في يوم الخميس الماضي أي ليلة العيد اتصلت كعادتي بالرفيق سليم أبو الشيخ من أجل أن أعايد عليه وأطمئن على حاله، فأجابني مرافقه الدائم وقال لي إنه لا يستطع التكلم، وهذا الرد لا شك أنه أزعجني جدا، خاصة وأني كنت قد زرته قبل أسبوعين من هذه المحادثة وكان قد استقبلني كعادته بحفاوة ولم يخطر ببالي أن أقرأ في اليوم التالي نعي الرفيق أبو عزمي، وهو الرفيق الذي ربطتني به علاقات صداقة رفاقية وأخوية قوية جدا منذ أوائل الستينات من القرن الماضي حتى أيامه الأخيرة.
ان العلاقة مع الرفيق أبو عزمي كانت علاقة خاصة ومميزة حيث كنت على مدار أكثر من نصف قرن إبن بيت عندهم هكذا اعتبرت نفسي وهكذا اعتبروني وعاملوني، هو والمرحومة زوجته، أم عزمي، وبناتهم وأولادهم جميعا. ولذلك أستطيع أن أقول وبكل ثقة أنني عرفته جيدا وربما أكثر من غيري من الرفاق الذين عرفوه، وعرفت كرم أخلاقه وكرمه الانساني العام.
لقد عرفت بأبي عزمي الإنسان الجريء والكريم والشيوعي الأصيل والمخلص الى أقصى الحدود لمبادئه الشيوعية قبل أن يتفرغ للعمل الحزبي وخلال تفرغه. وكنت ألمس مدى حرصه على الحزب وتطوره خاصة وأنه كان قد شغل عدة مراكز قيادية حزبية محلية ومنطقية ومركزية أيضا وكان دائما على قدر المسؤولية التي تلقى على عاتقه.
لقد عرفت الرفيق أبو عزمي الإنسان الصدامي الصلب في المواقف الصعبة، ولكن في الوقت ذاته اللين مع الناس بشكل عام ومع رفاقه وأصدقائه بشكل خاص. والذي يتحلى بمثل هذه الصفات حتما سوف يكتسب الثقة المطلوبة وينال ثقة الناس الذين حوله وخصوصا أبناء بلده حيث كان شعبيا في علاقاته الاجتماعية والسياسية والانسانية مع جميع الناس.
إن الرفيق سليم أبو الشيخ كان يرى باستمرارية الحزب ضرورة موضوعية وكصمام أمان لجماهيرنا العربية في هذه البلاد، ومن هذا المنطلق كان يرى بكل مسؤولية توكل اليه على أنها وسيلة من أجل تطوير عمل الحزب وتقويته تنظيميا وسياسيا واستمر في هذا التوجه حتى أقعده المرض.
من الصفات التي تميز بها الرفيق أيضا أنه لا يعرف الكره أبدا ولكنه كان يمقت الانتهازية والذاتية المفرطة عند البعض لأنه كان يرى أن هذه الصفات تسيء لعمل الحزب التنظيمي والسياسي وهو الحريص على الحزب وعلى استمراريته وتطوره.
الحقيقة أنه منذ ألمّ به المرض كنت حريصا على التواصل الدائم معه وكنت أزوره في البيت على الأقل مرة في الشهر بالرغم من أنني كنت أتضايق جدا عندما أراه وهو لا يستطيع التحرك علما أنه كان مثالا للتحرك الدائم والنشاط في العمل الميداني. ولكن وعلى الرغم من شعوري كنت أستمر في زيارته لأنه خلال هذه الزيارات كان دائما يسأل عن الرفاق وعن وضع الحزب فكنت أطمئنه حيث كان يرتاح لحديثي معه لأنه عرفني هو أيضا جيدا خاصة وأني عملت معه على مدى عقود من الزمن في مختلف الهيئات الحزبية المناطقية والقطرية على السواء، وحيث كانت بيننا ثقة متبادلة وهذه الثقة لم تشوبها أي شائبة على مدار كل المدة التي عملنا بها سويا. وكلما امتدت المعرفة بيننا وتعمقت ازدادت الثقة بيننا أكثر وأكثر. بالإضافة لذلك كنت أسبوعيا تقريبا أتصل به تلفونيا للاطمئنان على صحته.
ان الحديث عن أبو عزمي ورفيقة دربه الرفيقة فهيمة (أم عزمي)، والتي كانت بالنسبة لي ولعدد من الرفاق الأخت الكريمة والمعطاءة، لا يمكن أن يوفيهم حقهم حيث أنهم كانوا كرماء في العطاء وكرماء النفس ومحبين جدا للعلاقات الرفاقية والإنسانية. وحديثي عنهم هنا ليس من باب المجاملة، بل إنه نابع من قلب محب صادق.
للحقيقة فإني بفقدان الرفيق أبو عزمي، فقدت أخا ورفيقا عزيزا وهذا ينطبق أيضا على الأخت أم عزمي التي رحلت عن هذه الدنيا قبله بعدة سنوات.
إنني أعد أبو عزمي وأم عزمي بأني سوف أبقى على علاقة دائمة مع بناتكم وأبنائكم وحتى أحفادكم ما دمت حيا لأنني أعتبرهم خير خلف لخير سلف وهذا ما عرفته عنهم. فنم مطمئنا يا رفيقي لأنهم سيكملون الطريق الذي أسهمت في تعبيده. وأعدك أيضا أن رفاقك سيكملون الطريق وأنا واحد منهم سأستمر في هذا الطريق خلال السنوات المتبقية من عمري لأنه كان وما زال وسيبقى أشرف وأنبل طريق عرفته البشرية حتى الآن.
ذكراك ستبقى خالدة!
(عرابة البطوف)



.png)

.png)






.png)

