همس في أذني أحد الجغرافيّين في ديارنا: أنت تكتب الكثير عن معالم البلاد في طولها وعرضها، ولا تنسى الفولكلور الشّعبي، ولماذا تتجاهل هذه الجبال الثّلاثة المحيطة ببلدك: سبلان، الطّويل وعداثر؟
-قلت له: لقد كتبتُ ما فيه الكفاية عن كافّة معالم الوطن، وبضمنها الجبال الثلاثة!
-هذا صحيح بشكل عام، ولكن، حبّذا لو ركّزْتَ على الثلاثة معاٍ!
وللحقيقة نقول إنّ بلدتنا حرفيش تقع في بُقعة منخفضة بالنّسبة للجبال المحيطة بها من كل الجهات، ولو بدأنا حديثنا من الجنوب حيث موقع جبل سبلان، مقام النّبي سبلان وقرية النبي سبلان، صاروا ثلاثة يا رْجال! ونمشي بعكس سير حركة عقارب السّاعة فلدينا جبال:
- سبلان، رخصون، أبوغِمْر، بيت جن، المْعَلّقة/أطراف جبل الجرمق الغربيّة، طنّورية الموركة، خَلّة أبو الثّلوج/عريض الجرّود، الطويل، عداثر، وَسْط/بَعْراجة /مِستوطنة (مَتات)، تلال دير القاسي، بِرْزة، سحماتة وعودة لسبلان، صاروا ثلاثة عشر جبلاً، وكلّها تدور في فلك سلسلة جبل الجرمق الأشَم! وارتفاعاتها يتراوح بين 800- 1208 متراً.
-جبل النبي سبلان يشمخ نحو 840 متراً فوق سطح البحر، يتّخذ شكلاً كُرويّاً، وانحدارات شديدة لكلّ الجهات، أضف إلى ذلك الأودية المحيطة به، أطولها وادي الحبيس، وله أسماء متعدّدة لمقاطعه المختلفة.
تربّع مقام النّبي سبلان، عليه السّلام، في قمّة الجبل، وَزَنَّرَتْهُ قرية النّبي سبلان المُهَجَّرَة عام 1948، يُرَجّحُ أنّها أقيمت في عهد إبراهيم باشا المصري 1830 – 1840 م.
*عُدْتُ إلى أُرَيْشِفي الضّامر الخاص، مِلَفُّ قريَتَي: حرفيش والنّبي سبلان، به الكثير من الموادّ الهامّة، استناداً للمراجع الكثيرة، منها:
- وَصْفُ أرض إسرائيل للرحّالة الفرنسي فكتور جيرن 1868، تُرجِم للعبريّة عام 1977.
-مصطفى مراد الدّبّاغ، بلادنا فلسطين، كفر قرع 1988
-الموسوعات الفلسطينيّة العديدة.
-شكري عرّاف: طبقات الأنبياء، 1993.
-محمد حسن شراب، معجم بلدات فلسطين.
- كي لا ننسى/وليد الخالدي.
-مِناجِم ماركوس، جبل ميرون 1994 .
-معجم الخريطة (لكْسيكون مَفاه)، يوفال إلعزري، 2003 .
-مصطفى عباسي: قرى قضاء صفد في عهد الانتداب، 1996.
من معالم جبل سبلان البارزة: مغارة العبادة، المقام الذي يشهد عمراناً وتطوّراً، والزّيارة الدّينيّة السنويّة، (العاشر من أيلول)، المقبرة السُّنِّيّة ومعالم بعض البيوت، الآثار، التّوتة الجوزة، كروم التّين والعنب... في سفحه الشّمالي شجرات السّنديان المُقدّسة، حجر الدّعسة، الطريق التّرابي من حرفيش إلى المقام، عُدنا إلى خريطة: سبلان قضاء صفد، الصّادرة عام 1932، عهد الانتداب البريطاني، حيث الإشارة إلى مواقع الأرض المُفتلحة، مساحتها تقارب الألفَي دونم، وهي على التّوالي:
مُسطّح بناء القرية، تين صالح، العريض الشّمالي، الدّوشة، المًعَنات، الدّوّارات، حرايق العَدَس، جورة الزّعارير، الزّعْترة، العُقَد، خلّة وضّاح، وتشمل مغارة كارستيّة فسيحة من طابقَين على كتف وادي الحبيس، غربيّ وادي الطّوالة، وقربها قطع فخّاريّة كثيرة، تُشير إلى مصنع قديم كان هناك ، وعريض القِلاع، هذه المواقع كُتِبتْ باللغتَين العربيّة والعبريّة معاً، ومما يلفت الانتباه أنّ هذه المواقع على نفس الخارطة كُتبتْ كذلك باللغة الإنجليزيّة، وإلى جانب كل موقع كُتِبَ: أرض وقف، أيّ أنّ جميع الأراضي المُفتلحة هي لوقف النّبي سبلان.
وفي جولة على بقيّة المواقغ غير المُدرجة على الخارطة، نُشير إلى ألتي في أذيال الجبل، وهي في مُعظمها مُلك للحرافشة، بدءً من الملعب الرّياضي، قُرب جِسْر وادي الحبيس وَنُشَرِّق: الحرايق، الموركة، حارة العريض، ، بقايا خلوة الشّيخ: أبو حسين كايد، المعصرة المكسورة، مغارة جبر، تين عين الحلاّل/الدِّرّة، زيتونة النّبي شعيب، عين الدِّرّة ، نبعة المحفرة/، انهار الصّخر عليها مؤخّراً، عريض النّبي سبلان/ المقابل لِعين المزاريب، مازال الرّان المبني قائما، لجمع المياه المحمولة من مجرى العين على جسر خشبي فوق وادي الحبيس (إنهار الجسر في زَعْقة كبيرة في مطلع سنوات العشرين من القرن الماضي) وحوله كرم زيتون للمرحوم الشّيخ أبو علي محمد حسين الفارس، وَسَحْرة الشّيخ أبو مهنّا محمد حسين (السّحرة هي قطعة أرض مرْويّة)، نتابع غرباً التفافاً مع الجبل لنصل موقع التّوت قرب عين الرّعيش(من الفعل رعش/ارتعش، العين تنبع من سفح جبل سبلان، والتّوت قسائم أرض للمرحومَين الشّيخَين: أبو حسن زيدان غضبان وقريبه أبو نسيب محمد شنّان، هذه القسائم على كَتف جورة يوسف العميقة، وإلى جوار التّوت مغارة في حزام صخري عالٍ ثمّ نصل إلى مغارة دوشة، طولها نحو 30 متراً تنتهي بفتحة ضيّقة شرقاً، وأرض دوشة في السّفح الغربي للجبل، وهنا تٌقفل الدّائرة لنصل إلى الملعب ثانية.
من الضّرورة بمكان الإشارة إلى أن وكالة الوقف بعد حرب 1948 وتهجير السّكان، انتقلت من السّنّة إلى الدروز، بعد محادثات، مفاوضات ومحاكمات وتدخّلات مُكثّفة من أهالي حرفيش والرّئاسة الرّوحيّة للطائفة، وكان قرار من وزير الزّراعة باقتطاع مساحة 206 دونمات وتسجيلها باسم وقف النّبي سبلان، كما أقيم حيّ الجنود المُسَرّحين على السّفوح الشّماليّة والغربيّة للجبل.
*جبل الطّويل: عُلُوّهُ 996 متراً، وهناك جبل الطّويل شمال شرق مدينة المغار، رُبّما سُمّيا كذلك لامتدادهما طولاً، لم تُجرَ به حفريّات أثريّة، لعدم وجود الخُرب به، القسم الأكبر منه تعود ملكيّته لأهالي حرفيش، السّفح الشّرقي للجبل تابع لأهالي سعسع، بِه نبعة ماء/السّفح الغربي، على شكل جبل طَيّ، تجفّ صيفاً، تُعرف باسم المَصّاي، في أرض آل محمد مرعي، وهي وسط حزام صخري كبير في الجهة الجنوبيّة الغربيّة، إلى الجنوب منها50 متراً يوجد موقع: قِلاع الرّاهب، عبارة عن صخرتَين مستطيلتَين، على شكل حائطَين، طُمِر أكثرهما بالتّراب جرّاء الطّمْي والانجراف مع السّيول، مواقع أراضي الجبل هي: خلّة الزّيوان، خلّة اللوزات، الهوتة، وهي عميقة جدّاً بها طبقات، يُعشّش بها اليمام، أبو حليمة ، ثُمّ موقع قعدة الصّبّاغ، خلّة حيّة في سفحه الشّمالي مع السّفح الجنوبي لجبل عداثر.
*جبل عداثر: علوه 1006 م، الحرافشة، (لعلّها تُذكّرنا بحرافيش طيّب الذِّكْر: نجيب محفوظ) يمتلكون منه القسم الأكبر، وسفحه الشّرقي يتبع لسعسع، مواقع الحندوقة، وكانت شكاوى متبادلة بين السّعاسعة والحرافشة، قُدّمتْ للمندوب السّامي والمحاكم الانتدابيّة (أرشيف الدّولة)، وقرار توزيع الأرض المختَف عليها مناصفة بين القريتَين.
أجريت عمليات تنقيب عن الآثار في مطلع القرن العشرين في موقع/المنارة، لعلّ الاسم يذكّرنا بقرية المنارة شمالاً، وموقع المنارة غربي مدينة طبريّة، حيث مشفى طبريّة اليوم، اشارت الحفريّات إلى وجود ثلاث طبقات من العهد الرّوماني: أبنية متعدّدة الاستعمالات، مِطلاّت، فتحات دفاعيّة ضد الهجومات، صهاريج، مناكيش معدنيّة وغيرها.
مواقع أراضي الحرافشة هي: خلّة حَيّة، خلّة البيّاض، خلّة السّودا، شحاليط عداثر وهذا الموقع مُلْك عام للبلد، دون ملكيّة خاصّة، يقْسَم لأربعة أرباع، تفلحها عائلات القرية مُداورة سنويّاً.
ونزاعات الحدود بين القرى المجاورة لا تنتهي، وهذا شيء مألوف، كذلك الحال بين أهالي حرفيش، سعسع، رْميش اللبنانيّة، إلاّ أنّ مناهل المياه المشتركة تعود لتجمع بينها، كما هو الحال في عين البْدِيّة وعين قَطَمون على الحدود المشتركة بين القرى الثّلاث.
بعد حرب لبنان الثّانية 2006، أقامت اسرائيل مِنَصّة خشبيّة تذكاريّة لجنودها الذين سقطوا في الحرب، مع سِجّل بأسمائهم، ولافتات جهات تشير إلى مواقع المدن والقرى اللبنانيّة المجاورة، وما دُمنا في هذه المِنصّة المُشْرفة على لبنان الجنوبي، فحول قمّة عداثر (ويعني النّاقة العنود الحلوب)، فهناك مسار دائريّ جميل حول القمّة/حول التّكَنة العسكريّة/ يتفرّع منه في المقطع الشّرقي مسار آخر يتّجهُ شمالاً نزولا ثمّ غرباً، خيث تخوم مرج سعسع وبقايا زريبة الماعز (صيرة) لعائلة البرغوث/ سعسع، وبئر ماء لريّ المواشي، نتّجه شمالاً غربا ، حيثُ تُرْكَنُ السّيارات، في بداية موقع خلّة منصور وواديها المليء بأشجار الزّعرور والقبريش، وهذا نوع من الزّعرور الأصفر، حجمه أكبر، طعمه كطعم التّفاح البلدي.
*وما دُمنا مع الجبلَين: الطّويل وعداثر، عدا كونهما جارَين، يمُرّ بينهما وادي خَلّة حَيّة، يجمع مياههما من تُخوم مرج سعسع//الشّيخ وْهيب (مَعَرات فاعر)، وهذا هو أحد روافد وادي الحبيس الشّماليّة، يلتقي مع وادي: خلّة الزّيوان، شمال شرق حرفيش، يُسمّيان: مْسيل أبو جاجة ويلتقي مع وادي أبوخوخ الذي يصرف مياه روافد الجرمق من حرفيش وبيت جنّ.
*الدّكتور شكري عرّاف كتب: بحّارو جيوش الفرنجة إبّان الحملات الصّليبيّة على ديارنا المقدّسة، وهم في عرض البحر يُشاهدون جبلَيّ عداثر والطّويل (ثَدْيَي الجليل)، يُصوّبون خراطيم قواربهم بين الجبلَين، يمخرون عباب البحر شرقاَ، فإذا بهم في ميناء عكّا.
وقريتنا حرفيش ظُلِمتْ كثيراً في كتابة التّاريخ والجغرافيا، تجاهلها الكثيرون، فنسبوا جبل عداثر لسعسع أو رْميش اللبنانيّة، وكذلك الحال بالنسبة لجبل الطّويل، الثّكنة العسكريّة (كَمّ سعسع) مقامة على أرض السّيد خليل السّعد/حرفيش، ولدينا وثيقة من مطلع ثلاثينيّات القرن الماضي، بتوقيع المندوب السّامي البريطاني على استئجار الأرض لإقامة المُعسكر على أرض المختار خليل السّعد.
الموقعان: خلّة الزّيوان بين جبلَي خلّة الثّلوج/عريض الجرّود وجبل الطّويل، يحملان نفس الاسم: خلّة زيوان غبّاطي وخلّة زيوان حرفيش، رغم المسافة بينهما ووجود أشجار حُرجيّة كثيفة، وكذلك الموقعان خلة حيّة، بين جبلَي الطّويل وعداثر: خلّة حيّة سعسع، وخلّة حيّة حرفيش، وحرش ومجرى وادي خلّة حيّة بينهما.
الجبال الثلاثة أعلاه، أحراشها دائمة الخضرة، ما عدا المناطق الزّراعيّة المكسوّة بأشجار التّين والزّيتون، في هذه الجبال معاصر محفورة في الصّخر: المعصرة المكسورة/جبل سبلان، معاصر جبل رخصون، معصرة الشّقاق، معصرة شلوغية ، معاصر أبو نملة/جبل الثّلوج، معاصر الطّويل، معاصر جبل وسط، وكلّها من العصر الرّوماني، حدود الأراضي في هذه الجبال متشابكة بين القرى المتجاورة، وكذلك مناهل المياه المشتركة.
هنالك نفر قليل يُنْكر وجود قرية النّبي سبلان/عليه السّلام، نقول لهؤلاء ما قاله أمير الشّعراء:
وإذا أصيب القوم في أخلاقهم/ فَأقِم عليهم مأتماً وعويلا.
ورحم اللهُ امرءً عرف قدر نفسه! وأموت وفي نفسي شيء من حتّى التي حَتْحَتَتْ قلوبَ العلماء.


.png)


.png)

.png)






.png)

