رواية: ذياب (9) | محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

راحت حشمة تكثر من زياراتها الى بيتنا، لا يمر يوم إلا وهي عندنا، "كل يوم يا خالتي وأنتِ مطلّه"، غزية ملتهية في مصيبتها مع ذياب، وحشمة تقوم بأوَد البيت، تكتّ الحُصُر، تعسّف الحيطان من الشعشبون بطاروح النخل او بمكنسة خشنة مربوطة على عصاية، في البلد لا يوجد نخل، لا يعيش فيها زيتون ولا صبر ولا ليمون ولا برتقان ولا يوسف افندي، تقلِّع وجوه الفرشات والمخدات والملاحِف، وتضع امامها زوم الغسيل ودست الميّ على الموقدة وتخبط الغسيل بالمخباط، والصابون يرغي رغوة بيضاء على وجهها بقابيش صغيرة ملونة كقوس القدَح قبل ان تنطفئ، وأحيانا تغسل ملابسنا وتنشرها على السياج، من أين جاءت هذه الألوان، يمكن من صابون الزيت والقطرونة، تنقُب فتيلة السراج، وتطبخ مجدرة مع فجل وفرفحينة من الحاكورة وتقول:

كول من الفجل ورقُه ومن الحمام مرَقُه، وتتمسخر على كل واحدة لا تُتقن الغسيل: متل غسيل شُرْشُرْ بِلّ وانشُر. غانم صياد شاطر، يصيد الحجل والحمام البري والطيطبوس وحوّام الربيع وحوام الصليب، بجِفت الخلِع الرّش، يدفن طاسة ميْ الى خْناقها في الأرض، ويرش شوية قمح، ويغرز السَّبَل ويتخبأ في القلوم من الشيح والسنديان قبال هذه المطعَمِه، ويرش الحجل والحمام، وحِشمه تدق الصيد على البلاطة لعمل الكبّة، نفسها طيب على الأكل، لكنها شئيمة، منافسها رفيعة، تأكل نقنَقة مجابَرة خواطر.

بتظلّ في حالها، أحيانا عندما تضحك يرن ضحكها في البيت ويصير أبهج وأوسع، تحكي عن فوزية التي لا تعرف ان تطبخ ولا تخبز، خبزها مْشرتَح مْشلوَط، وعندما عنّ على بالها ان تطبخ مغربيّة، ووضعت العجين على داير صينية المغربية، شاطت الطبخة ولزّقت واحترقت، وجاء عمها يغني:

يا فوزية، يا بنت بوديِّه، يللي عْملتي مغربية، وعزمنا شباب وختيارية وكبّناهُن في الحاكورة الفوقانية.

غانم في عز شبابه وصحته وعافيته، سحّيج، دبّيك راس، يغني على نغمات الشبابة والأرغول:

الله يجازيكو يا بنات حوّا

  حرَقتو حشيشة قلبي من جوّا

وحِشمة في عز عمرها، مَلو ثيابها، وجه قمحاوي وعيون شُهل فيها بريق، بصبوص العين يتحرك على الجنبين، وحوَل خفيف يزيدها هيْبة وحلاوة وكثر غلَبه. والحماة هي الاخرى صارت تكثر زياراتها الى بنتها غزية، وترمق حشمه بنظرات لها معنى. وتُلبلِب في شفافها وهي ترى عيونها الحِركِة وسوالفها، وشعرها الخرّوبي يسرح ويمرح على كتافها وظهرها وهبَرها.

يبدو ان حماة غانم نقدت الفخ، هاي الزيارات مِش لله!!

ترمق غانم بنظرات متسرِّقة سعْرانه، المخرز يزِق عن عينها، إن شافَت قطّ عيشِه بَدها مِنو نْتيشِه.

في يوم من الأيام بجّتْها وهي ترى حشمه تحط عينها على غانم وتتنهد، حول طبق السُّفرة الملون، وهو في حاله قليل الكلام،

  • ديري بالِك على حالِك يا يمّا يا غزية!!
  • شو القصد، حكيِك إلو معنى.
  • الحيّة الرقطا ما بتنحط على عُبّ اللحم!!

جوّزوها غصيبه، في الليلة الاولى هبّشت وجه عريسها في أظافرها، وفي الصباح تصبحو بخير، وجهه مهَبّش مثل دعس الجاج. وجاء الأهل وكتّفوها وثبّتوها حتى جاز عليها.

  • يا عيب الشوم، ما أقرف هالجيزه!!
  • الوحوش ما بْتعمل هالعَمايل، يا قلة الدّين، والغصيبِه تاليتْها يا هريبِه يا تِهريبه.

حشمة اختارت التهريبِه، لتبقى في عصمة المسكين جوزها وهي تحسب ألف حساب للأيام القادمة، والزوج المغلوب على أمره يقول ما يسمعه من الناس: في مَرا وفي مَرْمرَه وفي مسمار في العُنْطرَه، وهاي حشمة مرمرة ومسمار في العنطرة.

حماة غانم ووالدته تتحدثان مْهامتِه: الله يبرينا من إيام تصيح فيها الجاجة مثل الديك.

  • في سْنين المحِل العنزِه بتصير تْفِز على الفحِل.

أما غزية فظلت على حالها، هاي أخت عزيزة، مشْكى ضيمي، بتحِب ذياب، وبتحكي لو حكايا.

وذياب بحبها، ويحب الحكايا، حكاية الوزّه والحمامة والقاق والجحش، تشاركو على زرع شْكيرِة قمح. يوم من الأيام لاقوها مرعيّة، وراحو يحلفو يمين على شط البحيرِه. قالت الوزّه: أنا الوزِّه أنا الوْزَيْزِه كل أكلي رْزيزِه، كنّي أكلتِك أقع وأطب في قلب البحيرِه، نطّت ولم تقع. وحلف القاق: أنا القاق وأنا لِقْويّق كل أكلي خبز رْقيّق، كنّي أكلتِك يا هالشكيرِه أطب في قلب لِبحيرْه، نطّ وما وقع. جاءت الحمامِة: أنا الحمامه وأنا لِحْميمِه كل أكلي رْمَيْمه، نطت ولم تقع. وجاء دور الجحش ونهق: أنا الجحِش أنا جْحيِّش كل أكلي حْشيّش كني أكلتِك يا هالشكيرِه أقع في قلب لبحيرِه. إجا ينط وقع. لأنه أكل الشْكيرِه، وأكله حْشيّش، حشيش، ذياب يضحك. وغزية مبسوطة على ضحك ابنها المحبوب المغلوب.

غزالة بنت البلد وغزالة من بلاد الجيرة نبّهوا على غزية:

  • تْخليش الميّ تجري من تحت جْريكي.

نظرة العين مثل تِطليعة الحيّه، إن إجِت عين الطير في عينها يفرِّش ويروح يقترب منها، وهي تشهِّل عنقها، وتفتح شدقها حتى تبتلعه. زِنا العين النّظر.

لعب الفار في عبّ غزية، ما في دخان بلا نار، والطينِه إن ما لزْقت في الحيط بتْعَلّم.

حتى الحماة التي تقول لكنّتها وهي تلزق الخميرة: متل البلاطة، بلاطة اللّحدِه على صِدري، تقول ذلك بين سِرها وخالِقها، وتعرف ان ايام عِزها مع ابنها ولّت. ومكتوب على باب الجِنِّه ما حماه بتحِب كِنّه، حتى حماتها صارت تنظر الى حشمه نظرات مثل تِطليعة الجاجِه في الخليّه.

في صباح أحد الأيام قال ذياب المغلوب الذي يلثغ:

حِثْمِه حثّومِه ثيّاد في لِقلومِه، حشمِه حشّومِه صيّاد في لِقلومِه.

نقزَت حشمة وتلبّكت، ورشقَت أهل البيت بنظرات غريبة رهيبَه، وحطّت الحزن في الجرّه.

  • ولَك مين علّمكْ تقول هيكْ!!!
  • ثِتّي، سِتّي!!

وراحت حشمه تقلل من زياراتها، وكادت تنقطِع. وبطّلت تطبخ او تقحط زكرة اللبنِه وتغسلها، او تخضّ اللبن في الخضّاضة وتموّع الزبدة، وتملأ نْعارة الفخّار بالسّمِن قُفرَه للرّز إن انوجد او لقلي البيض، صارت طلاتها دلّيلِه لتغيير الشِنكاش وتكذيب السّمعة التي طاطَت في البلَد كما يبدو.

بينما حماة غانم ظلّت تحكي: الله يجيرنا من سنين المَحل، حتى "شيخة" المكَعبلِه المكبْتَلِه المدعبَلِه اللي ما ينعرف طولها من عرضها، نفّقت حالْها من غير مْعيرِه يا ربّي تسامِحني.

الوعر الغربي نظيف من آثار الحرْب، لم تمرّ من هنا العساكِر المكسورة ولا المنصورة، فظل في رونقه، فيه الكثير من شجر الغوَرْدة الفوّاح والجحاريف والشقفان المَرفِرْفِه، والهُوَت والمعاصر، والبلاط المشقوق والسلوع، والحمام البري والرقطيّات، وهذا الموقع يطل على "مَرج صالحة"، على ارض سحماتا والمنصورة والدير القاسي، وها هو غانم يعاين جباب السنديان، يفتش عن الناطح والذكَر والبُرْك لعود الحراث، والطبيعة سبحان الخلاق، مثل العروس، تضحك إلها ولحالها. وهو يحب الفلا، ويرودح: خيّا يا ريم الفلا وقّفْ تشوف شو هالذنب اللي عملْتُه بعد المعروف.

في الوعر الكثير من المجاهيل، وله رهبة ووهرة لذيذة ونكهة تشد القلب، ويقصف قُصفاً من جب الغوَرْدة التي يحبها، وربات البيوت المتقّنات يضعن أوراقها على المغربيّة، ويصحنّها عندما تيبس، ترش الواحدة شوية غوردة وقِرفة ومردقوش وجوز مدقوق على أكلة الكبة المصبوغة بالفلفل الأحمر، كبة حجل وسمّن وطيطبوس، هذا الطير الذي يهاجر الى البلد ايام الثلج، طير لحمه قليل حامض لذيذ أطيب من لحم الغزلان والمعزى السودا السارحة في الوعور، المعزى الرعويه.

وعلى غير اجْتَلا، شَعر غانم فجأة وكأن خَطمِة بني آدم في قلب الوعر، أعطى أذنه، وسخن وجهه ورأسه وبلع ريقه.

تخمين خطمة بني آدم!! كان يهدس في طير الطيطبوس، وفجأة، سمع صوتها يقول: تَع تَبوس يا طيطبوس.

انها هي حشمه، هل ذكر اسم هذا الطير بصوت عال مسموع!!

  • اليوم علِقِت. حلّها واستوى خلّها. وتَع تبوس يا طيطبوس.

(يتبع)

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين