رواية: ذْياب حلقة (1)| محمد نفاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

دموعها على عَرض وجهها الزّاهي الطري كصباح ربيعي، تكرج على الخدّين المورّدين، يقف الدمع للحظة، قبل ان يسحّ على صدرها الواسع المُطل كالقمر في ليل عطِر. يومها أطلق غانم على هذا الصدر طبَق الورد. يُبشر بأمومة مباركة، صدر عطوف رؤوم، مغرّق بالدمع كالطَّفَل على النّفَل.

من كان يقدّر ان غانم سيموت شهيدا في موقعة الليّات، في الجانب الغربي من مجد الكروم وشجرة الشيخ سرّيس والشرائط المعلقة عليها من كل الألوان، حارب ضد الانكليز ومعهم "مْقنِّه" من الهجانا. سمّوه أبو ذياب قبل أن نتزوّج، على إسم ذياب بن غانم. وان ذياب أخذ الثأر في موقعة فرّاضِه بعد عَشر سنين، أيام وسنين يا غَزِّيه وأنت تحلمين بولد، نذرتِ النذور لكل الأنبياء، استعملْتِ كل الوصفات. يمكن سَوّ عمَل!!

غزالة بنت البلد، وغزالة بنت بلاد الجيرة، وهي غزيّه، الأوف في ظهر الأوف، والاجراس على رقاب البقر والجمال تنصت إلى العتابا والميجنا، حومات الغيوم في مشوارها إلى الشرق ترتاح لتنعم بالغناء، وحتى الجبال الرزينة الوقورة راحت تنصت بإباء، وغانم يحلف ان رفوف الزّاغ والحجل، قطعتْ موّالها، ومن بين المَلّ والسنديان، يشارك الرعيان على شبّابات القصب الستاوية، انغام الميجنا والعتابا، اليُبغض الفرح تبغضُه ثيابُه، والد غانم قاسي القلب، البقرة نوارة يا غزية أشطر منك كل سنتين تلقح بطن، عِجلِه يا عِجل، والحمارة دايما وراها تبَع، الا انت، أكل ومرعى وقلّة صنْعَه، لمين نترك الرِّزْقات!!

والرزقات محرزات، أرض مُفْتَلح وحوزات زيتون، ومعزى وطرْش، فكيف لا تعز الدنيا عندها وتبكي بحرقة، تشهق شهقات من صماصيم القلب، حيف على الوجه المشبرق يظل يتحرّق ويتغرّق نذر علَيّ، ان اجاني ولد، أشحَد له أواعي شحادِه من عند أهل الخير، لاذلّل النفس، وأكفّر عن ذنوبي، نِتفة ولد.

الحماه لسانها دافي، كلمة الغَبْرا ما بتطريها على لسانها، لكن نظراتها تقول: الله كريم، سقا الله يكون لي ولد الولَد، أحمله وأجعلكُه: يا سنَدي، يا تْغمّضْني، يا تكفِّنّي يا تِقبرني.

غانم يطارد على المُهرة في الأرض الشرقية، وعقاله في نُص راسه، وهو مِلْصم، والزلمة أهْيب وهو مِلْصم، والريح تلعب في ذيل حَطِته المشرْشَبة وعينه مثل عين النِّسِر على غزيّه، وها هي اليوم تقاسي، لليوم الثالث، الطّلْق في ظهر الطّلْق، والدّاية لا تتركها، لا ليل ولا نْهار.

لم تكن تشفق على حالها وهي تحمل حملة الحَطب، والجارة بنت الحلال تقول لها: حَملتك ثقيلة، ديري بالك، الحطب تاليه للرماد، وعِلّته في لِكْباد.

العِلم عند الله أي نبي وأي وصفة من الوصفات كانت السَّبب في الحَمل. أو حكيمة النسوان في المدينة!! أصحاب غانم يمَعْشرون معه ويُنجّقون عنه انه قال عند ضريح النبي: دخلَك يا سيدي تْحَبلّلي مرَتي.

الريح الجفول تهدر في الخارج وتقصف ورق الشّجر، والرّعد يتدحرج ويُنذر، وومضات البرق اللّهبي الناري تنفلش في الغيم العالي وتضرّجه بلون يميل إلى الزرقة، وغزية تتوجّع. يمكن سوّ عمَل، كان عقدها معقود على غانم، وغانم المرح المسرور يقول للإمام: إعقد العقد على مذاهب الأئمة الاربعة!!

