سياسة المدارس الفكرية للحركة الصهيونية (2-2)| محمد أسامة اغبارية

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

اجتماع الحكومة المؤقتة للنقاش حول اعلان الاستقلال

بعد اعلان الاحتلال البريطاني انه سيغادر فلسطين في أيار 1948 دعا بن غوريون الحكومة المؤقتة المكون من 10 أعضاء إلى اتخاذ قرار بشأن إعلان الدولة، استمر الاجتماع حوالي 13 ساعة تباحث قيادة الحركة الصهيونية عن عواقب الإعلان عن الدولة اليهودية.

في كتاب غولدا مئير "حياتي" كان هناك مفاوضات سرية بين قيادة الحركة الصهيونية، من خلال غولدا مئير من الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية، والملك، والتي تضمنت تبادل رسائل واجتماعين. عقد الاجتماع الأول في نهاريم في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 (بمشاركة إلياهو ساسون وعزرا دانين من الجانب اليهودي) وناقشوا إمكانيات التعاون بعد استلام خطة التقسيم. من بين أمور أخرى، اقترح عبد الله إنشاء جمهورية يهودية مستقلة في أرض إسرائيل في إطار الملكية الأردنية، والتي ستضم جيشًا مشتركًا وبرلمانًا، وسألت غولدا عن رأيها في إمكانية ضم الأردن للجزء العربي من أرض إسرائيل. ورد الوفد اليهودي على ذلك بأنه سيرى ذلك بشكل إيجابي إذا لم يتدخل في إقامة الدولة اليهودية.

قبل يومين من إعلان استقلال إسرائيل ذهبت غولدا للأردن لمقابلة سرية لمعرفة موقف الملك من الحرب المقبلة ولتطبيق ما تم الاتفاق عليه في السابق لكن ما حدث حسب مذكرات غولدا أن " الملك كان ودودًا، لكنه مكتئب، مضطرب،متوتر" (وفقًا لغولدا). قبل الاجتماع، نقل عن طريق الشخص الذي يمكن الاتصال به اقتراحه بضم كامل أرض إسرائيل إلى مملكته، وإنشاء "دولة موحدة"، يكون لليهود فيها حكم ذاتي في المناطق الأكثر سكانًا. رفضت غولدا العرض وطالبت بالعودة إلى الاتفاق السابق بشأن عدم النزاع بين الطرفين والموافقة الضمنية على استيلاء عبد الله على الجزء العربي من أرض فلسطين الغربية. حاول عبد الله إقناع غولدا بتأجيل إعلان الاستقلال وسألها عن الاندفاع. ردت عليه غولدا أن ألفي سنة ليست بالعجلة. وأوضح عبد الله أنه على الرغم من وعده بعدم محاربة الدولة اليهودية، إلا أن الظروف تغيرت في هذه الأثناء. كانت هناك أحداث دير ياسين وهو الآن "أحد القادة الخمسة" (قادة الدول العربية الذين خططوا لغزو إسرائيل). كلا الجانبين وفقا لغولدا لم يرغب في الحرب ولكن للأسف أدركا أنها حتمية. قالت غولدا: "سنقاتل"، فرد عبد الله: "واجبك القتال". وعندما حذره دانين من النتائج، قال: "أعلم أنكم ستهزموننا، لكن من واجبك أن تفعلي ما هو مكلف لك". ودعت غولدا عبد الله قائلة: "سنلتقي بعد الحرب".

دوليا كان هناك أيضا ضغط من قبل الإدارة الأمريكية لتأجيل إعلان الاستقلال وذلك وفقا لمذكرات بن غوريون الذي تحدث مع ترومان الذي قال له: "لا يمكن أن تعلن عن دولة بدون تحديد الحدود" وذلك لان بن غوريون اعلن في السابق ان الدولة اليهودية لن تقام بقوة قرار الأمم المتحدة انما ستقام بقوة القوات اليهودية.

اجابه بن غوريون: "لا اعلم انه يوجد قانون كهذا بل انا اعلم انه يوجد دولة واحدة في الوقت التي أعلنت فيه عن استقلالها لم تعلن عن حدودها، وحدودها الان ليست الحدود التي كانت في وقت اعلان استقلالها وهذه أمريكا".

بعد هذه المحادثة في 12 أيار سافر موشيه شاريت إلى الولايات المتحدة لأخذ الموافقة النهائية لإعلان إسرائيل عن استقلالها، أمريكا وضعت شرطا واحدا لذلك وهو تأجيل الإعلان لمدة 3 أشهر حتى وصول الأسلحة الثقيلة للقوات العسكرية اليهودية.

كما أن رئيس أركان الجيش يغال يادين عرض تقييمه للحرب المقبلة وكانت ملخصة بأن القوات الصهيونية لها نسبة 50% من النجاح.

بعد عرض كل تلك المعطيات في الجلسة كانت هناك تخبطات وتخوفات من البعض حول النجاة من تلك الحرب كلما مر الوقت كان بن غوريون يخسر صوتا آخر لكن في النهاية بعد ضغوطات كبيرة مارسها بن غوريون تمت الموافقة على إعلان الاستقلال بفارق صوت واحد.

إصرار بن غوريون لذلك هو أنه كان هناك بند في اتفاقية وقف إطلاق النار لعودة اللاجئين مما لا يريده، لم يخلو أيضا من الاعتبارات الشخصية،  كان هناك تهديد من مناحيم بيغن الخصم المركزي لبن غوريون بأنه إذا لم يعلن بن غوريون الاستقلال، فإن بيغن نفسه سيعلن الاستقلال.

 

إعلان دولة إسرائيل

في 15 أيار أعلن بن غوريون عن قيام دولة إسرائيل، أسفر الإعلان مباشرة عن بدء الحرب بين إسرائيل والدول العربية المجاورة، قام بن غوريون بحل جميع الميليشيات الصهيونية لينضوا تحت منظمة جيش الدفاع الإسرائيلي.

لكن ذلك لم يمنع من الصراعات الداخلية ففي خلال الحرب كانت هناك سفينة باسم ألتالينا محملة بالسلاح لميليشيا اتسيل رغم ان هذه التنظيم حل نفسه في حينه، أثارت هذه السفينة الاعتراض من قبل قيادة الحركة الصهيونية وبن غوريون لانهم راوا فيها محاولة لمناحيم بيغين بالتسلق والانقلاب على القيادة الحالية، أمر بن غوريون بقصف السفينة التي كان يتواجد فيها مناحيم بيغن في تلك اللحظة في سواحل تل أبيب مما أدى إلى مقتل العشرات من مقاتلي الاستيل، كان ذلك الحدث سيؤدي الى حرب أهلية داخل الدولة اليهودية الحديثة، لكن انتهت القضية بعد ان منع مناحيم بيغن منظمة الاتسيل بالرد على الهاغناة وأعلن عن التزامه لكل القرارات التي تتخذها القيادة العسكرية لجيش الدفاع الإسرائيلي.

 

تلخيص الحرب

هاجمت الجيوش العربية المستوطنات اليهودية بفلسطين، كما هاجم الجيش المصري تجمعي "كفار داروم، ونيريم" بمنطقة النقب.

وفي 16 مايو/أيار عبرت ثلاثة ألوية تابعة للجيش الأردني نهر الأردن إلى فلسطين، ثم عبر لواء رابع وعدد من كتائب المشاة خلال الحرب.

آنذاك كانت الجبهة الأردنية الإسرائيلية أقوى الجبهات وأهمها، نظرا لعلو تدريبات الجيش الأردني وتكتيكاته التي مكنته من خوض ثلاث معارك كبرى (باب الورد، اللطرون، جنين). فيما عانت الجيوش العربية ضعفا شديدا في اتخاذ القرارات الحاسمة على المستوى التكتيكي، وعجزت عن القيام بمناورات تكتيكية.

 وضم الجيش الأردني نحو خمسين ضابطا بريطانيا، وألحق بالإسرائيليين خسائر كبيرة، واحتفظ بالقدس والضفة الغربية كاملة حتى انتهاء القتال.

أما الجيش العراقي فخاض معارك شرسة في مدينة جنين شمال الضفة الغربية مدعوما بمقاتلين فلسطينيين، وتمكن من إخراج كافة القوات اليهودية منها وعلى رأسها قوات الهاغانا سنة 1948. كما اقترب من تحرير مدينة حيفا بعد أن حاصرها، ولكنه توقف بسبب رفض القيادة السياسية في بغداد إعطاءه أمرا بتحرير المزيد من الأراضي.

وبدورها استولت القوات النظامية اللبنانية على قريتي المالكية وقَدَس في الجليل الأعلى جنوب الحدود اللبنانية وواصلت القتال حتى فرض مجلس الأمن على لبنان وقفا لإطلاق النار في 10 يونيو/حزيران 1948، وحظر تزويد أطراف الصراع بالأسلحة، سعيا لإيجاد حل سلمي.

وعانى الجيش المصري (أكبر الجيوش العربية في هذه الحرب) من مشاكل تنظيمية ونقص في الأسلحة، رغم أنه قاتل بقوة في معركة الفالوجة التي كانت أهم معاركه، حتى حاصرته القوات الإسرائيلية، وكان الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر ووزير دفاعه المشير عبد الحكيم عامر، بين من حوصروا.

بعدما فرض مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على لبنان قرار وقف إطلاق النار يوم 10 يونيو/حزيران 1948 وحظر تزويد أي من أطراف الصراع بالأسلحة، توقف القتال بين الجيش الإسرائيلي والجيوش العربية النظامية، فيما واصل جيش الإنقاذ عملياته العسكرية في منطقة الجليل.

تم تحديد هدنة لمدة أربعة أسابيع، وعلى الرغم من حظر التسليح أو إرسال أي قوات جديدة لجبهات القتال فإن إسرائيل لم تلتزم بهذا الشرط، وسعت لتعويض خسائرها، وانهالت عليها الأسلحة بصورة ضخمة وخصوصا الطائرات، كما تطوع كثيرون من يهود أوروبا للقتال.

خرقت إسرائيل الهدنة، تحت مسمع ومرأى من الأمم المتحدة، وزحفت جنوبا نحو الفالوجة (التي كانت بها القوات المصرية) لتوسيع رقعة الأراضي التي احتلتها وتطويق الجيش المصري المتمركز بها، وإضعاف الجبهة الجنوبية التي كانت تقترب من تل أبيب.

وفي 8 يوليو/تموز 1948 استأنف الجيش الإسرائيلي القتال في جميع الجبهات رغم محاولات الأمم المتحدة تمديد الهدنة.

ومع انتهاء الهدنة اتخذت المعارك مسارا مختلفا، وتعرضت القوات العربية لسلسلة من الهزائم مكنت إسرائيل من بسط سيطرتها على مساحات واسعة من أراضي فلسطين التاريخية.

وفي 21 يوليو/تموز توقفت المعارك بعد تهديدات من مجلس الأمن الدولي بفرض عقوبات قاسية على طرفي المعركة. وقد قبل العرب هدنة ثانية، وكان هذا القبول بمثابة اعتراف بالهزيمة.

وفي 7 يناير/كانون الثاني 1949 انتهى القتال بعد أن استولى الجيش الإسرائيلي على معظم منطقة النقب وطوق القوات المصرية التي كانت موجودة حول الفالوجة في النقب الشمالي. ثم بدأت المفاوضات في جزيرة رودس اليونانية حيث توسطت الأمم المتحدة بين إسرائيل من جانب، وكل من مصر والأردن وسوريا ولبنان من جانب آخر.

في الفترة ما بين 24 فبراير/شباط و20 يوليو/تموز 1949 تم التوقيع على اتفاقيات الهدنة الأربع، وفيها تم تحديد الخط الأخضر، وكان مجلس الأمن قد أوصى في 7 مارس/آذار 1949 بقبول إسرائيل عضوا كاملا في الأمم المتحدة. وفي 11 مايو/أيار 1949 أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه التوصية.

الكثير من المؤرخين والسياسيين ما زالوا يظنون ان القيادة العربية السياسية ارادت فعلا تحرير فلسطين من النهر الى البحر لكن هذه كذبة تاريخية، في الواقع من يقرا مسار الحرب بشكل موسع يمكنه ان يفهم بسهولة ان القادة العرب أرادوا فعليا بتنفيذ قرار التقسيم لكن دون سيادة فلسطينية بل تقسيم ما تبقى من فلسطين فيما بينها.

 

نتائج النكبة

احتلال معظم أراضي فلسطين من قبل الحركة الصهيونية، وطرد ما يربو على 750 ألف فلسطيني وتحويلهم إلى لاجئين، كما تشمل الأحداث عشرات المجازر والفظائع وأعمال النهب ضد الفلسطينيين، وهدم أكثر من 500 قرية وتدمير المدن الفلسطينية الرئيسية وتحويلها إلى مدن يهودية. وطرد معظم القبائل البدوية التي كانت تعيش في النقب ومحاولة تدمير الهوية الفلسطينية ومحو الأسماء الجغرافية العربية وتبديلها بأسماء عبرية وتدمير طبيعة البلاد العربية الأصلية من خلال محاولة خلق مشهد طبيعي أوروبي. بدأ التطهير العرقي في عام 1947 بعد إقتراح الأُمم المتحدة لقرار تقسيم فلسطين. بدأت العصابات الصهيونية بعملية دالت لبدأ التطهير العرقي علي نطاق واسع لفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض لإبطال قرار التقسيم حتي إن أرادت الأُمم المتحدة تنفيذه.

 على الرغم من أن السياسيين اختاروا 1948/5/15 لتأريخ بداية النكبة الفلسطينية، إلا أن المأساة الإنسانية بدأت قبل ذلك عندما هاجمت عصابات صهيونية إرهابية قرىً وبلدات ومدن فلسطينية بهدف إبادتها أو دب الذعر في سكان المناطق المجاورة بهدف تسهيل تهجير سكانها لاحقاً.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-11 08:02:36

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين