شركات النفط تخفي الأضرار الحقيقية لصناعة النفط منذ الستينات| ليانا خوري

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

تتصاعد في السنوات الأخيرة مبادرات من دول مختلفة للتقليل من التلوث البيئي الذي يهدد حياة الملايين سنويًا في أنحاء العالم. وتتأصل جذور أزمة البيئة والمناخ والاستدامة التي يواجهها العالم اليوم في التطورات العالمية التي امتدت على مدى عقود طويلة. وبالطبع بالنظر إلى المستقبل، يبدو أن هذه التطورات العالمية ستستمر وتضيف هذه الحقائق مجتمعة تحديًا عميقًا بالنسبة للعالم أجمع.

لقد كشفت وثائق نشرتها صحيفة "الغارديان" مؤخرًا أن الشركات العاملة في مجال صناعة والغاز كانت تدرك منذ عقود أنها تسببت في كميات كبيرة من تلوث الهواء.

وفقا لتقرير الصحيفة البريطانية، فإن التلوث الناجم عن حرق الوقود الأحفوري يشكل مخاطر جسيمة على صحة الإنسان، يمكن أن تترسخ في أعماق الرئتين، وحتى أن عمال تلك الشركات قد يواجهون تشوهات خلقية لدى أطفالهم.

لكن هذه المخاوف من الأضرار الصحية الناجمة عن تلوث الهواء، لم تجعل شركات النفط والغاز ووكلائها تحرك ساكنا، بل تتم إثارة الشكوك حول الكم المتزايد من المعرفة التي تربط حرق الوقود الأحفوري بمجموعة من المشاكل الصحية التي تقتل ملايين الأشخاص حول العالم كل عام.

فقد أطلق المهتمون بصناعة النفط والغاز سيلا من المواد التي تهدف إلى إثارة عدم اليقين بشأن الضرر الناجم عن تلوث الهواء واستخدامها لردع المشرعين الأميركيين من وضع قيود إضافية على هذه الملوثات.

خلال الشهر الماضي، قدر فريق من الباحثين الأميركيين والبريطانيين أن ما يقرب من 1 من كل 5 حالات موت في جميع أنحاء العالم كل عام ترجع إلى تلوث الجسيمات، وهو رقم مذهل للوفيات أكبر من تلك الناجمة عن فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) والملاريا والسل مجتمعة. أشارت البيانات إلى أن 350 ألف حالة موت مرتبطة بالتلوث تحدث فقط في الولايات المتحدة.

وبينما تحسنت اتجاهات تلوث الهواء بشكل عام في العقود الأخيرة في الولايات المتحدة، يتركز التلوث غالبا في المجتمعات الفقيرة بين الأشخاص الملونين.

في عام 1967 وعبر المذكرات والتقارير الداخلية، أقرت “إمبريال أويل”، وهي شركة تابعة لشركة “إكسون”، بأن صناعة البترول هي “مساهم رئيسي في العديد من الأشكال الرئيسية للتلوث” وأجرت دراسات استقصائية “للأمهات اللائي يشعرن بالقلق من آثار الانبعاثات الدخانية المحتملة”.

وفي تقرير فني داخلي في عام 1968، ذهبت شركة "شل" إلى أبعد من ذلك، محذرة من أن تلوث الهواء “قد يكون في الحالات القصوى ضارا بالصحة” والاعتراف بأن صناعة النفط “هي إلى حد بعيد أكبر مصادر تلوث الهواء”.

يذكر التقرير أن ثاني أكسيد الكبريت، الناتج عن احتراق الزيت، يمكن أن يسبب “صعوبة في التنفس”، بينما ثاني أكسيد النيتروجين، المنبعث أيضا من المركبات ومحطات الطاقة، يمكن أن يتسبب في تلف.

في غضون ذلك، فإن الجزيئات الصغيرة المنبعثة من الوقود الأحفوري لها آثار صحية خطيرة، كما يعترف تقرير “شل”؛ لأنها يمكن أن تنقل السموم، بما في ذلك المواد المسرطنة “إلى أعماق الرئتين”.

لطالما كانت آثار حرق كميات كبيرة من الفحم والنفط والغاز من المصانع والسيارات وغيرها من المصادر واضحة منذ فترة طويلة، حيث كانت المدن الكبرى في الولايات المتحدة وأوروبا تشهد انبعاثات دخانية كثيفة قبل ظهور قوانين الهواء النظيف الحديثة.

بحلول عام 1980، كانت "إمبريال أويل" حددت خططًا للتحقيق في حالات الإصابة بالسرطان و"العيوب الخلقية بين ذرية العاملين في الصناعة".

خبراء "إيسو" التابعة لشركة "إكسون" أثاروا في الوقت نفسه "إمكانية تحسين التحكم في الجسيمات” من خلال تصميمات السيارات الجديدة للحد من انبعاث التلوث الضار.

بعد 10 سنوات، ذكر تقرير داخلي لشركة “إكسون”: “لقد أصبحنا أكثر وعيا بالآثار المحتملة التي تحدثها عملياتنا على السلامة والصحة”.

أستاذة الإحصاء الحيوي في جامعة هارفارد، فرانشيسكا دومينيتشي، قالت إن هناك "دليل ثابت وقوي للغاية، بين الجسيمات الدقيقة والأضرار التي تلحق بالصحة”.

وأضافت: "هناك أيضًا عدة أدلة على أن كثيرا من الناس يموتون في الولايات المتحدة بسبب التعرض للجسيمات الملوثة هذا التلوث ضار للغاية ويلزم تنظيم أكثر صرامة”.

ووجدت دراسة أجرتها جامعة هارفارد أن تلوث الهواء مرتبط بنتائج أسوأ للأشخاص المصابين بكوفيد-19. وذكر التقرير أن شركات النفط، رغم وعيها التام بأضرار صناعتها، استمرت في التشكيك علنا في الدراسات العلمية التي تناولت أضرار الوقود الأحفوري، فشركة إكسون مثلا وصفت عام 2009 الأدلة حول أضرار الجزيئات بأنها غير موثوق فيها ومضللة”.

 

//لإصلاح الاجرام البيئي المتصاعد

لقد تم الاعتراف أخيرًا بأن التغير العالمي للمناخ يتطلب جهودا قصوى، وتعاونا مشتركا من جانب جميع البلدان، وضرورة وجود استجابات دولية فعالة.

إن وجود مبادئ وأحكام وفقًا لميثاق الامم المتحدة، الذي يتضمن الحق السيادي في استغلال الموارد الخاصة، كما يقع على الدولة المسؤولية الكاملة في وجوب ان تكون الأحكام صارمة وأن تنطبق على جميع البلدان المخالفة.

ولمواجهة تغير المناخ وآثاره السلبية، تبنت 197 دولة اتفاق باريس في مؤتمر الأطراف 21 في باريس في 12 كانون الأول/ديسمبر 2015. دخل الاتفاق حيز التنفيذ بعد أقل من عام، ويهدف إلى الحد بشكلٍ كبير من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية والحد من زيادة درجة الحرارة العالمية في هذا القرن إلى درجتين مئويتين مع السعي إلى الحد من الزيادة إلى 1,5 درجة، ولغاية اليوم، انضمت 189 دولة إلى اتفاق باريس.

يتضمن الاتفاق التزامات من جميع الدول لخفض انبعاثاتها والعمل معاً للتكيف مع آثار تغير المناخ، وتدعو الدول إلى تعزيز التزاماتها بمرور الوقت. يوفر الاتفاق طريقًا للدول المتقدمة لمساعدة الدول النامية في جهود التخفيف من حدة المناخ والتكيف معها مع إنشاء إطارٍ للرصد والإبلاغ الشفافَين عن الأهداف المناخية للدول.

اتفاق باريس يمثل بداية تحول نحو عالم منخفض الكربون، ولا زال هناك الكثير مما يتعين القيام به. يعد تنفيذ الاتفاق أمراً ضرورياً لتحقيق أهداف التنمية المستدامة لأنه يوفر خارطة طريق للإجراءات المناخية التي من شأنها تقليل الانبعاثات وبناء القدرة على الصمود مع تغير المناخ.

إن التعامل مع الأزمة البيئة لم يصبح فقط أحد المواضيع الأساسية التي يرتكز عليها المرشحون في خطاباتهم الانتخابيّة، بل أيضّا بات الورقة الرابحة للفوز في الانتخابات. فمثلًا في الأسبوع الماضي فاز حزب يساري بيئي في جزيرة غرينلاند في الانتخابات بسبب رفضه لمخطط في الحكومة السابقة من شأنه أن يؤثر سلبًا على البيئة.

للوهلة الأولى نعتقد أن العالم أدرك عمق مخاطر انبعاثات الغازات السامة فقط في العقدين الأخيرين، وأن العالم يعيش في أزمة بيئية حقيقية في السنوات الأخيرة. ولكن هل بالفعل استطاع العالم البدء في التحرك وتشريع قوانين حقيقية تكبح المسؤولين عن هذه الأزمة؟

إذا نظرنا الى تاريخ الحركات البيئية نجد أن جذورها تعود الى أكثر من مائة عام، وتكمن أصول الحركة البيئية في الاستجابة للمستويات المتزايدة من التلوث الدخاني في الغلاف الجوي الناتج عن الثورة الصناعية. أدى ظهور المصانع الكبرى والنمو الهائل المصاحب لاستهلاك الفحم إلى مستويات غير مسبوقة الى تلوث الهواء في المراكز الصناعية؛ وأُضيف حجم التصريفات الكيميائية الكبير بعد عام 1900 إلى الحمل المتزايد من النفايات البشرية غير المعالجة. أُصدرت أول قوانين البيئة الحديثة بشكل موسّع تحت الضغط السياسي المتزايد من الطبقة الوسطى الحضرية، على هيئة قوانين ألكالي البريطانية لعام 1863، المخصصة لضبط تلوث الهواء الضار المنطلق من عملية لوبلان الصناعية المنتجة لرماد كربونات الصوديوم.

وللختام، هل ستستطيع خطوات الحكومات المتبجحة بالنيو ليبرالية اصلاح الاجرام البيئي المستمر والمتصاعد منذ عشرات السنين؟ وخاصة بعد أن بدأ العالم بالفعل دفع ثمن الجشع الرأسمالي على جميع الأصعدة؟

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين