سعدي يوسف: شاعرٌ كافرٌ يدخل الجنّة | إبراهيم طه

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

لا يدخل الجنّة شاعرٌ لا يتقن جنون الكفر...

كنت قبل سنوات قليلة قد درّست مساقًا في الشعر العربيّ الحديث. وكان سعدي يوسف من المحطّات البارزة في هذا المساق. أتعبني الرجل وقتها بكثرة شقاوته وقفزاته وتناقضاته وصداماته ومعاركه. فاجأني بطول لسانه.  وأسعدني بمواقفه المشرّفة من قضيّة فلسطين وشعره فيها. أتعبني إصرار بعض الطالبات والطلاب على الهروب من محميّة الشعر واللجوء إلى غابة الواقع. كان في واقع سعدي يوسف إغواء كبير يغري بمتعة التيه في أزقّة حياته الممتدّة ودهاليزها المتشابكة. وفي التيه قلقٌ وترقّبٌ وارتباكٌ وتوتّرٌ وإثارةٌ واستنفار. أعترف الآن بأثر ارتداديّ بتلك المتعة التي حاولتُ كتمها أو مداراتها في حينه. الحقيقة أنها لم تكن متعة بالضبط، كانت تلذّذًا وانتشاءً. أدرك الطلاب بخبثهم الطبيعيّ ما أنا فيه من تلذّذ فمارسوا مزيدًا من الضغط على الحصانة الأكاديميّة التي تبقيني على الحياد والموضوعيّة، أو ينبغي أن تبقيني وتحميني. كانت الحصانة ورقيّة فانهارت حصونها بسرعة.

كان سعدي يوسف من المغضوب عليهم. كان وما زال، يحاسبونه بعد رحيله، وقليلٌ منهم لا يذكر محاسنه. التهمة الجاهزة والمناوبة هي شيوعيّته، أو وطنيّته التي لم تكن متاحة بالفعل إلا ضمن الحزب الشيوعيّ. "فاختار" المنفى، كغيره من الشعراء والكتّاب، كي يحافظ على وطنه، وكي يحافظ على نفسه من وطنه. والدفاع عن الذات والوطن من المقاهي الشعبيّة الرخيصة في المنافي والشتات هو أعنف المفارقات المرعبة في الأدب العربيّ الحديث. سعدي يوسف أجملُ مثال بشع على هذه الحالة الانفصاميّة. الحقيقة أنّ نصيب العراقيين من هذه المفارقة هو الأكبر.. كان سعدي يوسف شخصية إشكالية حادّة. ظهرت في سلوكيّاته تناقضات كثيرة، بعضها على مستوى الجوهر يصعب هضمها، وبعضها على مستوى العَرَض يمكن الإعراض عنها. لم ينجُ أحدٌ لا من صوته ولا من سوطه، أحيانًا بحقّ وأحيانًا بغير وجه حقّ. يذكّرني بيوسف إدريس في بعض انفلاته. وكان بهذه التناقضات قد دخل في أرذل العمر منذ لحظة ولادته. والأمر في ذاته استثناء غريب عجيب. لكنّه بالقياس إلى العراقيّين الآخرين لم يكن سعدي يوسف غير حالة عاديّة "طبيعيّة". وحين يصير الاستثناء عاديًا طبيعيًا فلا بدّ أن نقف على رؤوس الأصابع زاعقين. لم يكن سعدي يوسف الوحيد الذي حمل السلّم بالعرض في زقاق مزدحم. غير أنه كان الوحيد الذي حرص على ذلك، مع سبق الإصرار والترصّد، في كلّ زقاق مزدحم. وحين لم يجد من يكوشه بسلّمه كان يكوش زملاءه وحزبه ورفاقه واحدًا تلو الآخر. ولمّا كان سعدي يوسف يكفر بالمقدّس أصلا فكيف يرضى بالحرام الذي يحلّل كلّ شيء حتى الخطيئة؟! كان يكوشهم، بالمعنى المعجميّ للكلمة، برقّة عنيفة وتلطّف مؤلم!  اصطدم سعدي يوسف مع حزبه في الموقف من صدّام حسين وهجوم البقر الأمريكي على بغداد في ربيع 2003. اختلف مع بعضهم حول الموقف من سوريا. دافعتَ عن النظام لكنك "نسيتَ" أن تدافع عن سوريا. قال له أحدهم مرّة. وقال له آخر كيف تكون شيوعيًا ولا تستحي من التزلّف والنفاق لوليّ العهد السعودي؟! منهم من عاتبه، ومنهم من شنّ عليه حربًا، ومنهم من استكثر فيه البصقة، كما قال. أرهقته المناكفات واستنزفت صبره المناكدات. أتعبه ذوو القربى والخصوم على حدّ سواء. تورّط "الشيوعيّ الأخير" بما يحدث في شوارع بغداد والشام، وهو الذي ظنّ أنّ شارع هيرفيلد في شمال غرب لندن سيحميه. ظنّ فخاب ظنّه.  

أول شروط الشعر وأشراطه هو القدرة على الكفر. كلّ شاعر كافر بالفطرة. وكلّ كافر شاعر بالاكتساب. دين الشاعر هو الكفر. الكفر بكلّ شيء قد يفضي إلى حالة مقت. وما أكثرها في صحراء الواقع العربيّ. الولع بفكرة التقديس هو أول ما يمقته الشاعر الكافر، خصوصًا إذا صار نسقًا تفكيريًا سلوكيًا. والدخول في حرب مع الفكر النسقيّ عمومًا مجازفة كبرى، وهي مع هذا النسق حصرًا رهان خطير عاقبته عفنة. أيقدّس الشاعر شيئًا إذا كان الكفر دينه وديدنه؟! لا يستطيع الشاعر الشاعر أن ينافق أو يراوغ أو يماطل أو يماكر في عقيدته. يستطيع أن يتأتئ في قولها وطرحها لكنه لا يستطيع أن يطأطئ في حضرتها. والتأتأة من حقّه. وبعضهم يقول من واجبه أن يتأتئ أو يهمس أو يُخافت أو يستحي. لجوء الشاعر إلى مكر الرمز تأتأة. والتأتأة في الشعر من أبلغ أنماط التعبير. وهي في المواقف مصيبة. التأتأة في المواقف طامّة، طامّة لا تعقبها إلا التهلكة.  

كان ذاك الذي يسمّونه "الربيع العربيّ" قد أجاء سعدي يوسف إلى خريف العمر وقرّب أجله. نقله من الشعر المنقّب أو المحجّب إلى الشعر السافر. سفور الشعر عنده هو حالة احتقان، حالة غضب لم يفلح في كظمه. كان سعدي يوسف قبل ذاك التاريخ المشؤوم كالعنكبوت ينسج قصيدته في أربع دوائر كبرى من الخارج إلى الداخل: المنفى (العالم الذي يحتمي به ويشتمه)، العرب، العراق والأنا. وكانت "الأنا" في قصيدته محجّبة بخمار الرمز والمجاز، تتهادى على استحياء تقدّم رجلا وتؤخّر رجلا كما لو كانت احدى ابنتي نبيّ الله شعيب عليه السلام. فانتقلت إلى مركزها وانفضحت. وصار سعدي يوسف يطلّ من "أناه" المضخّمة على بقيّة الدوائر الأخرى. بعد انتكاب العراق عام 2003، وتعمّق نكبة العرب كلّهم بعد "الربيع العربي"، صارت الأنا في شعر سعدي يوسف المعادل الموضوعيّ للاحتلال نفسه. وكأنه عندما يموضع نفسه في قلب القصيدة يعلن عن رغبة فرويديّة مستورة في احتلاله لواقع القصيدة نفسها ما دامت القصيدة هي آخر ما بقي له من واقع. يعترف سعدي يوسف بهزيمته أمام واقع شخصيّ وعراقيّ وعربيّ وعالميّ قاهر. يعترف بطريقتين: (1) تضييق العالم في قصيدته المتأخّرة، (2) التضييق على اللغة فيها.. ولعلّ أبلغ تعبير عن العلاقة الجدليّة بين العالم واللغة في قول النفّري: "كلما اتّسعت الرؤية ضاقت العبارة". كلما كبر الواقع عجزت اللغة عن احتوائه أو احتضانه. كانت قصيدة سعدي يوسف، قبل الحملة المغوليّة الثانية على العراق عام 2003، محدّبة. تتفرّق العوالم فيها فتضعف الرؤية. وحين تضعف الرؤية تتعدّد الاحتمالات. وصارت بعدها مقعّرة تتجمّع فيها العوالم لتنصهر في واحد. وحين يتراجع العالم في قصيدته إلى حدود العراق وتصير جغرافيا العراق وحدها حاضنة الأنا تنجلي الرؤية. وحين تنجلي الرؤية تتحدّد الاحتمالات وتضيق. تُظهر القصيدة المرفقة بوضوح انتقال سعدي يوسف من حالة التعدّد إلى حالة التحدّد.

تبدّت أزمة "الأنا" في قصيدته المتأخّرة في ارتباك الضمائر. نحن في الدرس الأدبيّ نرى في الضمير الأول المتكلّم تعبيرًا عن حضور أو رغبة في حضور. غير أنّ سعدي يوسف يُحيل إلى نفسه بالضمير الثالث الغائب. وكأنه ينأى بنفسه عن نفسه ليزيدها حضورًا بهذه المراوغة. الشعريّة التي اعتمدها سعدي يوسف في قصيدته المتأخّرة تتّجه نحو الذات. والتعبير عن الذات بالضمير الغيريّ هو تجريب، هو مراهنة محسوبة في تهجين السيرة الذاتيّة وتطعيمها بأدوات السيرة الغيريّة. وهي على مستوى التنظير محاولة موفّقة تظهر ارتباكات القصيدة السافرة وتظهر تناقضات النظرة إلى العالم. هكذا كان سعدي يوسف نفسه في الثلث الأخير من عمره. "استقالة الشيوعيّ الأخير" مثالٌ أصيل على تحوّلات الشعريّة عند سعدي يوسف وتقلّباتها وارتباكاتها العنيفة.. رغم كلّ ما قلته من كلام مرتبك ما زلت أحبّ شاعريّته. ما زلت أحبّ شاعريّته بفضل كلّ ما سبق. لا يدخل الجنّة شاعرٌ لا يتقن جنون الكفر...

 

استقالة الشيوعيّ الأخير

قال الشيوعيُّ الأخيرُ :
سأستقيلُ اليومَ
لا حزبٌ شــيوعيٌّ، ولا هُم يحزَنون !
أنا ابنُ أرصفةٍ
وأتربةٍ

ومدرستي الشوارعُ
والهتافُ
ولَـسْــعةُ البارودِ إذ يغدو شــميمًا ...
لم أعد أرضى المبيتَ بمنزلِ الأشباحِ،
حيثُ ســتائرُ الكتّانِ مُـسْــدَلةٌ
وحيثُ الماءُ يـأسَــنُ في الجرارِ،
وتفقدُ الصوَرُ المؤطَّرةُ الملامحَ ...
.........................
.........................
.........................

أستقيلُ
وأبتَني في خيمةِ العمّالِ
مطبعةً
وركنًا ...
سوف أرفعُ رايتي خفاقةً في ريحِ أيلولٍ
مع الرعدِ البعيدِ، ومَـدْفَقِ الأمطارِ،
أرفعُها
ولن أُدْعَى الشــيوعيَّ الأخـــير !
......................
......................

......................
الليلُ يأتي .
لندنُ الكبرى تنامُ كعهدها، ملتفّةً بالمعطفِ المبلولِ
أمّا في الضواحي (ولأَقُلْ  هَـيْـرْفِـيلْــد) حيثُ يقيمُ صاحبُنا الشيوعيُّ الأخيرُ
فقد أقامتْ ربّةُ الأمطارِ منزلَها عميقًا في العظامِ ...
اللعنةُ !
انتفضَ الشيوعيُّ الأخيرُ :
إن استقلتُ
فأين أذهبُ؟
إنّ ثُمّتَ منزلاً  لي،
فيه عنواني المسجَّــلُ  ...
ولـيكنْ بيتًا لأشباحٍ  !
سأسكنُه
وأسكنُهُ!
لكي أُدْعى الشيوعيَّ الأخير.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين