رواية "لم يكن موتًا" لنعمة حسن: فجائعية العيش وغرائبية الحب والزواج في غزة | سمير حاجّ

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

رواية " لم يكن موتًا " لنعمة حسن، الصادرة حديثًا في غزة عن مكتبة سمير منصور2022 في 299 صفحة، هي صوت نِسْوِيّ جديد في الرواية الفلسطينيّة المُعاصرة، يأتي من عمق المخيم الفلسطينيّ الشابورة الواقع في مدينة رفح (جنوب قطاع غزة)، ويطرح أسئلةً كثيرة منها المعاناة تحت الاحتلال الاسرائيليّ، وعذابات المرأة واغترابها في المجتمع الذكوريّ، ومنها وجوديّةً جريئةً، في معنى الموت والحياة. هذه الأسئلة مُستقاة من الواقع اليوميّ المعيش للمرأة الفلسطينيّة، حيث عيشها بين الأطواق العسكرية والاجتماعية وتغييبها وقمعها وقهرها، كما حدث لمريم تلميذة المدرسة القاصر، التي تمّ تزويجها بين عشية وضحاها من منير رجل المقاومة الفلسطينيّة، المطلوب والمطارد من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيليّ، والذي تعرف إليها حين انسل إلى بيتهم في المخيم هربّا من ملاحقة الجنود، فدخل عليها وهي تستحم.. ورآها عاريةً. لقد زُوّجت مريم القاصر ابنة السادسة عشرة في ظرف استثنائيّ، وفي عرس عبثيّ غرائبيّ لا حضور فيه للعريس، وبتوصيفها "جنازة بيضاء" إذ لم يكن فيه أيّ نوع من الاحتفال، حدادًا على أرواح الشهداء واحترامًا للحزن السّاكن كل البيوت.

بقيت تنتظره متماهية مع انتظار "غودو" الذي لا يأتي، في مسرحية صموئيل بيكيت التراجيديّة، فالعريس لم يحضر زفافه، لأنّه مطارد ومطلوب من قبل جنود الاحتلال الإسرائيليّ، ومرصودٌ من جانب عملائهم منذ الانتفاضة الأولى، وهي لم تعش معه فرحها المشتهى والمنتظر، فقد غاب الليالي الثلاث الأولى لزفافهما "ليلة الزفاف بتّ فيها وحيدة في سريري، لأن زوجي علم بوجود كمين من جنود الاحتلال لاعتقاله، فغاب ما يقارب الثلاثة أيام، قضيت لياليها وحيدة". إنَّ مريم عاشت اغترابًا في زواجها منه وفي رحيله، حتى أنّها لم تبكِهِ ولم تصرخ أثناء رحيله، بل كان في أعماقها صوت ناقمٌ على المشيّعين والمعزّين يصرخ: "تِبًا لكم جميعًا.. أنا المتّهمة هنا، ولكنهم لا يعلمون أنّي المجنيٌّ عليها. أريد الفرار من أمامهم، ولكني مجبرة على الجلوس هناك معهم، حتى تنتهي تلك المراسم، فأنا زوجة الميت ألا يعلمون أنّي غريبة مثلهم تمامًا، حتى الميت لم يكن يعرفني!".

تسترجع الرواية أحداثًا منذ بداية الانتفاضة الأولى عام 1987 حين كانت مريم في الثانية عشرة، فهي تسهب في وصف أحداث الانتفاضة الأولى وضحاياها الكثر، وشبح الموت الذي أصبح شيْئًا عاديًّا "فالموت أصبح يسكن كل بيت بعد بدء الانتفاضة الأولى في الأراضي المحتلة الفلسطينية، ولم يعد عزيزا كما كان، قد يسقط يوميًا عشرات الشهداء في المظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي".

إنَّ واقع العيش الموسوم في هذا العمل التخييليّ استثنائيّ صادم، كما أنَّ طوبوغرافية المخيّم غريبة، فالحاجة للأمان جعلت الحارات متاهة للغريب، لكثرة المداخل والمخارج التي صنعت في الأزقة الضيقة، لتسهيل هروب أبناء المخيّم من مطاردات جيش الاحتلال.

في الرواية استقراء النفس المشروخة، المتصدّعة اللامنتمية للمرأة في المخيّم الفلسطينيّ، فمريم عاشت في اغتراب من زوجها الذي استشهد "أنا مجرد هامش، زاوية مجردة من الضجيج، لا دموع ولا نواح، صمت مطبق". وأمّها علياء كما يُفضي مونولوغها عانت كثيرًا "كنت أفتقد نفسي بشدة، أفتقد الأنثى بداخلي، فكان سفري هو الهروب الوحيد الذي فعلته، لم يكن خطيئة، كان محاولة مني لاستعادة ما سرقه أبوك من عمري"، وهي أرادت لابنتها أن تحذو حذوها وتهرب إلى مصر. إنَّ المرأة في الرواية تعيش ازدواجية في طوقها البيتيّ، وتحرّرها خارج المكان المُتاح مصر، مكان زواج أمّها علياء الثاني والسّريّ بعد وفاة زوجها، حيث تكسر التابوهات هناك، بالخروج عن المألوف والمسموح، كما تعيش انفصامًا نفسيًا بذريعة التجارة "عشت بازدواجية كأنني شخصيات داخل جسد واحد".

 

صوت تاء التأنيث الباحثة عن المتحوّل وهدم الثابت

 تحمل الرواية صوت المرأة الجريئة الغاضبة المغيّبة، إنّها رواية الاغتراب للمرأة الفلسطينيّة في قطاع غزة، ممثّلة بمريم التي زُوّجت قسرًا في مرحلة اللاوعي وهي قاصر، بمن لا تحب ولا تعرف، وبتوصيف أخت زوجها ريما التي جاءت لطلب يدها "لقد كان عاكفًا من الزواج، لأنه يعلم أن الموت أو الاعتقال يلاحقانه، ولكنك سلبت لبه كما يقول". ومريم بعد زواجها بـ "غائب" ومطارد لم تستطع الشكوى "لم يكن بمقدوري حتى الشكوى، فشكواي في هذه الحالة خيانة للقضية الكبرى، وعدم ولاء لزوج مناضل". ثُم ترمّلت بعد عام من زواجها، حيث قُتل منير وهي دون السابعة عشرة، فأصبحت أرملة بلا دموع وانتابها الغضب والثورة والرغبة في الهرب. كما أنّها لم تبكه، فقد تعالت على البكاء واختارت طقوس الصراخ بالصمت واللامبالاة. إنَّ مريم شخصية متمرّدة استطاعت كسر حاجز الصمت والشب على الطوق بمتابعتها الدراسة الثانوية بعد مقتل زوجها، ثمّ سفرها والتحاقها بالدراسة الجامعية في تونس رغم معارضة أخيها. الرواية تتغلغل في أعماق المخيم وتكشف البواطن المسكوت عنها، فريما أخت منير تعيش تعنيفًا وقمعًا، من قبل صهرها، الذي ضربها بعد أن رفض عريسًا تقدّم لزواجها، كي يحتفظ بمرتبها ولا يقاسمه أحد بنقودها. كما ترسم الرواية الهيمنة الذكورية، حيث يفرض الأخ سيطرته على الأخوات بعد رحيل الوالد، كما تحكي صراع الإرث بين الإخوة والأخوات، واستغلال الانتفاضة مركَبًا لعمليات قتل بسبب نزاعات ثأر، ثم نسب الأمر للعمالة.

 

أسئلة وجوديّة

تبحث الرواية عن الحياة المقموعة والمطوّقة إبان الاحتلال الاسرائيليّ للقطاع وعن الحبّ الضائع داخل المخيّم القفص، كما تحتفي بموت المرأة بمفهومه الوجوديّ، وتعتبره إكسيرًا لحياة منصهرة في قلب حبيبها الباقي بعدها، هذا من منظور جمال حبيب علياء، والذي يشكّل صوتّا ذكوريّا تنويريًّا في احترام المرأة. الموت هنا وجه آخر للواقع الحياتيّ القاسي في المخيّم الفلسطينيّ. كما أنّها صوتٌ يحاول خلخلة الثابت وإرساء المتحوّل خارج المكان المغلق. فعلياء أمّ مريم، الصوت الطاغي المحمول بين دفتي الرواية، لا تحبّ الأماكن المغلقة، لذا شبّت على الطوق، هذا ما باحت به ابنتها مريم بعد وفاتها، أمام زوجها السّريّ عزيز، كما أنّها في حدس ابنتها مريم "أظنّ أنّ أمّي أسقطتْ حمولتها عمدًا، وحلّقت بخفة على كتفيْ عزيز، لترى الحياة من مستوى رأسه".

تنتهي الرواية بسلسلة أحداث تراجيديّة، موت علياء أم مريم في حادث سير في مصر حين قادت سيارة بمعية زوجها عزيز، وموت مريم بعد أن تعرّضت هي وحبيبها جمال لاعتداء من قبل قطّاع طرق في تونس، مكان دراستها الأكاديميّة، وقد تمّ زرع قلبها في جسد جمال، ليحيا معه عامًا واحدًا ثمّ يموت. الموت الموسوم في الرواية والمختبئ وراء النصّ - الميتانصّ، هو الحياة داخل الطوق والقفص الغزيّ، بين الحواجز العسكريّة والاجتماعيّة حيث عطش الروح وقمع الجسد. لكنّه خارج المكان، تخرج الحلزونة من قوقعتها، وتحتفي بابتهاج الحياة. تنتهي الرواية الدائرية كما بدأت بكابوس الموت الذي سكن معظم بيوت غزة الوجيعة. رغم كثرة الأخطاء الطباعيّة والإملائيّة والنّحوية في الرواية ورغم سوداويتها، إلّا أنّها تشكّل صوتًا نِسْوِيٍّا جريئًا وغاضبًا في كسر الثابت والمسكوت عنه.

 

 

(صورة من صفحة دار النشر على "فيسبوك")

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين