لم يشهد الكنيست الإسرائيلي، على مدى سبعة عقود ونيّف، أياما كهذه، فبعد ثلاث جولات انتخابية في غضون 11 شهرا، فإن شلل الحياة البرلمانية مستمر منذ ما يزيد عن 20 شهرا. ففي مثل هذه الأيام من كل عام، يكون الكنيست في عطلته السنوية الأطول، وتستمر 12 أسبوعا، إلا أنها اقتصرت حاليا على أسبوع واحد فقط، على ضوء التطورات. فرغم سن قانون منعَ حل الكنيست يوم 25 آب المنتهي، إلا أن الانطباع السائد في أروقة الكنيست هو أن الأزمة قد تتفجر في وقت أقرب من المتوقع لها، وأن المسألة متعلقة فقط بحسابات نتنياهو الشخصية، ولا أكثر.
فالاتفاق المبرم بين كتلتي الائتلاف الأكبر في الحكومة الحالية، "الليكود" و"أزرق أبيض" ترك ثغرات عديدة، ولكن الأمر الأبرز هو حالة عدم الثقة الدائرة بين الكتلتين، وبالذات بين رئيسيها بنيامين نتنياهو وبيني غانتس، فالأخير استوعب، كما يبدو، أنه لن يصل إلى رئاسة الحكومة، رغم كل التعهدات، حتى وإن وافق على كل الشروط والمسارات التي يطرحها نتنياهو.
فالاتفاق المبرم يذكر أنه حتى 23 كانون الأول سيقر الكنيست الموازنة العامة، ولكنه لم يحدد ما إذا ستكون ميزانية مزدوجة للعامين الجاري والمقبل، رغم أنه في ذلك التاريخ من المفروض أن يكون قد شارف الانتهاء من إقرار ميزانية العام المقبل؛ فنتنياهو وفريقه الضيق، يقولون إن الحديث عن ميزانية عام واحد، وليس للعام المقبل، وهذا ما رفضته كتلة "أزرق أبيض".
والقضية الثانية، أن الاتفاق يقضي بعدم القيام بتعيينات كبيرة في الجهاز الحاكم، حتى إقرار الموازنة، والقصد القائد العام للشرطة، والمدعي العام للدولة، إلا أن الليكود يصر على تشكيل لجنة تعيينات، وهو ما ترفضه كتلة أزرق أبيض.
ويقول أعضاء كنيست من القائمة المشتركة، في محادثات خاصة، إنه في اجتماعات اللجان البرلمانية، حول المواضيع الساخنة، يقف تقريبا نواب المعارضة في "موقف المتفرج"، إن صحّ التعبير، أمام الصراعات بين نواب الائتلاف أنفسهم؛ ليس فقط الليكود وأزرق أبيض، وإنما أحيانا بين الليكود ونواب كتلتي المتدينين المتزمتين "الحريديم: "شاس" و"يهدوت هتوراة"، رغم أن المنطق يقول إن الصراع يكون أساسا بين الائتلاف والمعارضة. وغالبية القرارات المهمة تتخذ بصعوبة داخل الائتلاف.
وتفيد التقارير، أن الكنيست يعمل على أساس برنامج يومي، ولا توجد رؤى مستقبلية، لأنه لا أحد يعلم كيف سينتهي اليوم، أو ماذا سيكون في صباح اليوم التالي، بمعنى صدور قرار فجائي من نتنياهو بحل الحكومة وبالتالي الكنيست.
ما يعني أن الحديث هو عن توقيت الانتخابات، إذا لم يفاجئ نتنياهو بتغيير تركيبة الائتلاف، رغم صعوبة هذا وتعقيداته، على ضوء التركيبة الحالية للكنيست.
السيناريو الأول: انتخابات في موعدين
السيناريو الأقرب لواقع حال الائتلاف، وما يجري في أروقة الكنيست، هو الانتخابات المبكرة، ولكن توقيتها سيكون بحسب احتياجات بنيامين نتنياهو، وفي مركزها محاكمته، التي من المفترض أن تبدأ جلساتها المكثفة، بواقع ثلاث جلسات أسبوعية، ابتداء من منتصف الشهر الأول من العام المقبل، للاستماع لشهود الاثبات، وبعدها جولة أخرى للاستماع لشهود الدفاع.
وحسب التقديرات، فإن هذه الجلسات ستستمر لأسابيع طويلة، ولربما شهرين وأكثر. في حال لم تتوقف المحاكمة لهذا السبب أو ذاك.
وفي حال لم يعمل نتنياهو أي شيء من أجل تأجيل جلسات المحاكمة، فإنه سيكون عليه اجراء الانتخابات في موعد يتجاوز تاريخ جلسات المحكمة، بمعنى إما في الأيام الأخيرة من العام الجاري، أو أولى أيام العام المقبل. وهذا يستوجب حل الكنيست في منتصف شهر أيلول المقبل، لكون الانتخابات تحتاج إلى 90 يوما على الأقل، من يوم حل الكنيست حتى يوم الانتخابات، وعادة تأخد وقتا أطول.
وفي حال لم يتم حل الكنيست حتى النصف الثاني من أيلول المقبل، فهذا يعني أن نتنياهو سيجر ائتلافه حتى نهايات العام الجاري، ويتوصل لاتفاق حول الموازنة العامة، الواجب إنجازها حتى يوم 23 كانون الأول المقبل، ثم يماطل لأسابيع، حتى يحل الحكومة والكنيست، ويتجه إلى انتخابات تجري في أوائل الصيف، ويكون قد تجاوز مشهد جلوسه على كرسي الاتهام في المحكمة، رغم أن المحكمة لا تؤثر على شعبيته، وهذا ما ثبت في الجولات الانتخابية الثلاث.
بالنسبة لاحتمال اجراء انتخابات في آذار، فإنه سيكون ممكنا فقط إذا نجح نتنياهو في تأجيل المحكمة.
هاجسان تساقطا الواحد تلو الآخر، من أمام نتنياهو في الأيام الأخيرة: الأول سن قانون يمنع من هو متهم ويواجه محاكمة، من تكليفه لتشكيل حكومة جديدة، فمشروع القانون الذي بادرت له كتلة "يوجد مستقبل- تلم" قبل أكثر من أسبوعين، سقط في الهيئة العامة، ولن يكون بمقدور المعارضة طرحه من جديد على الهيئة العامة، إلا بمرور 6 أشهر من يوم سقوط القانون، ما يعني في نهاية شهر شباط المقبل.
والهاجس الثاني، هو أن تفرض عليه المحكمة تجميد صلاحياته، بسبب سير المحكمة، وهذا زال بعد أن وعد المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت، بأن لا يطلب ولا يدعم طلبا من المحكمة بتجميد صلاحيات نتنياهو، إذا تعهد الأخير بعدم التدخل بالتعيينات الكبرى، خاصة الوظائف المرتبطة بتطبيق القانون، وهما: القائد العام للشرطة، والمدعي العام للدولة، وقد أعلن نتنياهو أنه ليس بنيته التدخل بتعيينات كهذه، ولكن إذ جاء يوم التعيينات، فإن أذرع نتنياهو كافية لتفعل فعله، وهو بعيد عن دائرة القرار.
نتنياهو كما قيل طيلة الفترة الأخيرة، يسعى لانتخابات مبكرة، لتغيير تركيبة الائتلاف، واسترجاع الأغلبية المطلقة لتحالفه الفوري، من دون حزب "إسرائيل بيتنا" بزعامة أفيغدور ليبرمان. ففي ائتلاف كهذا في حال تم، فإنه سيسعى للحصول على حصانة برلمانية تمنع محاكمته طالما يجلس على كرسي رئاسة الوزراء. وقد ألمح لأمر كهذا، القائد العام السابق للشرطة روني أل شيخ، في مقابلة مع صحيفة "يديعوت أحرنوت" نشرت في نهاية الأسبوع الماضي.
السيناريو الثاني: تغيير تركيبة الائتلاف
الحديث هنا أن يقنع نتنياهو كتلة "يمينا"، بأن تنضم للحكومة، وهي تحالف أحزاب المستوطنين، التي باتت تضم 5 نواب بدلا من 6 في يوم الانتخابات، بإنشقاق رئيس حزب "البيت اليهودي" لينضم للحكومة.
فهذه الكتلة هي من الحلفاء الفوريين لليكود ونتنياهو، ولكن الأخير دحرها نحو صفوف المعارضة، ثم أحدث شرخا فيها.
فلنتنياهو الآن حلف سياسي داخل الحكومة يرتكز على 56 نائبا، وهم: 36 نائبا من الليكود، وكتلة "شاس" 9 نواب، وكتلة "يهدوت هتوراة" 7 نواب، وكتلة "طريق البلاد" المنشقة عن حزب "تلم" المعارض، الذي كان شريكا في التحالف السابق لأزرق أبيض، والنائبة أورلي ليفي، رئيسة حزب "غيشر"، والوزير رافي بيرتس، رئيس حزب "البيت اليهودي".
المنطق يقول إن كتلة "يمينا" هي الحزب الأكثر معنيا بانتخابات مبكرة، خاصة وهو يرى استطلاعات الرأي تبشره بزيادة قوته بأضعاف، من 6 مقاعد في انتخابات آذار، إلى 14 وحتى 18 مقعدا، وفق استطلاعات متعددة.
فرغم ما في هذه الاستطلاعات من علامات سؤال، إلا أنها تطرح مؤشرا لزيادة جدية لهذا التحالف اليميني الاستيطاني، وعلى الأقل سيضاعف قوته مرة، وغالبية المقاعد ستكون على حساب الليكود، الذي من ناحية المستوطنين نكث حتى الآن، بوعده لفرض ما تسمى "السيادة الإسرائيلية" على المستوطنات ومناطق شاسعة في الضفة المحتلة.
كذلك فإن كتلتي "الحريديم"، "شاس" و"يهدوت هتوراة"، وحتى كتلة "طريق البلاد"، تعهدت لكتلة أزرق أبيض بأنها لن توافق على مناورة مفترضة لنتنياهو ليغير تركيبة الائتلاف، ولكن في السياسة الإسرائيلية لا قيمة لتعهدات كهذه، فمن الممكن الانقلاب عليها في لحظة. لذا فهذا السيناريو احتماله ضعيف، بسبب موقف كتلة "يمينا".
السيناريو الثالث: انشقاق في كتلة "أزرق أبيض"
تضم كتلة "أزرق أبيض" برئاسة بيني غانتس 15 نائبا، ولكنها دخلت الائتلاف كفريق يضم 19 نائبا، والنواب الأربعة، هم: نائبان من حزب "العمل"، ونائبا كتلة "طريق البلاد".
وكما أشرنا من قبل، فإن كل نواب "أزرق أبيض" باستثناء الجنرالين غانتس وغابي أشكنازي، جاؤوا تقريبا من الظل، ولم يحلم أي منهم أن يجد نفسه بين ليلة وضحاها يجلس على كرسي وزاري. وهم يقرأون الآن، استطلاعات الرأي التي تتنبأ بأن كتلتهم ستخسر على الأقل 5 مقاعد من مقاعدها الـ 15، بمعنى أن من بينهم من لن يعود إلى الكنيست في حال تم حلها والتوجه لانتخابات مبكرة، ومنهم من يعرف أنه لن يعود إلى مقعده الوزاري.
وهذا من المفترض أن يخلق حلقات ضعيفة داخل كتلة "أزرق أبيض"، تسمح لليكود بأن يحاول المناورة ويعمل على شق الكتلة لكسب ثلثها على الأقل، وقد ينجح بأكثر، إذا نشأ حال وكأنه لا مفر من انتخابات مبكرة.
ونشير هنا وفق تقارير صحفية، إلى أن محاولة كهذه كانت قبل أقل من شهرين، لكنها لم تنجح.
السيناريو الرابع: استمرار الحكومة حتى آخر يوم
استمرار عمل الحكومة الحالية حتى يومها الأخير، وفق ما تحدد لها، بمعنى حتى نهاية أيار 2023، يعني من ناحية نتنياهو، كمن يركض نحو مقلصته السياسية، ولهذا فإن هذا سيناريو معدوم كليا، وهو نسج من الخيال، لأن هذا يعني أن نتنياهو سيتجه نحو اليوم الذي يسلم فيه رئاسة الحكومة لشريكه/ غريمه بيني غانتس.
وتسليم غانتس رئاسة الحكومة ستعني من ناحية نتنياهو نهاية حياته السياسية، لأنه حتى ثلاث سنوات، ستكون المحكمة قد نطقت بحكم أولي، على الأقل. وإذا استندنا لما يقوله القائد العام السابق للشرطة روني أل شيخ في مقابلته السابق ذكرها مع يديعوت أحرنوت، فإنه لن يخرج سالما من هذه المحاكمة.
ويقول أل شيخ، إنه لولا الأدلة الدامغة التي كانت بيد الشرطة، وتدين نتنياهو، لما دخلت في مغامرة بهذا المستوى: التحقيق مع رئيس حكومة قوي وهو يزاول مهامه، وتوصي بتقديم لوائح اتهام ضده.
لذا فإن نتنياهو لن يقبل بالاستمرار في هذه الحكومة، ولا إلى يوم 21 تشرين الأول 2021، الذي يقضي اتفاق التناوب بأن يسلم نتنياهو رئاسة الحكومة لغانتس.
حسابات الانتخابات الأميركية
حسب تقديرات المحللين، فإن لدى نتنياهو قلق من الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأميركية، التي من المفترض أن تجري يوم 3 تشرين الثاني المقبل، إذ لم يتم تأجيلها. فحسب الاستطلاعات فإن شريكه دونالد ترامب ليس ضامنا للفوز، أمام المرشح الديمقراطي جو بايدن، الذي في حال فوزه، فإنه وحزبه الديمقراطي، سيكون لهما حسابات أخرى مع شخص نتنياهو، على ضوء تدخله مرتين في العامين 2012 و2016 لصالح الحزب الجمهوري.
ويرى نتنياهو أن فوز بايدن سيتوجب عليه بأن تكون لديه حكومة متماسكة، مع مواقف يمينية استيطانية حازمة، تستطيع الوقوف أمام إدارة يقودها بايدن. فالائتلاف الحالي بوجود كتلة "أزرق أبيض" من المحتمل أن تزيد الضغوط على السياسات الصقرية التي يفرضها نتنياهو.
وهذا موضوع قائم بحد ذاته، ولكن سيلعب دورا في قرارات نتنياهو بشأن حل الحكومة والكنيست مبكرا.
("المشهد الإسرائيلي"- مركز "مدار" رام الله)



.png)

.png)






.png)

