بين يدينا رواية هداس (ريحانة) تالي الليل، (הדס בקצה הלילה) للدكتورة جالي مير تيبون، يمكننا تصنيفها رواية اسرائيليّة-فلسطينيّة، وإن شئتم: "اسرا- طينيّة"، كما قال العقيد معمّر القذّافي، ما بْتعِرفوا خيري تَتْجَرّبوا غيري!
تَعرّفنا على الكاتبة: جال/ جالي/ جليت (مَوْجة/ مُوَيْجة) بعد أحداث أكتوبر الدّامية 2000، في عهد الجنرال إيهود براك، رئيس الحكومة الأسبق الأكثر حِمْلًا للنياشين والأوسمة القتاليّة في البلاد، والأكثر فشلًا في رئاسة حكومته الأقصر عمرًا، أدارت جالي آنذاك ثانويّة (أورط/ אורט/מעלות)، وخافت انفلات زمام الأمور، ليس بين معلوت - ترشيحا وحسب، بل بين اليهود والعرب في أنحاء البلاد عامّة، فبادرت لاجتماع عام ثنائيّ القوميّة في بيتها الرّحب/ معلوت، حضره العشرات من أبناء الشّعْبَين، دار الحوار حول حتميّة الوجود والتّعايش المشترك، رغم الأحداث الدّامية، وسقوط اثنَتَي عشرة زهرة عربيّة عطرة، وأصرّت جالية على مَد السُّفرة على مائدة تثقل بأطيب المأكولات، على طريقة عاداتنا الشّرقيّة الأصيلة، راجِية المجابرة من الجميع، وهي تنتقل من طاولة إلى أخرى، سائلة، هل تطلبون أشياء أخرى؟ وإذا بضابط بِبِزَّته العسكريّة، يتجوّل بيننا، على حين غرّة، بابتسامة قلبيّة غير مصطنعة، يُرحّب بالجميع مؤهّلًا، استغرب بعضنا تسلّل هذا الضّابط، جالي هدّأت من ر وعنا قائلة، إنّه بعلي، وجاء لمساعدتي في استضافتكم. اليوم هي تسكن في تل أبيب وتحاضر في جامعة بار إيلان.
في مقابلة للكاتبة مع صحيفة: (يديعوت أحرونوت) 15 /7 /2021، أجرتها الصحفيّة: سْمَدار شير، قالت: أبي تعرّف على هداسة، قبل أن يتعرّف على والدتي، على ضوء الحقيقة، بأنّ الرسالة الأخيرة من هداس حُفِظَت في مِلَفّ بطاقة هويّته، واعتقد أنّها ظلّت بقلبه حتى مماته عام 1981.
*صدر الكتاب عن دار النّشر: (عام عوبيد)2021، عدد الصّفحات 246، قطع متوسّط، عدد الفصول 32، كل فصل يحمل عنونًا لأحد الأبطال الرّئيسيّين الأربعة:
-(نتان) (والد الرّوائيّة) 12فصلًا، (جابي) منافسه على حُبّ (هداس) ثمانية فصول، (هداس) البطلة الثّانية سبعة فصول، (إيمان) العربيّة خمسة فصول.
تدور أحداث الرّواية عام 1948 والمواجهات العنيفة بين الجيش الأردني والمنظّمات العسكريّة اليهودية: (البلماح פלמ"ח) وغيرها، قبل توحيدها تحت مِظلّة ما يسمى بجيش الدّفاع الإسرائيلي(צה"ל)، مركز الأحداث والمواجهات القاتلة في باب الواد، اللطرون، طريق بورما البديل للطريق العام المُحاصر من قِبل الجيش الأردني، القبيبة، بجانب عمواس، غربي القدس، بيت محيسر، خلدة، زرنوقة، النّعّانة/ ناعان، كريات عَنَبيم، دير أيّوب، سريس/شورش، بيت جيز، بيت حورون، وادي الصّرار، كيبوتس شيلر/جان شلومو اليوم، الرّملة، يازور وأبو كبير.
المربّية الكاتبة جالي تقول: حين انتقلَ والدَيَّ إلى الملأ الأعلى، حرصْتُ على تعسيف البيت، فوجدت الكثير من المستندات، الوثائق والمذكّرات اليوميّة لأبي، حيث كان مقاتلًا في وحدة البلماح، بما في ذلك الرّسالة التي بعثتها له (هداس) عشيقته، بواسطة منافسه (جابي) الذي خدم في وحدة واحدة مع (هداس) في سلاح اللاسلكي، كما تُشير إلى المواجهات العنيفة الدّامية بين القوّات الأردنيّة والقوّات اليهوديّة في معارك باب الواد واللطرون، حيث تكبّدت القوات اليهوديّة عشرات القتلى، ناهيك عن إصابة آليّاتها/ مُصَفّحاتها وحرقها وتعطيلها (بعضها ما زال شاهدًا حتى اليوم/ ن ن).
د. جالي تؤكّد في روايتها الغراميّة العسكريّة والسياسيّة ما قد أماط اللثام عنه قبلها المؤرّخون اليهود الجدد، من أعمال سلب ونهب وتهجير قسري للعرب، ليس للقرى المحاربة وحسب! بل للقرى المسالمة والتي كانت لها علاقات حُسن الجوار مع المستوطنات اليهوديّة، عمّال وعاملات عرب كانوا أجيرين عند اليهود، حيث الفقر ضرب أطنابه، أسْرة إيمان عمِلتْ في بعض البيوت اليهوديّة بالتّنظيف، تُساعدها كذلك ابنتها الصّغيرة حافية القدَمَين، الزّوج يعمل في الحراسة عند اليهود، والمختار الحاج أبو عمر لا يُعادي، وزيارات متبادلة، أسْرة نتان (والد الكاتبة) تتعاطف مع جيرانها العرب، تُزَوِّدهم ببعض الحاجيّات التي عَتِقَتْ أو راحَتْ (موظتها) كالملابس والأحذية والأغذية، تشتد المعارك، وإلى جانب القتال الدّامي، (نتان) يَملك راس علي، أي لديه في جيبه الرسالة التي بعثتها له عشيقته (هداس)، مع غريمه (جابي) بالذّات، كأنّه يحمل رسالة المُتَلَمِّس (مكتوب بِقَطع رأسه)، يتنقّل نتان من موقع إلى آخر لعلّه يعثر على هداس المُحاصَرة داخل المدرّعة المُعَطّلة، وأمام ناظرَيها جُثَث زملائها القتلى، وهي تستغيث طالبة النّجدة باللاسلكي ولا مجيب، حيث سقط كل الجنود معها، وبقيتْ هي الوحيدة على قيد الحياة، وهنا المُفارقة الكبيرة في عنوان الرّواية (هداس تالي الّليل)، قد يعتقد القارئ أنّها في لقاء غرامي مع الحبيب(نتان)، إلاّ أنّها كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة وهي محاصَرة، قبل أن تضع حدًّا لحياتها، (طبقًا للتعليمات العسكريّة)، لئلاّ تقع أسيرة بين براثن الجيش الأردني!
الحَبْكة لدى جالي الرّاوية مُحْكمة عسكريًّا وأدبيًّا ونهجًا وأسلوبًا، تأخذ القارئ الى المواقع والمواقف الحرجة، وقد يتوه القارئ ويضيع بين تشابك الأحداث والتّنقّل بين الشّخصيّات، وهنا تصل الذّروة الكبرى، وكانت قد سبقتها ذروة أخرى، حين خاطَر بنفسه والتزامه العسكري بحثًا عن هداس، حيث سمع بعض التّفاصيل من بعض المحاربين الذين أكّدوا تهجير قرية القبيبة وغيرها بفظاظة وعنف وتهديد ووعيد وتعطيش وتجويع، ضاربين بعرض الحائط الاستغاثات الصّادرة عن النّساء والأطفال والعجزة، ونهب الجنود للبيوت بما فيها: الصّبر المُقَشّر، الطّبيخ، الأثاث، حتى ملابن الأبواب اقتلعوها! يستدرج (نتان) أحدَ القادة للوصول للعائلة العربيّة التي تربطه معها علاقات عمل وزيارات: كريم، أيمان، الحارس، وحيد والبقيّة، يؤكّد القائدُ التّهجيرَ والقتلَ دون رأفة، كما يؤكّد تأكيد القتل ثانية في آذان العُزّل المغدورين!
من بين الكلمات والمصطلحات العربيّة التي تستعملها الرّاوية، نُشير إلى: المُفتي (الحاج أمين الحسيني/ ن ن)، خُبّيزة، زعتر، بقدونس، ألأزدرخت، المقام المقدّس، المسجد، الفزعة، الطّربوش، المشربيّات، الأرض المشاع، أهلًا، يالله روح من هون، الموسيقارَين عبد الوهاب وفريد الأطرش، صندوق الفِرْجِة، الحادي خريبش، أبي زيد الهلالي، يالله أخرجوا خلّصنا اللَعْب.
حَرِيٌّ بنا أن نُشير إلى اسم عائلة تيبون، هي من جذور غُرناطيّة أندلسية، أثرت اللغة والحضارة العربيّة آنذاك برجال: العِلم، الفكر، الأدب، الشِّعر والتّرجمة، أحدهم ترجم كتاب: (دلالة الحائرين) من العربيّة للعبريّة لمؤلّفه الطبيب: أبو عمران موسى بن ميمون، الطّبيب الشخصي للقائد صلاح الدّين الأيّوبي.
*في فقرة من رسالة هداس إلى نتان، تقول ص 72: تحياتي لك نتان، منذ فترة طويلة لم أكتب إليكَ، الآن لا أعرف لماذا تذكّرتُكَ، يزاملني واحد كان زميلك في ثانوية (مكفي يسرائيل)، إنّه ولد لطيف، اسمه جابي، أنت بالطّبع تعرفه، حدّثني الكثير عنك...
*نتان يكتب لهداس ص 111: هداسي (الياء للتملّك ن ن)، من المهم عندي أن تفهمي، أنا لا أخجل بِكِ، ما الغرابة؟ بل يكون من الأسهل للجميع، أن نحافظ على صداقتنا سرّيّة، بيننا فقط.
*ص 179 عن معاملة الجنود للعرب: جنودنا طردوا بكعاب البواريد عائلة كريم من بيتها، صرخوا وأشاروا، أهربوا غربًا، كريم الذي خدمهم كحارس، لم يسمعوه.
*وفي ص 205، ضابط المخابرات يقول: بَتَرْتوهم كالسّكّين في الزّبْدة الحارّة!
*ص241، نتان يركض نحو استغاثة هداس لإنقاذها، إنّه في المعركة لأجل صبيّة واحدة، ليس لأجل القدس، ولا لأجل البلماح، ولا لأجل الدّولة!
*آخر جملة تلفظها هداس قبل الانتحار، بعد اليأس ص 241: سلّمولي على الأصدقاء.
*من جملة التشبيهات التي توظّفها الكاتبة في روايتها: حَسْمَسَتْ بإصبعَيها على شفتَيه الملساوَين النّاعمتَين كالأوراق التويجيّة، علاقة نتان مع أرضه كعلاقة العرب مع أرضهم، لا أحد في العالَم ينسى مصادرة أرضه، غيوم غَنَمِيّة تتلبّد في السّماء، هداس تلتصق بنتان كالقَرادَة، نتان في المدرسة الجديدة، كان في مركز الأحداث/ليس فقط مَلك الأبناء/إنّما كذلك مغناطيس البنات، أباجور البيوت (تْريس) يُغمض عينَيه، يَئس الجنود من التّدريبات العسكريّة، غرسوا الأعلام في الأرض، قفزوا كالسّواعير مُردّدين: أصبنا الهدف، قتلناه.
*الكاتب العبري: مئير شليف كتب تظهيرًا للكتاب، جاء فيه: جالي مير تيبون تُفَكْفِكك (تُفَصْفِص) الصّورة البطولية المألوفة في "حرب التحرير"، تُحَلِّلُها إلى مركّباتها الإنسانيّة، تتفوّق في الكتابة عن الحُبّ والحرب، تنسج ذاكرة وحُلُمًا.
نَشد على يَدَيّ الكاتبة المعطاءة التي لم تفقد الأصالة البشريّة ولا الانتماء القومي، محاولة وضع بعض النّقاط على الحروف بجرأة وصراحة، قرينها المتقاعد: اللواء/ألوف/ نوعم تيبون وقف إلى جانبها، وأشارت بعض الصّحف إلى أنّه سُرِّحَ من مواصلة الخدمة: لئلاّ يحصل على رتبة: عِماد/ راب ألوف/قائد الجيش، بذريعة كونه يساريًّا!!
أهل قبية وآثار الدمار بعد المجزرة في القرية
.png)


.png)

.png)






.png)

