رواية ذياب (8)| محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

الشياطين طغت عقل وقلب غانم، الغول والصوابي والتابعة، الخط والسِّحر، بزر البُرش والخشخاش والحلتيتِه، في البلد اربعة خمسة رجال يتطلعون في الكتب، ويديرون عقل الناس، خاصة النساء، الضلع القاصر. الليالي السوداء، ليالي الحرب والخوف والفقر طويلة، والزمن كمن يتوقف، البيوت خرساء، يجتمع الجيران في بيت واحد معتم كبير، يدقرون الباب بدقر الخشب ويسكرونه بمفتاح الخشب الثقيل – الغاله، مثل ابواب صير المعزى، لا سكر ولا ملح ولا شحّاط، وإذا دق احدهم على الباب يُحسب الف حساب، ورب البيت او الحرمة تعاين البلطة المسنودة هناك، الخوف قَطاع الشدايد، والسهرات كامدة كالحة على سيرة القتلى، الكل يحكي عما رآه في الوعور وعلى جناب الدروب، جثث رجال ملقوحة ومشلقحة، يغامير وقلابق ملطخة بالدم، في ايدي البعض حشائش وبلان وتراب، قبض عليها من حثاثية الروح، منهم من هو ملقوح على بطنه او ظهره او جنبه، كل واحد قُتل ومات بطريقة مختلفة، تُرْك وعرب وبلغار وصرب، عيون مفقأة، ومن الاحذية العتيقة التي سلمت من النهب والسلب ينبُق لحم اسود بشع، ريحة الوعر بتجْوي، لحم يدب فيه البِلا، ودم اسود وذبان أزرق، وغربان ونسور وقطط برية وكلاب على جثث البشر والحمير والبغال، لكل قتيل أب وأم وأسرة، تنتظر خبرا عنه وقد انقطعت.

الوحوش والطيور والكلاب عيونها محقونة بالدم، والضباع تنبش التراب باحثةً عمّن دُفن من قفا الإيد، هذه المخلوقات هي الوحيدة التي اشبعتها الحرب، البواريد والسيوف والمدافع تجرها البغال التي كانت حية، الصديد والدم في كل مكان، والماء في العيون ملوّث، النساء يلذن بمن بقي من الرجال، من عيون البعض بريق كامد ونظرات نهمة جائعة فجعانة، وراحت جماعة الشياطين تطغي قلب وفكر غانم، الرجل المعافى المرغوب والمُشتهى في هذا الزمن الأسود، وهذه حِشمة – تنصب الشباك، أمهر من عنكبوتة كبيرة دسمة قارحة علّمتها الأيام.

دفنوا حرمة بعجلة بعد موتها، فاقت في القبر، وراحت تصرخ وتنادي، فقط في الليلة الثالثة سمع أحدهم صوتا صارخا مستغيثا من القبر، بَسمل وحوقل وأعطى ذانه، وحِسّ الليل بودّي، نبشوا القبر، وطالوا الحرمة حية وقد قبعت غطا التابوت، عيونها غايرة في وجهها، ويا ويلنا وسواد ليلنا من المنظر، تبلكمت وخرست عندما طالوها، تتطلع الى الناس بنظرات مقزّزة، الله يبّرينا من عذاب القبر، لطف من الله ان ما نَبشتها الضباعة التي صارت تهجم على البيوت بعد ان أتت على القَتلى والفطايس، جاءت تخمخم في الليالي الثقيلة، والضبع في النهار ضبع وفي الليل سبع تهرب منه الكلاب الصناصيل.

ذياب المغلوب يسمع هذه الحكايا ويلوذ بصدر أمه، لكن الحرب وويلاتها هي حديث الناس، سيرتها طويلة مثل سيرة الحَيايا.

نزل صالح على البيادر – يقضي غرض – في الليل، وترك السهّار في البيت، كان ذلك قبل الحرب والحركات، غاب أكثر من اللازم، اسْتعوقوه، فزعوا وراه، في مغارة خلة عامر سمعوا رجلا يضحك، مْغشش من الضحك، الضبع يرشق بوله بذيله على الواحد حتى يفقد عقله، ويركب على ظهره الى الموكرة، وهناك يروح يزكزكه حتى يكاد يفقع من الضحك، بعدها فقط يبدأ بأكله وهو حي. النمر وحش شئيم، يعض الفريسة في عنقها، في مذبحها، يمص دمها حتى تموت، بعدها يبدأ بالتهامها، الضبع هو الوحش الوحيد المكروه، ويطلقون اسم – ضَبعان أفندي – على كل انسان غدّار ونذل وجبان.

ويروون عن نجيب، ان الضبع ضبَعه وأركَبه على ظهره الى الموكرة، لكن رأسه دقَم في باب الموكرة ونزل دمه، عندها عاد عقله الى راسه وقتل الضبع.

  • وينِك عن حسين، وقع عن الدابة في النَّعصة، انطخّت إيده من الكوع، غِمي، وهناك جوز ضْباعة، ربك حميد فاق الزّلمة وهو يسمع طرطقة الضباعة، لو الله يتخلى عنو، كانوا أكلوه وطحنوا عظامه. كثيرون لهم قصص وحكايا عن الضبع، حماة غانم تقول: كنا في المطحنة، ومعنا سبعة ثمان دواب بعيد السامعين، رُحت أنهر حمارة دار خالي حسن، حينما صرخ عليّ محمود ابن خالتي: ولِك ارجعي ديري بالِك هذا الضبع!!

كثرت السرقات، وهذا جوز سعدى جلب ذبيحة كاملة على البيت، والحرامية معروفون في البلد، جاءوا واتهموه فراح يقول:

  • شو إلَك على قتّال بوك!! يا شاهد يا يمين، وأنا بحلف يمين!!
  • لا لا، يمينك مِش مقبول، إذا حُرمتك بتِحلف منصدّق.

لكنها رفضت ان تحلف وان تحط ربها ورا ظهرها، كل ما قالت: جاب عنزِه مذبوحة على البيت، منين بعرفش.

ضربها في دقماقة الكبة على راسها، ظلّت على الدخّانه.

وزاد التشكيك وتوجيه الاتهامات من بعض الرجال على الزوجات، هناك غيرِة عميا، على فاضي على ملان، جاء رجل ليطلق زوجته أمام مشايخ الدين، بعد ان سقاها السمّ من كْواعها، عيشة كلها مَرار في مرار، حتى ضاقت الدنيا في وجهها وارتاحت للطلاق، مثل وجع الضراس، وجع سيعة ولا كل سيعة، وأمام المشايخ قالت: هو مِفْضِل علَيّ اسمحو لي أبوس إيده قبل ما أترك البيت، سمحوا لها، فما كان منها إلا ان شلحت صُرمايتها وراحت تضربه على راسه، هواية تقوم وهواية تُقعُد. يا عاطل يا نِجس طقّت مرارتي، نكّدتني العيش، ما عشت يوم متل الناس اللي الله خلَقهُن.

العِلم عند الله ان ايام الأتراك صارت معدودة، وجهاء البلد الذين كانوا يخدمون الأتراك، راحوا يلقّحون عليهم الكلام، ويذكرون ظلمهم.

  • سبحان الله، في ناس مثل العدَس، ما بنِعرَف لهم بطن من ظَهْر، امبيرح كانوا اكبر لقاميط للتُرك، واليوم عندما مالت الكفِّه مالوا معها، ناس شاطرة في عيشتها، لا ذِمّه ولا وِجدان، بُكره ربك بحاسب كل واحد على عمله.

أما عامية الناس فقد ذاقوا المُر، واليد اللي حاكميتك وظالميتك، بوسها وادعي عليها في الكسر، شنقوا ذوقان الأطرش، وحبسوا شِبلي، ويقول شبلي في قصيدة:

يا غاديا مني تحمِل رسالتي       على متن ضامر سير يا نجّاب

إسْري وجِد السّير واحذر من البَطَا      سرْحوبتك أسرع من الدولاب

من قَسْطموني مِد يخرِب سْوارها     يا ريتها تبقى دمار وخراب

من عقُب رابع يوم إن جيت أنْقَرَه   ضِيف الرّبوع المِثلِنا غُياب

إياك غُجّ التُرك تأمن بحالهم    إحذر ترى خطو الرجال ذياب

على قيسَرية بعد ستة وأربعة   ملقاك غلمة مثل اُسد الغاب

دربك على الشّهْبا العرب في ركونها    ومادونها غير الرّها وعِنتاب

حِمص وحَماه الدرب لازم تمرّها     وْبِنيتي تِلقى دمشق غْياب

رَيّض بدمشق الشام نوخ هجينَك      تَراك وصِلْت بخير يا طَلاب

الناس العقلاء مثل أمير البيان شكيب ارسلان نقلوا عن لسانه انه قال: نار الأتراك ولا جنة الإنجليز، الانجليز الذين حاربوا الاتراك بالهنود والعربان وضحكوا على زعامة العرب والملك فيصل، دولة خُداع مكّارين ملحهم على ذيلهم متل الضباع.

 أحس الناس بالراحة لانقلاع الاتراك، وراحت جدّة ذياب تغني له:

يا حبيبي يا حبيبي   ريتْ عُمرك ما يِغيبِ

ريت عُمرك في القْليعة   والقليعة من حديد

بعض العقّال راحوا ينظرون بحذر الى الانجليز، هؤلاء مثل جراذين الفار، يلحس الجرذون بطن العنزة وهي تستحلي وتحسب انه يعاشرها، حتى يصل الى كرشها ويفريها.

والحقيقة ان الناس حسّوا بهداة بال، ونَبْرِش البعض، وراحوا يفلحون الارض المكشّرة، وتعود البسمة الى الارض والوعر، قلعت الطبيعة ملابسها الوسخة المدمّاة وراحت تلبس حلة جديدة زاهية مثل الصبية المتغسّلة، وجهها رايق معافى باسم ناعم، وشعرها الغرقان بميّة العين النظيفة منعوف على كتافها وهي تمشطه وتجدّله.

  • اللي بِرقِّع ما بِعرى واللي بدبِّر ما بِجوع.

تردد غزية كلام النساء المدبرات المعروفات.

ويقع غانم في ورطة، بين المطرقة والسدّان، وهذه الحرمة وين ما راح يلاقيها قُدامه. رمَت حالها عليه عالموت، ترسل إليه نظرات مشبوبة ترمي الفارس عن الفرَس، وهي متل الأرض المشتهية، لايْبه، واتتها حيرِه، والارض الغربية لم تكن ساحة حرب، فَجاج ووعر نظيف وغانم يقطع عصي مناكيش، بلَجت عليه و... (يتبع)

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين