أهداني صديقي الشّاعر العبريّ البارز روني سوميك مجموعته الشّعريّة الجديدة "ما أكثر الالهة" الصّادرة من "دار زموره" تل أبيب وهي المجموعة الثّالثة عشرة للشّاعر.
عرف قرّاء العربيّة روني سوميك من مجموعته الشّعرية "ياسمين" الّتي ترجمها الشّاعر سميح القاسم وصدرت عن "دار الكرمة" في حيفا، ومن مجموعته "حليب سباع" الّتي ترجمها الشّاعر سلمان مصالحة وقدّمتُها مع د. يئير حوري وصدرت عن دار "كتاب ابن لقمان" في القاهرة.
ولد روني سوميك في بغداد في العام 1951 وهاجر مع عائلته الى اسرائيل في العام 1952 ودرس الفلسفة في جامعة تل أبيب وعمل في التّدريس. وترجمت قصائده الى لغات عديدة وفي مقابلة مع الشّاعر الايرلندي شيموس هايني الحائزة على جائزة نوبل للآداب اعتبر روني سوميك "واحدًا من أفضل الشّعراء الاسرائيليّين".
وجاء في خبر ثقافيّ نشرته صحيفة "هآرتس" في 21 أيار 2018 "في نهاية المهرجان الشّعريّ انتخب الحاضرون روني سوميك الشّاعر القوميّ" وقد حظي بهذا اللقب شعراء اسرائيل الكبار الا أن روني سوميك الانسان المتواضع رفض ذلك وكتب قصيدة نشرها في هذه المجموعة بعنوان "لست أنا" أكّد فيها على أنّه ليس حاييم نحمان بياليك ولا نتان الترمان ولا حاييم غوري ولا يهودا عميحاي بل هو شاعر" يحافظ على الحق في التحليق" في سماء الشّعر.
ينشر روني سوميك قصائده في الصّحافة، وبخاصّة في الملحق الثّقافيّ لصحيفة "هآرتس" وفي مجموعاته الشّعريّة مع رسومات معبّرة بريشته فقصائده ولوحاته تعتمد على حاله يعيشها الشّاعر الفنّان من حبّ أو فرح أو حزن ويشاركه فيها المتلّقي باحساسه.
بقيت مدينة بغداد راسخة في داخل روني سوميك على الرّغم من أنّه غادرها وهو في منتصف السّنة الثّانيّة من عمره ولم يهجرها أبدًا ويقول : "أنا لا أبحث عن الجذور. أتعرف لماذا؟ لأنّني لم أفقدها. هناك أناس كثيرون ترعرعوا في بيوت شرقيّة وذات يوم قرّروا المغادرة، وتمغربوا، ولكنّهم في يوم مشمس صافٍ صحوا وتساءلوا :ألا يوجد لي بيت وتقاليد؟ فعادوا فجأة إلى الشّرق.. ويضيف: عشت في بيتنا الموجود في بغداد سنة ونصف السّنة فقط وأعرفه أكثر من خلال الصّور الّتي أحتفظ بها إنّه أجمل بيت في العالم في منطقة "الباب الشّرقيّ". بغداد أجمل مدينة في العالم مع أنّي لا أعرفها.. بغداد هي الشّرق وهي مزروعة في حديقة الخيال قريبًا من الشّجرة الغربيّة.لم افقدها أبدًا. شجرتان هما لغتان جعلتهما "خلّاطة" فمي لغة واحدة".
يلتقي القارئ في قصائد سوميك بمدينة بغداد ونهري دجلة والفرات والنّخيل والابل والخيول ورائحة القهوة وطعم التّمور وأغاني أم كلثوم وعبد الوهاب وفيروز وبالشّعراء سركون بولس وسعدي يوسف وعبد القادر الجنابيّ وآخرين.
في قصيدة "غزة- شتاء 1968" وهذا يعني بعد احتلال غزّة مباشرة تقريبًا في حرب حزيران 1967 يكتب:
"أكل أبي وأمّي سمكة في مطعم قرب البحر،
"هكذا"!!
قالا لي: كانت المطاعم على ضفّة دجلة في المدينة الّتي وُلِدتَ فيها. لم تتغيّر كلمة من أغنية عبد الوهاب الّتي تسمعها الآن.
ورائحة القهوة تسللت مثل دخان على صندوق ذهبيّ لعشيقات الملوك الّذين حكموا هنا.
وأمّا أنا الّذي شعر بوخز عظمة
من قلب السّمكة،
عرفت أن سيقان الطّاولة ذات الغطاء الأبيض خشبيّة،
لن يشفوا أبدًا من اسنان المنشار الّتي عضّتها".
قصائد روني سوميك ذات طبيعة شاعريّة متحرّكة، وهي قصائد حداثيّة عبارة عن ومضات يلتقطها ويقدّمها لنا بجمل شعريّة رائعة وبكلمات عصريّة...
"السّروة مغروسة في الأرض مثل علامة التّعجب وهي في النّهاية الجواب لكلّ من ضلّ كي يرى أثرة الطبيعة".
وتلتقي باسماء أعلام من الفنّانين والأدباء و الرّسامين والشّعراء العالميّين:
"حينما أصدر الله طبعة جديدة منقّحة للون الأصفر.
نسخ لوحة عبّاد الشّمس لفينسنت فان كوخ
ومنذ ذلك، صارت الشّمس غيّورة جدًّا!"
وفي قصيدة "في جزيرة نائية" يكتب:
"سألتني: أيّ كتاب ستأخذ معك الى جزيرة نائية؟
- سآخذ "الجريمة والعقاب" الى جزيرة الشياطين، وسآخذ "أليس في بلاد العجائب" الى جزيرة الكنز، وسآخذ "لوليتا" الى جزر العذراء، وأمّا الى الجزيرة الّتي لم تُكتشف بعد سآخذك معي.
وأقلّب الصفحات."
وتبرز نظرته الطّبقيّة من قصيدة "غيرة" الّتي استوحاها من طفولته:
"غِرتُ من البنات اللائي أتين
من أحياء الأغنياء،
مع حقائب عزف حمراء
وأنامل هجرت بيانو السّيّدة فاني جارتنا،
وعن بعد عدّة حيطان
كان يمكن سماعها وهي تتوسّل الا يعذّبوا موتسارت.
قال لي أبي:
قل للفتيات أنّي لا ألزمك بدراسة العزف على البيانو.
وافهم يا بنيّ أن كلمة "خبز"
تظهر في القاموس قبل كلمة موتسارت."
وهو كعادته يهدي مجموعته لزوجته ليئورا وابنته الوحيدة شيرلي فيكتب:
"بين سمكات القرش الّتي تسبح في محيط اللغة
تختبئ سمكة صغيرة اسمها "الحبّ"
وقد سدّت الطوفان القادم لهذا العالم."
كتب الشّاعر محمد حمزة غنايم قبل ثلاثة عقود: كانت طريق سوميك واضحة منذ البداية ومضمونة، وقد أعجبتني أشعاره وكنت أوّل مترجميها الى العربيّة ففي كلّ مرة يكتب قصيدة جديدة أحس كم انا قريب من هذا الشّاعر فهو يحكي بمفردات من عالمي أيضًا.
وهذا كلام صحيح فسوميك يكتب مثلًا عن فتاة من وادي عارة ويكتب عن العلم الفلسطينيّ ويكتب ضدّ الظلم والاحتلال وتشعر بالحياة العربيّة في قصائده.
صديقي الشّاعر روني سوميك مثقف وفنّان وشاعر حداثيّ يرسم كلماته الطّالعة من قلبه ومن قلمه وريشته فتتسلل هذه الكلمات الى روح المتلّقى وينتشي بها.
كلّما قرأت قصائد سوميك شعرت بمتعة فنيّة وقد ترافقت معه في لقاءات أدبيّة مع التّلاميذ العرب واليهود في مدن عربيّة ويهوديّة عديدة وكلّما سمعته أحببته أكثر وأعجبت به أكثر.



.png)

.png)






.png)

