس والنشاب على درّتها ليختلط الحليب بالدم، قامت قيامة العجوز سعاد، وجساس يصبّرها ويعدها بالكثير من النوق، أما هي فقالت: إما ان تحطّ الجِلد على الناقة حتى تقوم، واما تَملي فرجي نجوم، أو راس كليب في الدم يعوم، وقُتل كليب على يد جسّاس، والزير وهمّام بن مرة في البراري يشربون المدام ويسكرون، جاءت خادمة وأسرّت في أذن همام تنبهه عن قتل كليب، ويقول الزير أبو ليلى المهلهل:
أراكو في حديث وفي وشاوِش
كأني بينكو رجل غريب
ويرد همام:
////////صدر عجز////////
لحْنا في حديث وفي وشاوِش
ولا انتي بيننا رجل غريب
جَملنا يا فتى نيّب جَملكوا
وخلّى دمّه عتَرابو سكيب
ووقعت الحرب ودبّ الفناء بين اولاد العم، بين بكر وتغلب.
والست بلقيس ملكة اليمن رمَت المعاجز على سليمان بن داود، الذي كان يفهم على لغة الطير والوحش، وماذا يقول الحمار في نهيقه والكلب في نباحه والديك في صياحه، والذيب في عوائه، وحل سليمان بن داود كل المعاجز التي رمتها عليها الست بلقيس ملكة اليمن الجميلة، أجمل خلق الله، لولا الشعر الطويل على ساقيها، لكن ابن داود بقدرته أزال الشعر، وصار ساقاها كالمرمر والرخام.
وكل عُمر العرب قيس ويمَن، قحطان وعدنان، عائلات ذبّحت بعضها في لبنان بين قيس ويَمن.
قهوة المير محمود الفاعور من اقليم البلان، وقهوة نوري الشعلان قهوة عدنية من اليمَن السعيد، وفي تعليلة العِرس يغنّون:
////////صدر عجز////////
غابت الشمس يا بِن شعلان
وَريد ادوّر معازيبي
والدلّه تسكب على الفنجان
وبهارها جوزة الطّيبِ
يا ولد يا سايق الناقة
حُط الخُرج واردف الزينهِ
والبنت علَوْ تطلع عشّاقة
تحتار ما بين لِثنينِ
غانم يستعرض في فكره كل ما سمعه عن اليمن، وحتى في المعبد يرتّل رجال الدين العسكريات الروحانية ليلة العيد الزغير والعيد الكبير: ويقولون على لسان يوحنا المعمداني:
////////صدر عجز////////
أنا الكُنت يوحنا
صار لي زمان بسْتنا
في دماكو لتحنّا
وحَنّي السيف اليماني
من اليمن وبلاد الهند يجلبون البهارات، الفلفل الأسمر واليانسون والخولنجان وجوزة الطيب والجنزبيل، وقماش الحرير الملطّع والمسجّر، واليمن بلاد معاصي وجبال، رجالها أهل بطش وفروسية، حتى بني هلال طلعوا من نجْد العذيّة ووصلوا الى تونس ولم يستطيعوا اقتحام اليمن، فهي مثل استنبول، الداخل اليها مفقود والراجع منها مولود. كثيرون هربوا على الطريق من عسكر الأتراك، وابن بلدنا يومها وصل الى مكه المكرمة وصار اسمه الشريف. محمد الشريف وصالح الشريف لأنه كان في الديار المقدسة.
صبايا اليمن كما يقول العائدون من هناك، عرفوا شجر البطم، وكُن يستكن بعلكة البطم الشذية ذات النكهة اللذيذة المدهشة.
كثيرون لم يعودوا من اليمن، انطفا خبرهم، قلّت الرجال في البلد، فمن راحل ومهاجر الى الارجنتين، ومَن وقع عليه التجنيد والرديف، بيوت تسكّرت، وفرغت خلايا ومداور القمح وخوابي الزيت، وعسكر الأتراك مشنطط في الوعور والكل يسأل، أكْمكْ يَكمكْ عن الخبز، يتركون الراعي والفلاح والحطابات بلا خبز، اليغامير القذرة والقلابق مليئة بالقمل، ورائحة العسكر بتجوي من العَرق والوسخ والتطفيش في الوعور، وزاد التشديد على الملاحقة والتجنيد وعمل السخرة على الناس والدواب، عاشت البلد أياما سوداء حزينة، فقر وفقدان وجوع وخوف.
بدأت بعض المكاتيب تصل الى البلد من الارجنتين، يتهافت عليها الناس، قلائل الذين يعرفون القراءة والكتابة، وفكّ الحرف، يسألون عن الحال والاحوال، هناك لا تصلهم هذه الحرب، يسمعون عنها من الجرايد، كلهم يشتغلون عتالين في الموانئ، يحْملون اكياس الفحم الحجري، ويُحمِّلون جْوالات القمح، والبلاد هناك بلاد خيرات، بلاد سهول يعيشون على زراعة القمح وتربية الأبقار في مزارع كبيرة، فيها شباب ورجال من فلسطين وسوريا ولبنان يطلقون عليهم هناك اسم التّوركو.
الحرب تدمر اخلاق الناس، الجوع كافر، والفقر جنازير السباع، قلّ الامان، الواحدة تخاف ان تذهب للوعر لتحطب، ولا حتى للعين، او تُحضر السليقة والبقول من الارض. الاتراك نهبوا المعزى والبقر والدجاج، تُرك وعرب وصِرب وبلغار، قبارصة ويونان وصقالْبِه وكل هذه الاسماء الغريبة العجيبة. دخل اسم كنْج على البلد، على اسم متصرّف صفد التركي، للمجاملة والتقرب اليه، كل ذلك لم ينفع، ازداد الظلم والنهب، سكتت مطحنة البلد التي كانت تطلق خفقات وشهقات رتيبة متلاحقة، ورائحة القمح المطحون تشد القلب، البلد عابسة بائسة، والليالي المدلمِسة مخيفة، الليل يفتح اشداقه الواسعة، فيه الكثير من المجهول، وخفّت وانقطعت السهرات، وزيادة على ذلك فهذا ذياب المغلوب، وحمَل وجه غانم غلالة من الزعل والخوف وتعكير الدم، لا لا، لم ينقطع الخير من الدنيا، لكنه قل، إن خِليت بِليت، ظل أناس مع نخوتهم وكرامتهم، والناس أجناس. (يتبع)



.png)

.png)






.png)
