رواية "نوّار العِلْت" لمحمد علي طه: الفلسطيني المحاصر والأمل| د. فيصل دراج

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

ثلاث صفات تلازم محمد علي طه في كتابته المطمئنة: خبرة كتابية متراكمة طويلة تمتد من 1964 إلى اليوم، بلا توقف ولا قطيعة، وإقامة مستمرة محظوظة فوق تراب الوطن، فلم يترك فلسطين، وبقي واقفًا في أرضه من عام النكبة إلى الآن. الصفة الثالثة تعامله الخصيب مع أجناس أدبية متعددة، تضمنت الرواية والقصة القصيرة ـ مجاله الإبداعي الأكثر تميّزًا ـ والسيرة الذاتية، والمسرحية، والمقالة، وقصص الأطفال. يبدو طه عالمًا كتابيًا واسع الأرجاء متكامل الأفكار، يضبطه هاجس وطني يحايثه التزام سياسي لا يمكن حجبه، لا فرق إن تحزّب، أو تحرّر من "قيود التنظيم". إنه الأديب ـ الذاكرة المتعدد الأزمنة، سكنته ذكريات ما قبل النكبة، واستقرت في روحه تجربة "الوطن المصادر"، التي لا تكف عن التجدّد. هذا "الجليلي" الجميل استمرار لجميل سبق وجمال سيأتي.

جمع في روايته الجديدة "نوّار العِلت" (الأهلية للنشر والتوزيع، 2020، 249 صفحة) ما ألزمته حياته الفاعلة بجمعه، وهو الفلسطيني الذي اقتحمه المجتمع الإسرائيلي، وبقي عصيًّا على الانصياع، والعربي في إسرائيل الذي تنطقه روحه لا تعاليم الاحتلال. وإذا كان نظره النقدي حمله على رصد العنصرية الصهيونية، التي تعيّن الفلسطيني مخلوقًا متهمًّا، فإن حسه المسؤول دفعه إلى زجر سلب مجتمعه الفلسطيني، المتمثّل بعادات متخلّفة، و"مراجل الحمايل"، والخلط بين المصلحة الذاتية والمصالح الوطنية. ولعل نظره النقدي، كما أسلوبه المتدفق بالحياة، الذي يتأمل الواقع، قبل أن يكتب عنه، هو ما جعل منه روائيًا يقترب من "عالم الاجتماع"، وعالم اجتماع يُحسن التحليل السياسي، وينأى، تاليًا، عن أسطورة "الفلسطيني المتجانس" المختصر، أحيانًا، في إخلاص غير منقوص وكرامة عالية الجبين. وما منظور طه إلا ترجمة موضوعية للكتابة الروائية، التي تقرأ الواقع بصيغة المتعدد، التي هي قوام الكتابة الروائية المبدعة.

تتراءى فنيّة "نوار العِلت" في استهلال روائي كثيف، جميل الصياغة، يقارب خمسين صفحة، يضيء قول الرواية كله. ففي الاستهلال شيء من الذاكرة الشعبية، حكايات الفلاحين القديمة، وفيه صورة عن أحوال الفلسطيني الوطني تحت عبء الاحتلال، وطني حداثي المنظور ملتزم بحقوقه الوطنية، كما يجب أن تكون، لا يجد عملًا، ولا تتيح له إمكانياته العملية والمعنوية أن يعثر على "وظيفة"، فيذهب إلى شيء من "بُقيا التراب الوطني"، يزرع البطيخ ويحرسه ليلًا. يترجم الفلسطيني في إسرائيل الذي لا يساوم، مشاق الحياة وأوجاعها: يمنع عنه محتلو أرضه العمل، يساهر الليل وحيدًا، يحاذر مفاجآت الطبيعة والبشر، وترهقه أحوال شعبه: زهد الشباب بالقراءة والثقافة، وانصياع غير الشباب إلى تعاليم "محتكري الإيمان"، وتكاثر العنف "وتبادل إطلاق الرصاص"، و"جرائم الشرف"، التي ترحّل معنى الشرف من موقع إلى آخر.

قدّم الروائي، في الاستهلال، الذي يحايثه بعد بوليسي، صورة تمتزج فيها مجابهة الفلسطيني للاحتلال بهشاشة وضعه الذاتي. ورسم صورة جامعة، إن صح القول، تجمع بين الركون إلى "التراب الوطني"، إذ في "حقل البطيخ" حماية منقوصة، وملاحقة إسرائيلية باهظة، ذلك أن "الجريمة على حافة حقل البطيخ" ص(52)، ممثلة باتهام إسرائيلي مستمر الحضور، يعيّن صاحب الأرض القديم متهمًا من حيث هو، لا فرق إن كسر القانون، أو اكتفى بعيش بسيط منخفض الصوت. أعطى محمد علي طه الوضع المأساوي معالجة فنية نبيهة، قوامها "جريمة" تُنزل، أو يجب أن تُنزل بالفلسطيني عقابًا جاهزًا، تجهر بوضعه المحاصر وبعنف تمييز عنصري في آن.

بنى الروائي عمله من وقائع حياتية، قابلة للسرد، ومقولات إيديولوجية واضحة، أو مضمرة، تعيد صوغ الوقائع الحياتية، وتقوم بتأويلها. ففي "الحقل الموروث" موضوع وإشارة، تعيّن حاضرًا فلسطينيًا يمتد في ماضيه، وفي "الجريمة" تكثيف لحضور إسرائيلي مسيطر. ذلك أن موضوع الجريمة فتاة إسرائيلية قتيلة، باذخة الجمال، اسمها: يافا، تشير إلى مدينة فلسطينية عريقة التاريخ، وإلى "محقّقين كاذبين" يلغون المدينة القديمة، ويشهرون حضورًا مسلحًا يرى في بقاء الفلسطيني فوق أرضه جريمة تستحق العقاب.

جمع النص الروائي بين الواقع الموضوعي المتمّثل بإشارات فنية متعددة، والمجاز الروائي الحاضر في "فتاة قتيلة" تنتسب إلى طرفين متصارعين غير متكافئين، فهي فلسطينية الاسم إسرائيلية المولد، وهي في الحالين قتيلة، تتهم السلطة المسلّحة الطرف المحتَل بقتلها، وتتهم الجميلة الراحلة التطرّف الإسرائيلي بحسم حياتها، تناوب على عشقها إسرائيلي متعصب قطعت معه، وفلسطيني وسيم "معتدل" آثرته على صهيوني رحّلها من الحياة إلى عالم الموت. جسّدت في رمزيتها القتيلة "أرض فلسطين"، حيث "النوّار" زهرٌ تحتضنه الأرواح العاشقة، و"العِلْت" نَبْتٌ برّي تآلف معه الفلسطينيون.

انتهى الروائي إلى نتيجة لا تنقصها المفارقة، بلغة محددة، أو "الارتباك المتفائل"، بلغة أخرى، فالعشق والجمال والزهر مجلى للمحبة والسلام والاعتراف المتبادل بين البشر، وفي "فعل القتل" ما يلغي المرغوب والمنشود. وصل محمد علي طه، وهو ينتقل من السرد الروائي الفني إلى "أيديولوجيا صريحة"، إلى باب ثنائي الاحتمال: يقول الأول باستحالة التعايش بين أصحاب الأرض المحتلة ومحتلّيها، وإلا لما أقدموا على قتل "يافا"، ويقول الثاني بالرهان على مستقبل مفتوح. ولعل هذا الرهان، المحمّل بالتفاؤل، هو ما استقدم، روائيًا شخصيتين، فلسطيني علماني مثقف، عشق الفتاة القتيلة وعشقته، وتقاسما منظورًا مستقبليًا تماثلًا، عن السلام والتعايش المشترك، وصهيوني عسكري عنصري وعنيف في عنصريته، يكره العرب ويرغب بدفن وجودهم كله لو استطاع.

أعلن طه عن حس فني مرهف بمقولات فنية ثلاث: حقل البطيخ المحتشد بإيحاءات متنوعة، محورها فلسطيني متشبّث بأرضه، والفتاة الجميلة المنتمية، رمزيًا، إلى تاريخ فلسطين، و"الجريمة" المفضية إلى "جهاز السلطة الإسرائيلية"، الكاره للعرب، والكاره لبعضه بعضًا. إذ لليهودي الإسرائيلي أصول متنوعة متنافرة. بيد أن طه آثر الانزياح من الفني المتكامل إلى الأيديولوجي الصريح مرتكنًا، ربما، إلى المستقبل و"قوة الحب"، التي لا تهزم قوة الكراهية المسلّحة، إلا صدفة. صرّح بتفاؤله في مواقع ثلاثة: هزيمة العنصري الإسرائيلي، التي شهدِت "يافا"، وهي قتيلة، بأنه قتلها، و"لقاء حميم" طويل بين الفتاة والقرية الفلسطينية، وهو افتراض روائي رقيق الحاشية، والكشف عن سلطة إسرائيلية تستولد نصرًا زائفًا، فحقيقة "الجريمة" لم تكتشفها أجهزة السلطة، بل أعلنت عنها الفتاة القتيلة.

أضاف الروائي إلى عمله الجميل المشبع بأفكار جديرة بالتأمل، أكان ذلك عن المجتمع الفلسطيني، أو "مجتمع الاحتلال"، شيئًا من تفاؤل قديم دُعي ذات مرة: "البطل الإيجابي"، آيته الفلسطيني العاشق، الذي في ثقافته ووسامته ما ينصره، كما لو كان يكمل شخصية شقيقه "حارس البطيخ"، الذي لا يرى السلام ممكنًا، ويختلف عنه بمنظور "واقعي"، ينتزع إسرائيلية متعلمة جميلة من عاشقها الصهيوني. ولكن: إذا كان في نص "نوّار العِلت" ما يكفيه من الإشارات الفنية المتكاملة، فما ضرورة "الإضافة الأيديولوجية"، التي تربك المدخل الروائي المدهش وتثقل عليه؟ وما الأسباب التي تدعو أديبًا مرهفًا مشرق الأسلوب نضر الفكر إلى "المساواة بين اليمين الإسرائيلي واليمين الفلسطيني"، الذي مرّ عليه لسان إميل حبيبي ذات مرة؟ هل يمكن أن نساوي بين "المتأسلم المتشدد"، في اختراعاته الفكرية الوهمية، والصهيوني المتعصّب، أليس هذا المتشدّد، الطريف في تشدّده، محصلة لسياسة إسرائيلية لا تعترف بالحاضر الفلسطيني، ولا بماضيه؟

هنالك ما يدعى بالأيديولوجيا الروائية الصادرة عن النص الفني و"الأيديولوجيا العامة" المسقطة عليه. الأولى تحايث النص المكتوب، والثانية تحيل على شخص الكاتب ورغباته، لا على ما كتبه!

ربما تكون رواية "نوّار العِلْت" أجمل ما جاءنا، نحن الفلسطينيين في المنفى، منذ أن كتب إميل حبيبي ما كتب، ورحل عن زمن عشقه، كان يدعوه: أيام العرب.

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين