(مُهداة إلى الروائية المُبْدعة التي حملت بيروت الحقيقة والمُسْتَشْرَفة في رواياتها.. غادة السّمان )
" سيجدُ النقيضُ النقيضَ /وينشجان نصف يوم معًا/فالسماءُ والجحيمُ ما يزالان رَفيقَيْ طُفولةٍ (بيتير فيريك - ترجمة: توفيق صايغ).
قمرُ بيروت حزين، وبيروتُ وجيعة، قيثارتُها مُحَطّمَة ونايُها حَزينٌ، سماؤها رماديةٌ مسفوعةٌ بأعمدة الدخان والحرائق والغربان والمسوح السود، بعد انفجار مرفئها وكارثة أهلها. وهذه الفيروزة الحزينة المنحوتة بكلمات الشاعر الراحل جوزيف حرب مرايا لبيروت الثكْلى اليوم "لبيروتَ من قلبي سلامٌ لبيروت /و قُبلٌ للبحر و البيوت / لصخرةٍ كأنها وجه بحارٍ قديمِ... لبيروت مجدٌ من رمادٍ / لبيروت من دمٍ لولدٍ /حُملَ فوق يدها / أطفأت مدينتي قنديلها.. أزهرت جراحُ شعبي أزهرتْ.. دمعة الأمهات.. أنتِ بيروت لي أنتِ لي أه عانقيني".
إنّها لازمةٌ لا بل مزمورٌهامّ في سيمفونية لبنان الثاكلالمعمّد بالفواجع، والململم رماده وجناحيه، والصاعد دومًا من الموت كطائر الفينيق.
"طواحين بيروت" المتماهية مع رواية توفيق يوسف عوّاد تطحن موتًا جماعيًا وتأكلُ أَهْلَها، بيروت تعيشُ أعراسَ دمٍّ، بيوتٌ هُدمَتْ على ساكنيها، أبرياء التهمتهم النيران في أشلاء البيوت والمحلات والسيارات والشوارع، أناسٌ في عداد المجهولين ، جثثٌ تحت الركام، بناياتٌ مُضيئة أضحت حُطامًا وشظايا، ومشرّدون بلا عدد تحت سماء الغبار بلا ماء وبلا غطاء، والجنازات والمآتم هي المشهدُ البيروتيُّ الطاغيّ. النارُ ترقصُ والموت يُزهر، تاركًا وجعًا ودموعًا حرّى.. رائحةُ الموت تفوح من حروف الشعرومن مغاور الكلمات، وحجل صنّين وعنادل الزجل في صمت رهيب.. وصوت فيروز "موسيقيي دقوا وفلوا والعالم صاروا يقلوا/ودايمًا في الآخر في آخر في وقت فراق" يشقّ عُبابَ الدخان راسمًا بيروت الحاضر، لا بيروت التي سُرِقَتْ مِنْ زمن الحرب.
بيروت الكَلْمى متّشحة بالسّواد وجراحها وجيبة. صوت فيروزالهابط من السماء والموزّع بين الغيوم السوداء يحمل كلماتٍ حزينةً ونغمَ الوداع. بلد الأرز والعبهر الوَسْنان يعيش فصولًا من مسرحية كافكاوية، الناس مصعوقون كأنّهم داخلون في جحيم دانتي المسكون بالرعب والذعر. يهربِ القمرُ من عيون الأطفال، تفرّ الأحلام.. وتسكن الكوابيس والأشباح قلب بيروت. لبنان ياقوت الشرق اللازوردي، وخميرة الثقافة العربية، ووطن المبدعين والشّعر والفنّ وحامل " المعذّبون في الأرض " يغفو على جثث قتلاه، بعد أن كان يغفو على أزهار الدفلى والقرنفل وموسيقى الرحابنة المجبولة بصوت فيروزه.
لبنان في عيون شعرائه.. شذرات
حمل شعراءُ لبنانَ وطنهم شمعةً مُضيئةً في غُرْبَتِهِم القَسْرية طافوابها وراءَ البحارِ بَحْثًا عنْ لقمة العيش الكريمة، مجبولة بالعزّة والأنَفَة والإباء، عَمَلًا بقول الشّاعر العربيّ القديم "سـأجـوبُ الأرض أبـغـيـه حـلالًا لا حــرامــا/فلعَلّ الظّعْنَ يَنْفي الفَقْرَ أوْ يُدْني الحِماما"، كما في شعر فوزي المعلوف (1899-1930) " قسمًا بأهلي لم أفارق عن رِضىً / أهلي وهم ذُخري وكلّ عمادي / لكن أنفتُ بأنْ أعيشَ بموطني / عَبْدًا وكنتُ به من الأسْياد " أمّا شاعر المهجر إيليا أبو ماضي (1889 -1957) فقد وصفَ لبنانَ وطنَ النّجوم ومحطّ الجَمال " وطنَ النجومِ: أنا هُنا / حدّقْ، أتذكرُ مَن أنا؟...... عاشَ الجمالُ مشرّدًا /في الأرضِ يَنشُدُ مسكنا / حتّى انكشفتَ له فألقى /رحلَه وتوطّنا / واستعرضَ الفنُّ الجبالَ /فكنتَ أنتَ الأحسنا، لله سرٌّ فيكَ، يا / لِبنانُ، لم يُعلنْ لنا "كما قال ممتدحًا خلوده وسَرْمَديَتَهُ " اثنان أعيا الدهرُ أن يبليهما / لبنان والأمل الذي لذويه ".
ما أشبَهَ الليلةَ بالبارحةِ! صورة لبنان في عيون أبنائه الشعراء المهجريينوالحداثيين ارتسمت كما هي اليوم، مُكْفَهرةً وباهتةًلكنّها مسكونة بالحبّ والقلق عليه. هذا ما ورد في "لعينيك يا لُبنان" المنشورة عام 1916 للشاعر القرويّ رشيد سليم الخوري "لنا وطنٌ هلّا سمعنا نحيبَهُ / وهلا رأينا ضُعْفَهُ وشُحوبَهُ / أنأسو صحيحًا في غِنىً عن دوائنا / ونجفو عليلًا قدْ أضاعَ طبيبَه /.... لِعًيْنَيْكَ يا لُبْنانُ قوتي وقوَّتي / وَتَعْرِفُني غضّ الشبابِ رَطيبَهُ / لأنْتَ حبيبي قَبْلَ كلّ حبيبة /وإنّي محبٌّ لا يَخونُ حبيبَهُ" ولبنان في قصيدة أخرى للقرويّ " وقفة على الشاطئ " موضع قداسة وهيكل الجمال: "يا لشوقي إلى محاسن قُطرٍ / هبط الوحيُ فيه والإلهامُ / وكرومٍ إذا مرّ فيها غريبٌ / يتوارى من وَجْهِهِ الكرّامُ /لَوْ قَضَمْتُ الرغيفَ فيه قَفارًا /فالرِضى والسّرورُ نِعْمَ الأدامُ". وهو عند الشاعر وديع عقل مفخرة ومنارة تعلو النجوم " أنا مَنْ يرى لُبْنانَ فَوْقَ حياته /ويرى منارَ النَجْم دونَ مناره ". وعندَ الأخَوَيْن رحباني" لُبْنانُ الكرامي و الشعب العنيد /كيف ما كنت بحبك بجنونك بحبك / و إذا نحنا إتفرقنا بيجمعنا حبُّك /و حبة من ترابك بكنوز الدنيي " وهو أيضًا امتداد من الأرزة لآخر الدنيا تعبيرًا عن عصا الترحال التي حملها اللبنانيّ السندباديّ في أرجاء المعمورة "من تحت هالأرزة لآخر هالدنيي/ نهر الرجال يسافر و يسقي الدنيي".
ولبنان عند سعيد عقل صاحب النزعة الفينيقية وحامل شعار "لَبْنَنَة العالم" لُبْنان هو الأحلى و "لُبنانُ إنْ حكى" هو العالم أجمع "و من أنا لا تسَلْ سمراء منبتها في ملتقى ما ألتقت شمس و شطآن / لي صخرة علقت بالنجم أسكنها طارت بها الكتب قالت تلك لبنان". بينما عند خليل حاوي( 1919-1982 ) الشاعر الذي انتحر غداة الاجتياح الإسرائيليّ للبنان "إنّ في بيروتَ دنيا غَيْرَ دُنيا /الكدحِ والموتِ الرتيب.. / وجحيمي في دمي، كيف الفرارْ /وأنا في الصبح عبدٌ للطواغيتِ الكبارْ.. ".
لبنان بين جبران وناسك الشخروب
عاش جبرانُ في نيويورك، أثناء الحرب العالمية الأولى، قلقًا على أهله في بلاد الشّام من الموت والجوعِ الذي حلّ بهم، فقد كتب في "النفائس العصرية" -1 تشرين الأوّل 1921 تحت عُنوان (ماتَ أهلي ) "مات أهلي وأحبّائي وغمرتِ الدموعُ والدماءُ هضبات بلادي وأنا ههنا أعيشُ مثلما كُنْتُ عائشًا عندما كان أهلي وأحبّائي جالسين على منكبي الحياة وهضبات بلادي مغمورةٌ بنور الشمس. ماتَ أهلي جائعين، ومنْ لمْ يَمُتْ منهم جوعًا قضى بحدّ السيف". جُبران المسكون بحبّ لُبنان حتى النّخاع والذي قال فيه "لو لم يكُنْ لُبنانُ وطني لاتّخذتُ لُبنانَ وَطَني"، نشرَ قبل مائة عام، في 8 تشرين الثاني 1920 في جريدة الهلال، مقالته المشهورة (لَكُمْ لُبْنانُكُم ولي لُبناني)، التي تليق لأيامنا والتي هاجم فيها رجالَ السياسة قائلًا: "لُبنانُكُم عُقْدَة سياسية تُحاولُ حلّها الأيامُ، أما لُبناني فتلول تتعالى بهيبة وجلال نحو ازرقاق السماء. لُبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي.. لُبنانُكم حكومةٌ ذات رؤوس لا عدادَ لها.. لُبنانكم مربعات شطرنج بين رئيس دين وقائد جيش.. " أما ناسك الشخروب ميخائيل نعيمة، فقد كتب في سيرة حياته (سبعون) ج3 ص211 بحدّة وجرأة موقفه الساخر من استقلال لبنان " إنّي لأربأ بك تحطّ محكومك لترفعَ حاكمَكَ. وتعزّ حاكمَكَ لتُذلّ محكومَكَ. وأربأ بك تموّه عبوديّة في باطنك باستقلال في ظاهرك، وتجعل من بنيك طبقات تعلو فوق طبقات، وصفوفًا تجثو أمامَ صُفوف، وصغارًا يبخّرون لكبار. ثمّ ترضى بأن تقول وأن يُقالَ عنكَ : "لقد استقلّ لُبنانُ! وكيف تستقلّ من الغير يا لُبنانُ إلّا أن يستقلّ الغيرُ منكَ؟.. " ويسترسل نعيمه في هجومه " ذلك اللبناني عينه تكشّفَ بعد الاستقلال عن رجل يفهم الاستقلال على أنّهُ استغلال، والخدمة العامّة على أنّها وسيلة للرشوة ولتحقير المخدوم وتذليله، والذكاء على أنّهُ مكر وغشّ ودهاء...". لبيروت الثكلى السّلام!



.png)

.png)






.png)