  • لا لا بِسْواش، على مذهب أبي حنيفة النعمان. والإمام يقول للحاضرين: الايدين على الرّكب، وأعطوا النّصت.
  • مين وْكيلَك!!
  • وكيلي خالي على غزية..
  • بلا ضِحك يا حُضّار.
  • وسألوا العروس: مين وكيلِك.
  • وكيلي خالي على غانم.
  • مستعجلين!! وظل الناس يتندّرون على هذه العجَلة من العريس والعروس، وغانم رِجّال متل السبع.

الولد سْبيعي. والسبيعي يعيش، مثل الجنين ابن التسعة شهور، أما ابن الثمانية أشهر فلا يعيش بحسب دورة الأفلاك والكواكب، والنجوم في الافلاك السبعة تتقارن وتتفارق.

  • بكّرَتْ في الحبَل، وين امّها عنها!! الرِزق السايب بعلّم الناس السِّرقه.
  • عقدها معقود، صارت حلاله، المهمّ العِقد.
  • الله لطيف بعباده. من صبر قدر ومن لجّ كَفَر، عزارَه.
  • في فجر اليوم الثالث التشريني، ومع ولولة الريح، وهزيم الرعد، ووميض البرق، ونقاط الغيث الواسعة الثقيلة تطرش على الباب العتيق والورق المترنّح المغرّق المعذّب، حطّت غزية حملها بالسلامة. زعق المولود زعقة الحياة العظيمة، لتسرح وتمرح في جناب البيت، ويرتاح وجه الأم، حتى ان بسمة خفيفة سرحت على وجهها. طلّ وهلّ حامي البيت الداية تروز الولد بين يديها.
  • اسم الله صبي، صبي مْعافى.

غزية تتطلع إلى هذا المخلوق اللحمي المنظّف، ويلبّسونه الملابس الصغيرة المنمنمة، شحادة من عند أهل الخير، كما نذرت، وحليب الأمومة يخنِّس وهذا المخلوق الجديد يرضع من حلَمات البِزّين المحزّقين، حليب الأمومة، والدنيا إم.

الجدّة تزغرد، وكل شيء يؤهل ويُسهّل، الرّعد والبرق والغيث، وبسمة الأم، وبسملة الداية والجارات وشهقات الفرح الدامعة للأب غانم أبو ذياب، ويرودِح:

يقول الفتى الزغبي ذياب بن غانم

                              بدمع جرى فوق الخُدود يْسيل

نيران قلبي كل ما اقول ينطَفي

                             يهبّ لها جُوّا الضلوع شْعيل

نعم أيا غاديا على متن ضامِر

                             تُشْبه لغزال بالفلاةِ جْفيلْ

غانم يترك حومة النساء في البيت، ويركب المُهرة، وتحت زخات الغيث وبقايا الرعد، والبرق الخفيف، ونتف الغيم، يكدّ المهرة إلى البيادر الغرقة الفارغة بعد ان حطّت حملها، وإلى الميدان، وإلى الفجاج والخلّات وأذيال الوعر ويهتف من قراقيح قلبه: رْزقنا ولد، إسمه ذياب، يخاطب الغيم والجبال والبيادر والوعر والكون.

هناك وصفه مجرّبه، الكثير من الأطفال يموتون بالحَصْبه والصّفَري والجدرى، والناس يسمّون الأبناء على أسماء الوحوش.

ذيب ونمر وفهد وذياب وأسد ووحش.

رائحة الثوم الحادّة الكثيفة تملأ البيت: والدّايه تنصح وتقول: شو اللّي خلاّني أمشي وأقوم غير أكل الثوم، أحسن دَوا للنفاس، ويدرّ الحليب. والجارات يحضّرن المغلي: قرفه وجَنْزَبيل وخولنجان وجوز ولوز.

الحماه المدبّرة حسبت حسابها لهذه الأيام، قلايد ثوم شامي وحوايج المغلي. وغزية حضّرت التراب المغربل في غربال ضَبوط من أرض الحمّار، ودقّت ورق الرّيحان من جِبّ الريحان، وسرير الخَشب الجديد الصغير مع المخدّة واللحاف والطراحة والمنديل الملون المعرّق المشجّر كزهر الربيع، كل شيء موجود لمثل هذه الأيام، ذياب لا شغْلِه ولا عَمْلِه يرضع وينام، أكل ونوم.

وتأتي غزالة بنت البَلَد وغزالة بنت بلاد الجيرة، يدخلن بفرح ومَرَح وصَخَب:

  • ولَد سْبيعي يا غزية يا مفضوحة، هاه!!
  • إنْتو السبب يا عاطلات يا ملعونات.

ما أحلى الفرح والضحك على وجوه الصبايا المفرفحة.

  • معلوم شو خصّنا إحْنا في ذيال الوعر.

يَلْقَحْن المناديل الملونة والطّواقي والنقوط، يجلبن اللوز والجوز والسُّكر.

ويأتي حماها والد غانم، ويضع على لحاف الولد الغافي قلادة ذهب عُسْملّلي، وهو يشهق ويبكي مثل النسوان، دمعته سخيّة، وبصوته الباكي من الفرح يقول: ما أغلى من الولد غير وَلَد الوَلَد، ويقبّل غزية في راسها، وهي تحشُك على يده لتقبّلها لكنه يتراجع ويرفض.

  • ما بَسْتاهَل!! آسيت كثير في حقِّك، سامحيني.
  • أعطيها إيدك، زعقت زوجته.

وتغرّق غزية يد عمها بدموع الأمومة والتسامح.

ويتنهّد الجميع بارتياح.

  • المسامح كريم

والأم تكشّف وجه الولد الغافي، تزيح المنديل، والجَد يمللي نظره من الطفل ويبكي ويغرّق وجهه وشواربه بالدموع.

  • أهلا وسهلا فيك يا حبيب قلبي، بعد الشّقا بقا. ويتعانق مع غانم، دموع الفَرَح نادرة.

فكر الانسان لا يقف عند حدّ، في لحظة واحدة قصيرة، يتعبّأ بمجموعة هائلة من الأحداث والأفكار، من الماضي البعيد والقريب، من الحاضر والآتي.

ها هو غانم يذبح النذور، على جاه الأنبياء، كانوا ينذرون أحسن الجديان وأجملها، يقصّون شعرات الذيل ويشعطونها، لم يكن هناك من يشمّ رائحة الشّعر المشعوط، كبرت الجديان وصارت كراريز، والكرّاز النذر لا يعلقون الجرس على رقبته، يذبحون النذر على جاه النبي، او في المزار، وكل جمعة وليمة، للأهل والجيران والاصدقاء، والأطايب لغزية حتى تسترد صحتها.

كانت تحسب ليوم عرسها ألف حساب، فمع الفَرَح ولباس وزينة الفَرَح – الصمّاده والكُرْدان والصنوبريّة والمخايَش من الفضة والحرير، هنالك إلى جانب هيبة العروس ووقارها وحاجبها الثقيل، مسحة من الترقب والخجل، ولذلك هي تفتقد أمها ووالدها في هذه الأيام، حتى انها لم تشعر بتمام البهجة والسعادة وهي تتحدّر، ولا في ليالي التعليلة عند أهل عريسها نقا قلبها، سحجة ودبكة وشبّابة وأرغول أصوات رجالية قوية يرتاح لها القلب، ينتعش ويرتعش.

أحسّت بنغصة في القلب لعدم مجيء والدتها وهي تقاسي، الأم زعلانة وعتبانه وعينها راقدة ومستحية من عمايل بنتها غزية، مع ان عقدها معقود، والعادة أن تكون الأم أول من يطمئن على ابنتها، ثاني يوم العرس، مع الصباح الباكر. لم يكن هنالك ثوب أبيض عليه بكارة العروس، علامة الشرف والناموس، كانت البكارة في أذيال الوعر، في الزردة قبل عرسها بشهرين، ولذلك الولد خلق سبيعي، هي ليست الوحيدة في البلد التي سبّقت، والأيام تفعل مفعولها.

أبعدت غزية هذه الأفكار، قدَر الإمكان، لكنها تروح وتجيء، تحوم كحوام الربيع والخريف ببطء وعناد، وأحيانا اخرى كالسَّمرمر الزاعق السريع آكل الجراد، والناس يخوّفون الجراد:

  • جاك السَّمَرمَر يا جراد. حومات سريعة مثل هبوب الريح، السمرمر والسنونو يوصل مَصر قبل العصر.

صحيح ان الدّاية والجارات لم يلمّحن إلى ذلك، لكن نظرات البعض تقول غير ذلك، حكي العيون أقْسى وأمرّ، أبعدت غزية فم الولد اللّحمي الطري عن حلمة البِزّ قبل ان يشبع، لتسمعه يلفظ ويلغط حرف الميم إم، لتنهال عليه بالقُبل والنظرات المترعة العَطوف، اول حرف يلغط به، وعليها ان تحميه وتحرسه ولا تشغل بالها الا في هذا المخلوق الذي جاء مع الكثير من المتطلّبات، وكلها من حَقّه المشروع المقدس.

يتبع

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين