كانت الطوشات في البلد تولّع على "الفضاوِه"، بعد موسم البيادر، وتعباية العنب، والطوشات بين الحارتين عادة لا بد منها، ولها اسماء بحسب الموقع، او الاصابات وهي قليلة، ثلاثة اربعة مع فشوخة في الراس، وهي لا تخلو من مزحات تعيش مع البلد، فهذا حسين أكل جَمشه في رأسه وانفشخ، كان أخوه بجنبه فصرخ: آخ يا راس خوي حسين!!
النساء والصبايا يحملن قُفف وألجان الحجارة الى السطوح، والرجال يضربون، وتبدأ المعايير، والفضايح المعروفة، عن الصحبة، على درب الدورة، وتحت التينة الشحمانية، في الرفاريف وصيرة ذيب ومغارة شهاب.
امرأة واحدة شاركت في الطوشة مع الرجال، مسكت الزلمة من الحارة هذيك على "محاشْمُه" وصارت تشد والرجل يصرخ مثل عَمّال البقر، يجعر من الوجع، لأن المحاشِم مقتل وكذلك راس القلب وعِرق بنت الذّان، حرموها من الدّين وسلموها شَرح "الأمير السيّد" الله يقدس لطيفه. بعد الطوشة يلتقي الناس من الحارتين في "ولادة المعزى" وفراط الزيتون ويقررون سوية – موعد الهداد على فراط الزتون، وكان الحوّاط يكسر المفاريط والشقاشيق والعبيّات لكل من يخالف.
كثيرات وكثيرون حُرموا من الدين وتسلّموا الشّرح، لأن تهمة الزنا وقعت عليهم، بَشِّر القاتل في القتل وبشّر الزاني في الفقر، على رد خشب السطوح وتعزيل عيون الماء يشارك الجميع من الحارتين، البلد شيطانها زْغير، واحدة فقط سلموها شرح الامير السيّد وهي بريئة من الزنا والقتل، رمت حالها عن التينة حتى تطرح المولود من جوزها، غصبوها غصيبة: الشرح ولا خلفة هذا اللقيعة المُمَصلِع مثل جعموص البركة.
في ليالي الشتاء الطويلة المجحرة تعمر السهرات حول المواقد، والجيران يطلون على الجيران مع أكلات الشتوية، منْسوفه، وقراص ناشفة وفطاريش ورخوة حمص ورخوة عدس وفول مسلوق، لُزّقيات، ملاتيت، معكرون وبْسيسِه.. وطرابيش زلابِه. طرابيش!! أيوه طرابيش ودعابيب، ويستطعم ذياب الدعبوب والدكدوك وعوينة البقرة وطربوش الزلابه، وقرصة الزلابة: والواحدة تغني:
هُودُبيّا هودُبا، جابَت العنزِه جِدا، حطّناه في الخابِه، قلب قُرصة زلابه، قال سيدُه هوهو، قالت ستُّه هي هي، قالت إمه حُطوا الكحل الاسمر في عينيه.
ويستحي ذياب ويخجل وهو يسمع الكبار يتحدثون: رزّة الباب إنثى في ذكر، ذكَر عود الحراث، الريح الغربي نكَح الشرقي، العلم عند الله الدنيا شتّاية، نوتْ على الخير.
في السهرة وعلى نُقل الزبيب والقطّين واللوز والجوز وشاي الزوفا، يوضع الطعام المجمّع من البيت والجيران، كثرت الزبدة على العرب، تكفت الواحدة اللبن في خضّاضة الفخار، تسد بابها برقعة من جلد المعزى، من زُكرة مهترية، وتبدأ تخض اللبن، ومعها قشة مكنسة، تدخل القشة في الثقب الضيق وتفحص إذا انخض اللبن، ثم تكفته في دِست وتقوش الزبدة الطافية بيديها، تضعها في صحن، وهي صفراء فاتحة دسمة، وتفرق المخيض او الشنينه على الجيران والمحتاجين، لطبخ الكُبب والزقاليط، خير الموسم، خير الله على الجميع.
في السهرات، يسمع ذياب اشياء غريبة، عن الطيور والحيوانات والوحوش: إجِت الوَراور إزرع ذره ولا تشاوِر. طلعت الخزيمة والبرقوق رُد بذارَك عالصندوق. بِري متل حمام مِكّه، عن ناقة صالح والأتان مركوب عيسى بن مريم والحاكم بأمر الله، وهدهد سليمان بن داود، والجعاطية الذي غلبتهُ: دعَس واحد على عِشها وفقش البيضات فراحت تشتكي لسليمان بن داود،
فقال لها: ولماذا بنيتِ عشك على الطريق!! هذا وطني والوطن قتّال، هاي شريعتَك!! آه هاي شريعتي، طيب بفرْجيك!! وِلك انت عصفورة زغيرة وانا ملك، شو بدو يطلع مِنك!! بدي اتفعفل واتمرمغ في رِزق الوقف واكتكِت حالي في رزقاتك: غلبتيني، سامحيني، وهاي قُبره على راسك ليعرف الناس فضلك، والصرصور في الحصايد يغني قصايد، والعنكبوتة حيّكت بيتها باب المغارة وحمت رسول الله من الكفار،
عن خضرة ذياب بن غانم، والدويري النِكح، والسَمرمر أكّال الجراد: جاك السمرمر يا جراد، والسنونو المباركة وهي تبني عشها في سقف البيت من الطين، عن غراب البين، والقاق سرّاق زوادة الحرّاث، عن عنزات سبلان، المحرمين على الذيب، والبرغشه اللي قتلت النمرود لأنه تطاول على ربنا، والعيدِه فرَس النبي، والفارة مثل إمها حفّارة، وكلاب المعزى التي تحمي الشلعه.
- ليلة الجمعه سلموها الشرح، هي ويّاه، حرموهم من الدين، الحق عليها، تحركشت فيه، ويا غافل إلَك الله، ظلت تلقح حكي ومعاني حتى وقع المقدّر،
- الله يلعنها قالعة شلش الحيا، راحت تسأل المسكين:
قُل لي الثور، ثور البقر، كيف بعرف إنها البقرة مشتهية!! ومِدوره!!
أنا عارف العلم عند الله من ريحتها!!
- وإنت يا ثور كِنك مزكِّم!!
وهناك صار اللي صار، وهي الله يهونها سودا مثل العطبة. غاص في البيت، بطل حدا شافُه، وأصحابه يسألونه، هاه وين هالغيبِه!! ويرد واحد: بتمرمغ في دار المشحرة. أما هي الممحونة فتكفت كل يوم على التينة الطوالية سطلين ميّ:
- وْلاد الحرام، حطّولنا في المكارهة، يتلقوها في قصبتهم السمرا هُني وولد الولد.
- وِلك إعقلي، مين داير عليكي!! وانت الله يهونها أمرّ مِننا ولا مِنك، سودا مثل حطبة العُرّاط.
- وشو العُراط!! كيابا!!
- حطبة المشحرة قبل ما تفحّم.
الطريق من فراضه الى عكا، تحوّل الى هِجة نار، وسهول الزتون، زتون فراضه وكفر عنان والرامة وساجور ونحف والبعنة والدير ومجد الكروم، سبحان الخلاق، زتون مثل العرايس، منوّر، بوِج وحجان، السنة سنة موسم، والزتونة شجرة النور، حرَق الثوار مصفحّة للانجليز، ووقعت الحرب، بين الانجليز والثوار، في وقعة الليّات حدّ البِروه، غربي وادي القرار، تصاوب نجيب، وراحت مجموعة من الثوار تنتظر الليل لنقله الى البلد، لكن الضبع الكاسر طب عليه، وبدأ يأكل في رجليه وهو يصرخ ويستغيث، والضبع ابن حرام، في النهار ضبع وفي الليل سبع. نتق بعدين، خِلق ويظل بردان من إجريه، غطوا لي جرَيّ مسقعات، حطوا أواعيه في النُص وبدأت تناويح النسوان، وأمه غَبّ قلبها عليها، والرجال يندبون:
وَدّوا خباري عالبلاد محققه
ودّوا مناعي ومكاتيب محرّقَه
قولوا لبيّي ما يبيع المهرة
خلّي جْناداتي والبارودة معلّقة
ثورة القسام.
راح شُهدا من بلاد الساحل والشاغور والجبل، عاد غانم ومعه بارودة انجليزية وشبريّه، بعد أن قتل واحدا من عسكر الانجليز، أشقر انمش العلم عند الله إنو يهودي، مع الانجليز يهود وهنود وعرب في قوة لِحدود، اكثر من ثلاث سنين والثورة مولعة، في جبل سيخ وجبل النار، وجنين وسهول البطوف ومَران، ووادي شعَب.
الانجليز ملاعين غدارين، يدربوا اليهود، ويعطوهم السلاح، والثوار الله يهونها، سلاح عتيق وفشك مبرّد، وملوك العرب مضحكه للانجليز، ابن المسعود في بلاد نجد والحجاز، والخديوي في مصر، وشرق الاردن، والفرنساوية في سوريا ولبنان ميلهم مع الانجليز،
- كُلّوا مثل البعر بقلب على بعضه البعض.
غانم مثل سبع الغاب، لكنه يحسب للأيام ألف حساب، نِذر عليّ أجوّز ذياب وأشوف ولد الولد قبل ما أموت، النساء يجتمعن عند غزية ويصربن صبايا البلد من الحارتين، غانم لم يشارك في طوشات البلد، كل واحدة تنصح في صبية: آدمية بنت أوادم، دوّر على الإم ولِم، شغيلِه، نسمتها راكدة، حاجبها ثقيل، بتنقط هيبة، طالعة في جرة المي وحملة الحطب مثل المهرة، ردّيت عيني عنها، قامِة ووجه بدّو يفِر الدم مِنّو.
وغزية بدأت تحضر للعِرس، في الربيع ان شلّله، موسم الحليب واللبن والبندورة، والحمدلله الخير موجود، وقِرش العمار وقرش العِرس فيه بركة، شلعة المعزى حاضرة، السميدة والقمح وزيت المونِه بتكفي لثلاث عرسان، والكسوة من الشام، بس ذياب يحط عينُه على واحدة من الصبايا وإلو عين تشوف، بَدي أحبي حَبي على إيديْ وإجري وأطلبلك إياها،
- إحكي في القِسمه والنصيب، الجواز مثل أمر الموت قسمة ونصيب، وذياب زينة شباب البلد، آدمي ابن أوادم.
(يتبع)



.png)

.png)






.png)
