خلفية تاريخية
تعود جذور الصهيونية الى قرون ماضية من حيث أشكال التعبير، حركات سياسية وأدبية وفكرية تناحرت فيما بينها حول "حل مسألة اليهود" حتى الانقسام الحاد عندما نشر هرتسل كتاب "دولة اليهود" الذي يعتبر ليس كتابا بالمفهوم الكلاسيكي انما خطة عمل. التف الكثير من اليهود حول هرتسل وماكس نورداو لأنهما حولا النظرية والاسفار المقدسة في التوراة لحركة سياسية لديها خطة عمل لكن ذلك لم يخلو من الانقسامات داخل الحركة الصهيونية.
"احاد هعام" القائد الصهيوني الروحاني ادعى أن المشكلة المركزية ليس كما يدعي هرتسل وهي معاداة السامية، إنما المشاحنات التي تفكك الأمة وتهدد بإنهاء حياتها، الصهيونية حسب "احاد هعام" لا ينبغي أن تنقذ اليهود بل اليهودية، لهذا الغرض، يجب إنشاء مركز روحي ناطق باللغة العبرية في "أرض إسرائيل" لإيقاف المشاحنات.
نجح هرتسل في توحيد جميع التيارات الصهيونية ودعاهم لعقد المؤتمر الصهيوني العالمي في بازل وانطلق في مسيرة بناء الدولة اليهودية. ذهب هرتسل إلى السلطان عبد الحميد وعرض عليه المال لمساعدة الإمبراطورية العثمانية التي كانت تعاني من ظروف اقتصادية صعبة في حينه مقابل إعطاء اليهود وطن في فلسطين لكن تم رفض طلبه، ثم توجه الى القيصرية الألمانية لمساعدة الحركة الصهيونية بالتأثير على الإمبراطورية العثمانية للسماح بهجرة يهودية حرة الى فلسطين لكن لم ينجح.
توجه هرتسل للإمبراطورية البريطانية لأنه رأى في بريطانيا كما كتب في إحدى مقالاته "أضحت بريطانيا بعد هزيمة نابليون ليس لها أي منافس دولي خطير عدا روسيا في آسيا الوسطى" تبوأت بريطانيا في حينه دور الشرطي العالمي وهي حالة عرفت فيما بعد باسم "باكس بريتانيكا".
وافق الإنجليز على مساعدة الحركة الصهيونية وذلك لأنه كانت للحكومة البريطانية في حينه خطط استعمارية لاحتلال الأراضي العربية التي أصلا كانت محتلة من قبل الإمبراطورية العثمانية، عرض جوزيف تشامبرلين على هرتسل أن يستوطن اليهود في قبرص وسيناء، وافقت الحركة الصهيونية على ذلك في مؤتمرها العالمي في بريطانيا عام 1900 وذلك لقربها من فلسطين، وفعلا هاجر الكثير من يهود أوروبا للسكن في تلك المناطق.
في آذار عام 1903 عاد تشامبرلين من افريقيا، دعا هرتسل للقاء ليقول له" في رحلتي رأيت ارض تلائمك وهذه أوغندا" الرد المباشر لهرتسل كان الرفض، لكن بعد فترة بدأت تتسع معاداة السامية في جميع أوروبا حتى مذبحة وارسو وتلك كانت "القشة التي قصمت ظهر البعير" على حد تعبير هرتسل. اقتنع هرتسل بعرض تشامبرلين أن الأولوية يجب أن تكون "إنقاذ أرواح اليهود من معاداة السامية في أوروبا لذلك يجب إقامة دولة يهودية بشكل مؤقت في أي مكان لكي نستطيع للدفاع عن أنفسنا". دعا هرتسل في آب 1903 لمؤتمر لجميع الحركات الصهيونية وابدى دعمه لإقامة وطن قومي لليهود في أوغندا، تمت الموافقة بأغلبية أصوات الأعضاء على ضرورة إرسال لجنة خاصة إلى أفريقيا لتقصي الأحوال المعيشية والظروف البيئية القائمة في أوغندا.
مشروع أوغندا أظهر معارضة شديدة وقاسية في صفوف الصهيونيين(بالذات من يهود روسيا)، إذ أن كثيرين منهم رأوا في هذا المشروع ضربة للفكرة الصهيونية المتمثلة بإقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، وضربة لما أقره مؤتمر بازل من العام 1897. والواقع أن إصرار هرتسل على قبول مشروع أوغندا قبيل إرسال اللجنة الفاحصة أدى إلى وقوع انشقاق في صفوف أعضاء المنظمة الصهيونية، إذ أن قسماً منهم ترك قاعة المؤتمرات، ومنعاً لتوسع رقعة الخلاف ورغبة في توحيد الصفوف استدعاهم هرتسل ثانية مشدداً على ضرورة الوحدة في الصف والرأي، وقال جملته المشهورة: "إن نسيتك يا أورشليم فلتنسني يميني". ولما عادت اللجنة من أوغندا وطرحت تقريرها وتوصياتها السلبيين، أصبح من الواضح بجلاء أن مصير المشروع هو الفشل، وكان ذلك عاماً بعد وفاة هرتسل، استمرت الهجرة اليهودية لفلسطين بطرق ملتوية في تلك الأعوام منتظرين سقوط الإمبراطورية العثمانية.
ثم اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، انضمت تركيا (الإمبراطورية العثمانية) لدول المركز لتحارب بريطانيا ودول الحلفاء، تجندت الحركة الصهيونية في هذه المعركة التي أرادت انتصار بريطانيا، فهمت ان بريطانيا بحاجة لكل مساعدة لتفكيك الإمبراطورية العثمانية واحتلال فلسطين من ايدي الاتراك.
سافر هارون آرونسون عالم النباتات اليهودي للقاهرة لمقابلة سرية مع ريتشارد مينرتزهاجين ضابط المخابرات للجنرال النبي، تمخض عن هذا اللقاء أن يقيم هارون منظمة نيلي (اختصار لجملة: خلود إسرائيل ليس كذبة) وهي شبكة تجسس عملائها كانوا من المهاجرين اليهود- يذكر ان عدد سكان اليهود في حينه كان حوالي 85000 نسمة في فلسطين قدمت هذه الشبكة معلومات قيمة إلى البريطانيين والتي تضمنت أيضًا الشفرات التي تستخدمها قناة الاتصال السرية بين القوات الألمانية والقوات التركية مما غير وجه الحرب، بالإضافة إلى نشاط التجس، شارك أعضاء "نيلي" أيضًا في تهريب الأموال من الخارج من روسيا ومن الدول الأوروبية والولايات المتحدة، باستثناء القروض والتبرعات الواردة من البارون روتشيلد وميكا والهيئات المماثلة إلى الاقتصاد المحلي في المستوطنات اليهودية.
ولكي أيضا أثبتت الحركة الصهيونية ولاءها لدول الحلفاء، تطوعت أربعة كتائب من السكان اليهود لمحاربة الإمبراطورية العثمانية تحت غطاء دول الحلفاء منها بريطانيا وامريكا وروسيا.
حظيت هذه الجهود بتقدير كبير من قبل البريطانيين بعد الحرب، بحيث صرح ضابط المخابرات البريطاني البارون ويليام أورمسبي-جور أن نيلي "كان أهم تركيز لنظام استخباراتنا في فلسطين خلال الحرب" واعترف أنه لم تكن بريطانيا ستنتصر دون مساعدة عملاء نيلي في مكتوب كشف عنه قبل عدة سنوات.
توجت هذه العلاقة الرومانسية التي لم تكن عاطفية فعلا والتأثير الكبير الذي كان لآرونسون على مارك سايكس وعلاقة حاييم وايزمان مع بلفور الذي قاد فعليا الحركة الصهيونية على الصعيد السياسي الدولي في وقته، الى بيان علني للحكومة البريطانية بانها "تنظر بعين العطف إلى إقامة وطن قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين" بما يسمى وعد بلفور عام 1917.
الصهاينة يعتقدون أن البريطانيين عملوا لصالح العرب، ويعتقد الفلسطينيون أيضًا أن البريطانيين عملوا لصالح الصهاينة. والحقيقة أن بريطانيا عملت لصالح البريطانيين لتحقيق مصالحها الاستعمارية.
كان هناك معارضين لوعد بلفور في الحكومة البريطانية من اسلاف رئيس الحكومة السابق هربرت أسكويث الذي كان مناهضا للصهيونية مِنهم وزير يهودي اسمه إدوين صامويل مونتاغو كان مناهضا للصهيونية واعتبرها حركة لا سامية تريد ان تقود اليهود الى الدمار.
وعد بلفور لم يكن مجرد وعد من الحكومة البريطانية للشعب اليهودي لإقامة دولته رغم أن نسبة اليهود كانت في تلك الفترة 5% من مجمل سكان فلسطين، إنما أيضًا يريد أخذ ضمانات من الشعب اليهودي أن يبقوا في حلف الاستعمار وأن يكونوا كلب حراستهم في الشرق الأوسط لمدى أوسع من دولة تتمتع بثقافة أوروبية غربية.
ولا شك أن البقاء في حلف الدول الرأسمالية ليس فقط يضرب الشعب الفلسطيني إنما يضرب أيضًا الطبقات المستضعفة في المجتمع اليهودي وسيطرة رأس المال الصهيوني وخداع الشعب اليهودي بوهم الشوفينية والتوراة.
سرعان ما اعلن عن وعد بلفور رأى حاييم وايزمان بعكس هرتسل ونورداو ان في ارض فلسطين والدول المجاورة هناك شعب عربي فسارع بعد الكشف عن اتفاقية سايكس بيكو وخرق بريطانيا وعوداتها لشريف مكة التي عرفت بمراسلات حسين-مكماهون، بعقد لقاء سري مع فيصل ابن الشريف حسين وتم توقيع اتفاق بموجبها على حد تعبير بن غوريون : "إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين وصداقة بين ارض إسرائيل اليهودية وجارتها العربية الموعودة".
لكن لذلك الاتفاق لم يكن له قيمة لأنه لم يكن تأييد من الشعوب العربية لذلك الاتفاق السري وخصوصا بعد طرد فرنسا الأمير فيصل من دمشق واعلانه ملكا على العراق، موافقة فيصل لم تلزم أي عربي.
لم تنته المحاولات الصهيونية لعقد اتفاقية مع الزعماء العرب في تلك الفترة ما قبل إقامة دول إسرائيل، في كتاب "لقاءات مع القادة العرب" لبن غوريون يحدثنا عن اللقاءات السرية والمفاوضات مع عدد من القادة العرب مثل المفاوضات التي كانت بين الحركة الصهيونية ورئيس حزب الاستقلال عوني عبد الهادي والمفتي امين الحسين بوساطة موسى العلمي "المستشار القانوني للانتداب البريطاني في حينه" عام 1934 (قبل سنتين من ثورة 1936) حيث استمرت المفاوضات 4 اشهر وتم التوصل الى اتفاق غير موقع بموجبه إقامة دولة إسرائيل على ضفتي نهر الأردن مرتبطة فيدراليا مع الدول العربية وبالمقابل استثمار النفوذ السياسي للحركة الصهيونية لمساعدة الشعوب العربية بالاستقلال والاتحاد.
لم يتم التوقيع لأن الجانب العربي في وقته أراد ضمانة لتلك الوعودات، فأخبرهم بن غوريون بأنه سيقنع الإمبراطورية البريطانية بذلك، لم يوافقوا وذلك بسبب نكث بريطانيا وعوداتها للشريف حسين.
بغض النظر عن تلك الأرشيفات التي تكشف هناك حقيقة بأن الشعب الفلسطيني لم يكن ليسمح بالتخلي عن ارضه حتى لو تخلى عنها قادته بهدف النفوذ مغطاة بغلاف الدين والقومية وذلك أثبت بالدم والشهداء والجرحى والمعتقلين.
السياسات التي اتبعها بن غوريون وحزب مباي الذي أعتبر "معتدلا" لم تخلو من الانتقادات والانقسامات داخل الحركة الصهيونية، بل ظهرت نقاشات حادة من قبل التيار التصحيحي الذي يقوده جابوتينسكي، (كان التيار المركزي المنافس للتيار الاشتراكي الصهيوني في وقته)،الذي آمن بعدم التخلي عن أي جزء من "أرض إسرائيل" بعكس بن غوريون الذي كان براغماتيا مستعدا لقبول قرار التقسيم عام 1936 وعام 1947.
وصلت ذروة المشاحنات في انتخابات قيادة الحركة الصهيونية بعد مقتل ارلوزورف عام 1933، ونغت بن غوريون لجابوتينسكي "فلاديمير هتلر" بعدما اتهمت الحركة التصحيحية بقتل ارلوزوروف وذلك كان فعليا اول جريمة في تاريخ الحركة الصهيونية بدوافع سياسية قبل مقتل رابين.
انسحبت الحركة التصحيحية من المنظمة الصهيونية العالمية عام 1935 وأعلنت عن نشاطها السياسي المستقل، عندما بدأت بريطانيا في إنكار وعد بلفور وشروط الانتداب الذي تلقته من عصبة الأمم أعلنت الحركة التصحيحية حربها على الاحتلال البريطاني بعكس المباي الذي كان يريد المحافظة على علاقته مع الإنكليز والتعامل معهم على المستوى الدبلوماسي.
أطلقت الحركة التصحيحية حملات إعلامية في بريطانيا وبدأت بتفعيل ضغطها السياسي للسماح لهجرة يهودية حرة بعدما رأت بريطانيا في وقته ان العرب هم حليف محتمل، ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية.
اقترحت الحركة الصهيونية على بريطانيا بأن تشارك القوات اليهودية لجانب دول الحلفاء ضد ألمانيا النازية. في البداية لم توافق الحكومة البريطانية على ذلك لأنهم خافوا من ردة فعل العرب في حينها. انتقلت حملة إعلامية قوية في أمريكا بعدما رأى جابوتنسكي وبن تسيون نتنياهو (والد نتنياهو) سكرتير جابوتينسكي المكانة المتصاعدة للولايات المتحدة، كان يهود أمريكا في اغلبيتهم الساحقة منتمين للحزب الديمقراطي، قرروا التوجه للحزب الديمقراطي الذي كان في الحكم في تلك الفترة، في البداية لم يوافق الرئيس الأمريكي روزفلت على دعم الحركة الصهيونية لأنها ستكون عبء على السياسات الامريكية في انفتاح علاقاتها مع العرب.
توجه بن تسيون كما يروي نتنياهو عن والده في كتابه "قصة حياتي" للحزب الجمهوري الذي يؤيده كبار رأس المال من المسيحيين الانجيليين الذين يتبنون الفكرة الصهيونية "وذلك لتسريع قدوم المسيح" وبدأت الحركة الصهيونية بتفعيل المال والاعلام للتأثير على الرأي العام وعلى جمهور الحزب الجمهوري.
أقنعت الحركة الصهيونية الحزب الجمهوري من خلال لقاءاتهم مع قيادات الحزب وضباط كبار لهم تأثير على السياسية الخارجية الامريكية مثل ايزنهاور أن الدولة اليهودية ستكون بمثابة معقل أمريكي استراتيجي يوقف محاولات السوفييت للسيطرة على الشرق الأوسط.
أتت ثمار العمل الديبلوماسي في يونيو 1944، قبل الانتخابات الرئاسية، تبنى الحزب الجمهوري في مؤتمره الوطني بندًا في برنامجه يدعو إلى الهجرة اليهودية الحرة إلى إسرائيل وإقامة دولة يهودية هناك. كان روزفلت غاضبًا، لكن تم دفعه إلى الزاوية في غضون بضعة أشهر، تبنى المؤتمر الوطني للحزب الديمقراطي أيضًا القرار نفسه.
السياسة الأمريكية الجديدة أثرت بشكل كبير على بريطانيا مما جعلها بالسماح لليهود الصهاينة بالمشاركة ضمن جيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية واعلاء قضية الهجرة اليهودية على جدول الأعمال العالمي.
بعد فشل محاولات الحركة الصهيونية إرغام بريطانيا على السماح بالهجرة الحرة لليهود بدأت حركة ليحي اليهودية (المقاتلون من أجل حرية إسرائيل) إلى جانب حركة ايتسل (المنظمة العسكرية القومية في إسرائيل) بالتمرد اليهودي في فلسطين الانتدابية ضد الانتداب البريطاني في أربعينيات القرن العشرين. في 6 نوفمبر من عام 1944، قام إلياهو حكيم وإلياهو بيت زوري (أعضاء حركة شتيرن) باغتيال اللورد إدوارد غينيس في القاهرة. كان موين وزير الدولة البريطاني للشرق الأوسط، ويقول البعض أن عملية الاغتيال هذه قد حوّلت رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ضد القضية الصهيونية.(وهذا غير صحيح) بعد اغتيال اللورد موين، اختطفت قوات هاجاناه العديد من أعضاء حركة ايتسل وسلمتهم لبريطانيا، ثم قررت الهيئة التنفيذية للوكالة اليهودية اتخاذ سلسلة من التدابير ضد «المنظمات الإرهابية» في فلسطين. أمرت حركة ايتسل أعضائها بعدم المقاومة أو الانتقام بالعنف وذلك لمنع نشوب حرب أهلية.
كما يجب ذكر التفجير الإرهابي لفندق الملك داوود في مدينة القدس عام 1946 من قبل جماعة الايتسل التي أدينت بالإرهاب في جميع أنحاء العالم، من زعمائها أصبحوا رؤساء وزراء مثل مناحيم بيغين ويتسحاك شمير.
في تشرين الثاني عام 1947 اقرت الأمم المتحدة قرار التقسيم 181 بموجبه إقامة دولة يهودية ودولة عربية والقدس وبيت لحم والأراضي المجاورة ستكون تحت وصاية دولية.
رأى بن غوريون وقادة الحركة الصهيونية بذلك إنجازا كبيرا وذلك لأن نسبة اليهود من عدد السكان المحليين كان 33% ونسبة امتلاك الأرض 7% واكتساب شرعية دولية لإقامة الدولة اليهودية، فاعلن عن موافقته لقرار التقسيم وذلك أيضا لأنه يعلم أن العرب والقيادة الفلسطينية في حينه كانت رافضة لقرار التقسيم. (يتبع)



.png)

.png)






.png)
