زميل شيرين أبو عاقلة لـ"الاتحاد": حين ركضنا خلفًا، بعد الرصاصة الثالثة، لم أعد أسمعها | هشام نفّاع

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

طاقم الصحفيين المؤلف من خمسة أشخاص والذي ضمّ الزميلة الصحافية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، تفحّص جيّدًا وكما يفعل دائمًا، الموقع الذي سيقف فيه لتوثيق اقتحام قوات الاحتلال مخيّم اللاجئين جنين، صباح يوم الأربعاء 11 أيار. فقد اهتمّ بمعرفة أين تتواجد قوّة الاحتلال، ما هي مواقع الاشتباكات، وأين يجري إطلاق النار، واختار موقعًا قريبًا من مقبرة المخيّم. وكما يروي الزميل المنتج التلفزيوني علي السمودي في حديث لـ"الاتحاد":

"كانت الطريق مفتوحة. الى يميننا مصنع بلاط والى يسارنا المقبرة وأمامنا الجيش. نحن سرنا بخط مستقيم. خلفنا كانت منطقة مفتوحة، لا يدخلها في هذه الظروف إلاّ مجنون. ونحن اخترنا مكانًا بعيدًا عن المواجهات. وقفنا هناك بضعة دقائق، ربما 5 دقائق، كي يرانا الجنود ويعرفوا أننا صحافيون".

في هذه الأثناء كانت تدور مواجهات في موقع داخل المخيم، هذا صحيح، بالأحرى كان مقاومون فلسطينيون يتصدون بالرصاص أيضًا لقوة الاحتلال المقتحمة. لكن هذه المواجهات كانت في موقع آخر تمامًا.

يتابع السمودي ردًا على سؤالنا عن لحظة تعرض الطاقم للرصاص: "كنا نسير ببطء، أنا كنت أمام شيرين وخلفها بقية الزملاء. مشينا نحو 20 مترًا وإذ بصوت رصاصة انطلقت من جهة الجنود تئزّ وترتطم على مقربة منا. سمعناها بجانبنا. فصرخْت: شيرين رصاص يلاّ نرجع. واستدرْت".

"ما لفّيت" يتابع "ولاّ إشي في ظهري. صرخْت: شيرين أنا تصاوبت. وبدأت شيرين تصرخ: علي تصاوَب، علي تصاوَب.. خفت وركضت للوراء والزملاء ركضوا حين سمعنا صوت رصاصة ثالثة. بعدها لم أعد أسمع صوت شيرين".

التتمة المفجعة بات يعرفها كلّ العالم. الصحافية القديرة، التي كانت في الميادين التي شهدت أحداثًا ملتهبة، سقطت شهيدة في مخيم الصمود جنين.

الأنباء التي بدأت تتدفّق فورًا لم تقتصر على الذهول من جريمة قتل أبو عاقلة، بل تخلّلتها وشابتها مقدّمات واضحة لتلفيق قصة رسمية إسرائيلية تتهم فلسطينيين بقتلها. بعد وقت قليل بدأ تسويق عنيف لمقطع فيديو يُسمع فيه صوت رصاص وشاب يقول إنه رأى جنديا يسقط. هذه الجملة ستشكل لساعات طوال أرضيّة لزعم مفاده: لقد اعترف الفلسطينيون برؤيتهم سقوط مصاب برصاصهم، لكن لم يُصَب أي جندي وكانت هناك صحفيّة قتلت، فالاستنتاج أنها سقطت برصاصهم.

لم يطُل عُمر هذه الرواية الملفّقة المستندة إلى ذاك الفيديو كثيرًا، إذ أجرى مركز "بتسيلم" لحقوق الإنسان فحصًا بسيطًا نوعًا ما للمواقع والوقائع. فوجد أن اتجاه النار الذي يوثقه الفيديو كان لا يمكن أن يكون باتجاه الموقع الذي اختاره الطاقم الصحفي بحذر وتأنٍّ وبشكل يجعله مرئيًا على قوة الاحتلال. ووفقًا للفحص وثّق باحث المركز "المكان الذي أطلق فيه المسلح الفلسطيني النار، حسبما يظهر في الشريط الذي ينشره الجيش، كما وثق أيضاً الموقع الذي أصيبت فيه الصحافية شيرين أبو عاقلة برصاص قاتل. وبحسب نقاط التحديد وصور المنطقة (مرفقة هنا) يتضح أنه لا يمكن أن يكون إطلاق الرصاص الموثق في شريط الفيديو، هو الذي كان مصدر إصابة شيرين أبو عاقلة وزميلها".

إنّ صورة جويّة لجزء من المخيّم يظهر فيها موقعان، موقع الفيديو الذي سوّقه الجيش، وموقع الطاقم الصحفي (على الطريق قرب المقبرة)، تبيّن للعين غير المهنيّة ولا الخبيرة أن ما يقوله الجيش هو كذب. وقد كان انضمّ الى جهود الكذب هذه رئيس الحكومة نفتالي بينت أيضًا بواسطة تغريدة على صفحته الرسمية في موقع "تويتر". فكتب: "وفقًا للمعطيات التي بحوزتنا، هناك احتمال جدّي بأن فلسطينيين مسلحين أطلقوا النار بشكل منفلت، هم الذين أدّوا لموت الصحفية المؤسف".

لكن مما يتراكم من معطيات، هناك احتمال جدّي – لو استعملنا تعبير بينت - بأن هذا تلفيق وكذب. وهي بالمناسبة تهمة لا يوجهها لجيش وحكومة الاحتلال الفلسطينيون وأنصارهم وحدهم. بل تكاد تعتمدها، أو على الأقلّ تخشى من صحّتها، الحكومة نفسها وبنفسها وعلى لسان وزير. فقد صرّح وزير الشتات والهجرة نحمان شاي في حديث إذاعي لراديو 103: "مع كل الاحترام لنا، تعالوا نقول إن مصداقية إسرائيل ليست عالية في أحداث كهذه، ونحن نعلم هذا. هذا يستند الى الماضي، والأمريكان لن يكونوا مستعدين لقبول نتائج لا تستند إلى جهات محايدة".

عودةً الى الزميل علي السمودي، فقد قال: "لم يكن خلفنا ولا أمامنا مسلحون ولا مقاتلون، لم تكن هناك اشتباكات. لم يكن حتى مدنيين. نعرف أن واجب الصحفي الوصول الى الحقائق وتوثيق الحدث، لكن الحياة أهم. ولو أدركنا للحظة أن علينا خطر من المواجهات لما كنّا في هذا الموقع الذي اخترناه". وهو يتحدّى الرواية الرسمية الإسرائيلية: "الجيش يصور كافة مراحل عملياته. وكثيرًا ما ينشر فيديوهات تسجّل بطولته. فليعلنوا على الملأ التسجيلات التي بحوزتهم هنا أيضًا".

التشكيك في روايات الجيش لم يبدأ صباح الأربعاء. كتب الصحفي تسفي برئيل في "هآرتس" أمس الخميس: "التحقيقات الإسرائيلية، حتى لو أجراها قضاة وشخصيات عامة، قد فقدت منذ زمن ثقة المجتمع الدولي، فكم بالحري الفلسطيني. وقد ساهم في هذا ثقافة التقاعس، الاستخفاف، والتستّر والتزييف، التي تميّز مئات الحالات التي قُتل فيها فلسطينيون بنيران الجيش الإسرائيلي او مستوطنين".

أما الصحفية أورلي نوي فكتبت بوضوح: "يذهلني أنه ما زال في هذه الدولة مَن يصدقون قسم المتحدث باسم الجيش. ما يذهلني ليس الفرح الذي يُلاقى به قتل فلسطينيين، فأنا أعرف أين أعيش. بل أتحدث عن أشخاص نزيهين عمومًا، غير مستعدين للاعتراف بأن الكذب هو ميزة الجيش، يكذب على الجمهور الإسرائيلي وعلى العالم بشكل منهجي ودؤوب". وتلخص: "المتحدث بلسان الجيش هو هيئة وظيفتها الكذب. على الجميع وطيلة الوقت. والاستراتيجية واحدة دائما: أولا التشكيك بالشهادات الفلسطينية وبعدها اتهام الفلسطينيين بكل ما يمكن. وأكثر شيء اتهامهم بموتهم. فقط حين نستوعب هذه الحقيقة، سنفهم هذا المكان الذي نعيش فيه".
الراحلة شيرين أبو عاقلة، الصحفية القديرة والشجاعة التي سقطت شهيدة، الفلسطينية التي يفخر بها شعبها، لتبقى ذكراك قويّة عطرة وخالدة، في القلوب والوعي والذاكرة.

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين