وهنا أذكر بأنه عندما زار الوسيط الدولي "الكونت فولك برنادوت معسكرات اللاجئين في القدس ورام الله وأريحا ورأى ما هم فيه من بؤس وكر واقتنع بأنهم أخرجوا من ديارهم قسرًا، ولم يغادروها باختيارهم ورضاهم" (كتاب النكبة – عارف العارف ص 116) -كان الكونت برنادوت مقتنعًا بأن اللاجئين غادروا منازلهم بمحض اختيارهم ورضاهم، رغم أن اليهود طلبوا منهم البقاء في المدن والقرى التي احتلوها. هذا ما قال لي (عارف العارف) يوم جاء لتفقد حالة اللاجئين واستقبلته في مطار قلنديا بأمر من الملك عبد الله، وكان ذلك في 3 آب 1948-.
ولما أفهمته أن حقيقة الواقع تخالف ما يزعمه اليهود، طلب مني (أي عارف العارف) البرهان فقدمت إليه بيانًا موقعًا من جميع رؤساء الطوائف والبلديات وأعضاء المجالس واللجان في المدن والقرى التي كان فيها اللاجئون ونزحوا عنها مؤكدين أنهم أكرهوا على مغادرة مدنهم وقراهم بأمر من قادة القطعان اليهودية التي احتلتها، وكان البيان مشفوعًا باليمين (كتاب النكبة – عارف العارف ص 116). وأذكر هنا بأن أحد المعلمين في المدرسة الثانوية في كفر ياسيف خلال درس المدنيات في الصف الحادي عشر ردد الموقف الصهيوني بان اللاجئين الفلسطينيين تركوا ديارهم وقراهم بمحض ارادتهم واختيارهم ورضاهم، فقمتُ بالتحدي ضد هذا المعلم وأوقفته عن الاستمرار في تقديم درس المدنيات وقمت بطرده من الصف. ولم يعُد لتقديم الدرس حتى بعد تدخل مدير المدرسة الثانوية في كفر ياسيف وكان يهوديًا عراقيًا في ذلك الوقت.
وعندما اقتنع برنادوت الوسيط الدولي الصهيوني بأن الفلسطينيين اللاجئين اخرجوا من ديارهم قسرًا، بتأثير المعلومات التي قدمت من عارف العارف الذي قابله (أي قابل برنادوت) بطلب من الملك عبدالله راح يقنع اليهود كي يسمحوا برجوع اللاجئين الى منازلهم، ولما رفض هؤلاء الانصياع لطلبه رفع الأمر إلى مجلس الأمن طالبًا اتخاذ التدابير السريعة لإرجاعهم"، ومنذ ذلك الوقت واسرائيل رغم كل القرارات الدولية بخصوص اللاجئين وحقهم الانساني بالعودة إلى وطنهم فلسطين، ترفض عودة اللاجئين بل تعمل على القضاء على هذه القضية ودفنها من خلال صفقة لا بل سرقة القرن ومن خلال التطبيع أو الخيانة، مع دول الخليج العربي بل الأمريكي.
وهنا أذكر بأن الوسيط الدولي كونت برنادوت طلب من هيئة الأمم المتحدة بأن تقوم بتخصيص الأموال اللازمة لإعالة وإكساء وايواء اللاجئين إلى أن يتم رجوعهم. ولقد اهتمت الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة، إثر ذلك، بمسألة اللاجئين، فأصدرت في 11 كانون الاول 1948 قرارًا رقمه 194 جاء فيه:
"ان اللاجئين الذين يرغبون في العودة إلى منازلهم والعيش مع جيرانهم بسلام يجب ان يسمح لهم بالرجوع الى ديارهم" هذا ملخص القرار وهذا القرار رفضته اسرائيل مع قرار الاعتراف بإسرائيل مشروط بعودة اللاجئين، وناشدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في الوقت نفسه امم العالم أجمع بأن تمد يد العون للاجئين فتقدم إليهم الطعام والكساء والمأوى إلى أن يرجعوا إلى ديارهم وعهدت إلى المستر ستانتون غريفس بمهمة الاشراف على شؤون اللاجئين. لم تحدد هيئة الأمم المتحدة يومئذ معنى كلمة "لاجئ" ولكن الذين تولوا الاشراف على شؤون اللاجئين حددوها بقولهم انها تعني "كل شخص فقد مسكنه نتيجة القتال" ولم تذكر كلمة أرضه ووطنه.
وكان قبل ذلك سفير للولايات المتحدة في القاهرة وأصدر هذا القرار في 12 كانون الاول عام 1948 وجاء فيه: "ان عدد اللاجئين من عرب فلسطين يزيد قليلاً عن نصف مليون وهم موزعون كما يلي:
154.000 في شمال فلسطين
15.000 في جنوب فلسطين (قطاع غزة)
88.000 شرق الاردن
73.000 في سوريا
61.000 في لبنان
21.000 في العراق
9000 في مصر
أي ما مجموعه 547.000. هذا العدد تقريبي (جاء في كتاب النكبة لعارف العارف ص 117 – 118)، وقال في ذلك الوقت مساعد المشرف على شؤون اللاجئين ستانتون، بايارد دووج الذي كان مساعدًا لستانتون، وكان قبل ذلك رئيسًا للجامعة الامريكية بيروت، ان الذين في جنوب فلسطين من اللاجئين اسوأ حالاً من اخوانهم في سائر الجهات، اذ يموت منهم مئة وعشرون في كل يوم بسبب الجوع والبرد والمرض. واثبت الفحص الطبي ان ما يقرب من ثلث اللاجئين الى القطاع الجنوبي بفلسطين (46.000) اصيبوا بمرض السل (ص118 المرجع ذاته). "فكان لهذه البيانات وقعها السيء في مدينة القدس وفي سائر انحاء فلسطين وراح الناس يتحدثون عنها بأسلوب ينم عن النقمة والذعر. ولم يخفف من هذا الذعر البيان الذي اصدره بعد ذلك المستر اشر المدير العام لهيئة اللاجئين الدولية، والذي جاء فيه:
"تم الاتفاق بين هيئة الامم المتحدة ومنظمة الصليب الأحمر الدولية ومؤسسة الأصدقاء (الكويكرز) في أمريكا على أن تدار شؤون اللاجئين بعد اليوم كما يلي: "على هيئة الأمم توفير الأموال اللازمة، وعليها شراء البضائع الضرورية لسير أعمال المنظمات الثلاث المتقدم ذكرها". "وعلى الصليب الأحمر السويسرية أن تكون مسؤولة عن المنظمة التي كانت تحت الانتداب البريطاني السابق في فلسطين، ما عدا الجزء الجنوبي منها، وهذا الجزء بما فيه منطقة غزة يقع تحت إشراف مؤسسة الاصدقاء (الكويكرز) في أمريكا".
"أما الصليب الأحمر الدولي فعليه الاعتناء بشؤون اللاجئين في لبنان وسوريا والعراق وشرق الأردن" (كتاب النكبة لعارف العارف ص 118) وبرأيي، وهكذا حولت قضية اللاجئين إلى قضية بحاجة إلى تقديم المساعدات والأموال اللازمة، بينما كان يجب التعامل مع هذه القضية كقضية انسانية وطنية حلها ليس من خلال تقديم المساعدات والأموال بل حلها الوحيد الانساني والعادل هو حق العودة إلى وطنهم فلسطين.
وفي تلك الفترة أي عام 1949 تحركت لجنة التوفيق الدولية وعقدت في لوزان اجتماعًا حضره ممثلو الدول العربية واسرائيل، وبعد أن تبادل الفريقان الرأي في مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وقع الممثلون الاسرائيليون وأعضاء لجنة التوفيق الدولية بيانًا مشتركًا (هو الذي عرف فيما بعد ببروتوكول لوزان) وتاريخه 12 أيار عام 1949. وقد تعهدت اسرائيل فيه أن تبحث مع لجنة التوفيق الدولية القضية الفلسطينية على أساس المقررات التي أصدرتها هيئة الأمم في صدد هذه القضية، وذكر الموقعون على هذا البيان أنّ الوثائق التي سيرجعون إليها في بحث هذه القضية هي:
مشروع التقسيم الذي أصدرته هيئة الامم، هذا من أجل تعديل الحدود، وإعادة اللاجئين وصيانة حقوقهم ومصالحهم وهذا لم يتم حتى الآن ورفضته اسرائيل وترفضه حتى الآن.
وظهر بعدئذ أن اسرائيل كانت ترمي من وراء بروتوكول لوزان إلى إقناع الأمم المتحدة "أنها محبة للسلام" وراغبة في التفاهم مع العرب! وأن طلبها الذي قدمته قبل بضعة أيام من أجل الانضمام إلى هيئة الأمم المتحدة جدير بالاهتمام".
وهكذا كان إذ ما كادت الأمم تقرّر ضم اسرائيل لحلقتها (فعلت هيئة الأمم ذلك بناء على توصية مجلس الأمن الذي أصدر قراره في 4 آذار 1948)، حتى تنكرت لبروتوكول لوزان ولم تتقدم إلى لجنة التوفيق من أجل بحث المسائل التي ورد ذكرها في بروتوكول لوزان لا من حيث إرجاع اللاجئين ولا من حيث تعديل الحدود. وهذا ما تفعله اسرائيل أيضًا الآن بأنها تريد السلام وعلى أرض الواقع تمارس أبشع سياسات الارهاب والاستيطان والاحتلال الكولونيالي والحصار، وترفض شروط السلام العادل وهي اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية وعودة اللاجئين. فكل حديث من قبل اسرائيل أو من قبل دول التطبيع بل الخيانة، حول السلام بدون هذا الحل العادل للقضية الفلسطينية هو ديماغوغية عنصرية شوفينية وخيانة من قبل انظمة التطبيع.
وفي أوائل شهر حزيران عام 1949 أذيع أن أمريكا ضغطت على اسرائيل طالبة منها تغيير موقفها حيال مشكلة اللاجئين، والسماح لأكبر عدد ممكن منهم بالرجوع الى ديارهم، مذكرة لقادة اسرائيل في ذلك الوقت بأنهم مدينون لها ولتأييدها أي لأمريكا فيما نالوه، حتى هذا التاريخ من نجاح. فكانت البادرة الاولى لهذا الضغط أن أعلنت السلطات الاسرائيلية في شهر آب 1949 أنها تسمح للعرب المقيمين في المناطق العربية من نساء وبنات غير متزوجات وأطفال دون الخامسة عشرة من العمر بالدخول إلى المناطق التي يحتلها اليهود والتي يعيش فيها معيلوهم، ولكن هذا القرار لم ينفذ.
وخلال تواجد اللاجئين الفلسطينيين في الأقطار العربية في ذلك الوقت تعرضوا للكثير من الظلم ورحم الله من قال: "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحسام المهند"، وما كان يسمع في ذلك الوقت بين سكان الدول العربية واللاجئين سوى زفرات كالتي عبر عنها ميخائيل نعيمة في شعره: "أخي ان عاد يحرث أرضه الفلاح أو يزرع ويبني بعد طول الهجر كوخا، هدّه المدفع فقد جفت سواقينا وهد الذل مأوانا ولم يترك لنا الأعداء غرسا في اراضينا سوى اجياف موتانا".
وهنا نذكر عندما كان اللاجئ الفلسطيني ينتظر عملاً جديًا من جانب هيئة الأمم المتحدة ومن جانب الدول العربية، لإنقاذهم من محنتهم، رأوا ويا لهول ما رأوا، يهود العراق ينقلون في طائرات بعضها عراقي والبعض الآخر اسرائيلي من العراق إلى اسرائيل. وحينها قام نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي بالتفاوض مع الملك عبدالله وحكومته من أجل السماح لليهود باجتياز الأردن، سواء كان ذلك برًا أم جوًّا، في طريقهم الى اسرائيل. فثارت ثائرة اللاجئين الفلسطينيين في ذلك الوقت وراحوا يتساءلون لمَ لا يحتفظ العراق بهؤلاء اليهود وأملاكهم، رهينة ريثما تحل مشكلة اخوانه اللاجئين من أبناء فلسطين.
وفي ذلك الوقت أرسل عارف العارف بوصفه رئيسًا لبلدية القدس البرقية التالية لكل واحد من رؤساء الوفود العربية الذين كانوا يومئذ مجتمعين في القاهرة يمثلون اقطارهم في مجلس الجامعة العربية، قلت: "سكان بيت المقدس يستخطئون حكومة العراق الشقيق لسماحها ليهود العراق بالهجرة الى اسرائيل. لو احتفظ كل قطر عربي باليهود الغائشين بينهم وبأموالهم وممتلكاتهم رهينة، لحلت بسهولة مشكلتا فلسطين بوجه عام واللاجئين بوجه خاص، ادرسوا المشكلة من هذه الناحية، وخذوا بيد اخوانكم قبل ان تأخذهم يد الفناء" (عارف العارف رئيس بلدية القدس ومؤلف كتاب النكبة لاحقًا).
وهنا أذكر بأن احد القادمين اليهود من العراق واسمه حاييم زكوت أصبح في اسرائيل نائب رئيس نقابة الأطباء ومدير مستشفى صفد، ورئيس قسم النساء في مستشفى صفد، وشاءت الظروف ان أمارس مهنة الطب بعد عودتي من الاتحاد السوفييتي في مستشفى صفد وخلال عملي في قسم النساء الذي كان مديره في ذلك الوقت هذا القادم من العراق حاييم زكوت والذي كان يشغل كل تلك المناصب "الكبيرة" وأنا كنت في ذلك الوقت طبيبا متمرنا يسعى إلى التخصص بطب النساء، سألني هذا القادم من العراق بقوله: خليل ما رأيك بالوضع السياسي (وأقصد في ذلك الوقت عام 1977).
أجبته: الحل فقط بإقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل وعودة اللاجئين. فأجابني: بكل عنصرية وشوفينية، خليل انت تجلس هنا (أي في المستشفى) بفضل الديمقراطية فمكان أمثالك في السجن. فأجبته: مكان أمثالك هو السجن وليس أنا لأنك لا تقبل أن تسمع رأي الآخر!
فقال لي: أنت أعمى. فأجبته، انت الأعمى. فقال لي كلمة سيئة بالعبرية فأعدتها لها، وأجابني: سنلتقي. فقلت له من تهدد سنلتقي!! وبعد هذه الحادثة وعندما كنت أملك التجربة الجراحية من خلال تعليمي في الاتحاد السوفييتي، وعندها كنت أساعد وأعلم طلاب الطب القادمين من تل ابيب، وبعد أن بدأ رئيس القسم بالتقرب للصداقة معي والمشاركة في المناسبات والجلسات اعتقدت بأن قبولي للتخصص بما أرغب به منذ بداية تعلمي الطب في الاتحاد السوفييتي أصبح ممكنًا ومتاحًا، توجهت لرئيس قسم النساء المذكور زكوت، وقلت له بأني أريد التخصص بطب النساء في مستشفى صفد، وانت رئيس هذا القسم، فأجابني بنوع من لغة الانتقام والاستعلاء العنصري والكذب اللا انساني:
خليل اصدقاء اصدقاء، اخوة اخوة ولكن لا مكان لك للتخصص عندي هل نسيت ما قلته لي (المقصود بالنسبة للقضية الفلسطينية). فصرخت في وجهه، فأجابني، لا لا لن اسمح لك بالتخصص عندي. وهكذا بدأت ادفع ثمن مواقفي المبدئية أيضًا لاحقًا.
واستمرارًا للأحداث التاريخية التي يذكرها عارف العارف في كتابه حيث يقول: "يبدو ان الملك عبد الله شعر بأن الدول العربية تريد أن تبحث قضية اللاجئين، وان تصدر قرارًا مشتركًا في صددها، وكان يريد أن ينفرد وحده في حل تلك القضية (وبرأيي، وبالتعاون مع اسرائيل أراد أن يتعاون في عدم حلها) لأن البلاد التي ينتمي إليها هؤلاء اللاجئون قد ضمت إلى بلاده. (وهذا موقف متعاون انتهازي اقل ما يمكن ان يسمى غير موضوعي وغير جاد وأساء لقضية اللاجئين حيث تواجد اللاجئون في كل الدول العربية المحيطة في فلسطين لبنان وسوريا والاردن والعراق ومصر)، فأوعز إلى المتصرفين وقادة المناطق أن يقنعوا اللاجئين، او يقنعوا رؤساءهم على الأقل، كي يبرقوا الى رجال الجامعة طالبين إليهم ان لا يتدخلوا في شؤونهم(!!).
وقد اطلعت على صورة البرقية التي طلب المتصرفون وقادة المناطق إلى عدد من زعماء اللاجئين أن يبرقوها إلى الجامعة وقد جاء فيها: "سبق أن بايعنا صاحب الجلالة الملك عبد الله على الحلول التي يرتضيها لحل قضية فلسطين، ونستغرب تدخل الجامعة في هذه الحلول" (ومبايعة بعض هؤلاء للملك عبد الله من اجل الاسباب الكثيرة منها تواطؤ الدول العربية وتواطؤ نوري السعيد لعدم حل قضية اللاجئين د.خ).
"كان ذلك في أواخر عام 1950، ولكن اللاجئين رفضوا ارسال مثل هذه البرقية، رفضوا ذلك رغم التهديد والوعيد، وفي إربد قامت مظاهرات نادى فيها اللاجئون بسقوط من يسعى لإضعاف قضيتهم، الأمر الذي جعل الملك يعدل عن رأيه" (النكبة ص 143 - 144عارف العارف)، "ولكنه (أي الملك) أقال متصرف إربد بهجت باشا طياره، من منصبه لأنه لم يستعمل الشدة مع اللاجئين الذين تظاهروا ضده".
وفي الاجتماع الذي عقدته لجنة التوفيق الدولية التابعة للأمم المتحدة مع الوفد الاسرائيلي في باريس بتاريخ تشرين الثاني عام 1951 "أعلن الوفد الاسرائيلي رفضه التام في عودة اللاجئين العرب الى ديارهم، بادعاء ان اليهود أحرار بالتصرف في بلادهم (أي فلسطين المغتصبة د.خ)، وأنهم لا يقبلون أي سيطرة تفرض عليهم، وانهم يريدون ان يعيشوا في مملكتهم المستقلة بأمان واطمئنان، فلهذا ولأسباب منها ما هو سياسي ومنها ما هو اقتصادي ومنها ما يتعلق بالأمن، فإنهم لا يوافقون على عودة العرب الذين غادروا منازلهم بعد قرار التقسيم في 29 تشرين الثاني عام 1947. فالبلاد تغيّرت، والوضع فيها قد تغيّر، وروح العداء قد ازدادت بعد الحرب التي شنها العرب على اليهود، (وهنا يجري تشويه للتاريخ فمن مارس التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني هم الصهيونية واسرائيل)، وواضح بأنّ اقتراح لجنة التوفيق التابعة للأمم المتحدة باقتراحها (عودة فئة من اللاجئين)، تنكر الحق الذي أيدته هيئة الأمم المتحدة، كما أيدته شعوب العالم بأغلبيتها، وقد نصّ عليه بصراحة في البيان الذي جرى توقيعه عام 1948 عن حقوق الانسان. أضف إلى ذلك بأنّ هذه اللجنة التي دعيت "بلجنة التوفيق" والتي بعد التجربة التاريخية ممكن تسميتها "بلجنة التهويد الصهيونية الأمريكية الدولية"، باقتراحها هذا تتناقض مع قرارات مؤتمر لوزان الذي عقدته هي نفسها، أي هذه اللجنة "لجنة التوفيق"، ولا بد ان نذكر بأنه عندما وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على طلب اسرائيل الانضمام إلى الأمم المتحدة، جاء قرارها رقم 273 بناء على تعهد اسرائيل بتنفيذ القرار رقم 194 (قرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين).
ولكن الذي جرى تاريخيًا هو ان اسرائيل بعد قبولها عضوة في الأمم المتحدة أمعنت أكثر فأكثر في أعمالها الاجرامية تجاه الشعب الفلسطيني ككل وتجاه قضية اللاجئين وكرّست سياسة التطهير العرقي، مع أن الأمم المتحدة كانت تجدد "قلقها" حول عدم تنفيذ القرار، كل سنة تقريبًا وتطالب اسرائيل بحق اللاجئين في استغلال ممتلكاتهم عن طريق الايجار أو الزراعة أو الاستفادة بأي شكل، والسلاح الوحيد لدى الدول العربية خلال كل هذه الفترة كان دائمًا وما برح الاحتجاج وفي الفترة الأخيرة هناك دول عربية تطبع مع دولة الاحتلال والاستيطان والمتنكرة للحقوق العادلة للشعب العربي الفلسطيني من خلال اقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وللأسف بل من الخزي والعار أن يقوم أعضاء كنيست عرب ويصوتون لصالح قانون منع لم الشمل لمئات الفلسطينيين، وهذا دليل واضح بأنّ مجتمعنا العربي عامة وهنا في الداخل مليء بالمستنقعات، ولكن النهر الهادر للشعب العربي الفلسطيني سيستمر بمساره الجارف والصامد والمقاوم نحو بحر الحرية وكرامة الانسان والانسانية، والقضية الوطنية الفلسطينية وحق العودة قضايا كونية انسانية عادلة.
لقد نكب الشعب العربي الفلسطيني وكل الشعوب العربية عام 1948 عندما فقدنا الفردوس فلسطين، لقد سُلب الوطن وطرد الشعب من وطنه، وأصيب الشعب الفلسطيني بكارثة وطُعن بالظهر من قبل الأنظمة الرجعية العربية العميلة والمتآمرة وعلى رأسهم آل سعود الوهابيون حيث قال أوّل ملك لهذه العائلة بأنّه لا مانع لديه من إعطاء فلسطين لليهود المساكين. وهذه الخيانة والتآمر من قبل هذه الأنظمة مستمرة حتى الآن ولكن صمود وكفاح ونضال الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده خاصة في الفترة الأخيرة، أثبت للتاريخ وللإنسانية بأنّ كرامة الانسان الفلسطيني الصامد والمكافح كرامة انسانية شامخة كشموخ الجبال، وهادرة كهدير البحر، ومشعة كنور الشمس، وحمراء كلون الورد الأحمر، وخضراء كالربيع.
ووعي الشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده وإيمانه بقضيته العادلة وتلاحم القوى المناضلة ووحدتها هو طريق الانتصار على غطرسة الاحتلال الكولونيالي والعنصرية الصهيونية، وفي هذه المرحلة أثبت الجيل الشاب الفلسطيني الذي يقدم التضحيات دحض مقولة بن غوريون "الكبار يموتون والصغار ينسون" فسيبقى شعبنا مناضلًا مكافحًا حتى نيل حقوقه العادلة بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين.
(انتهى)



.png)

.png)






.png)

