شهادات على القرن الفلسطيني الأول: ملامح لسيرة ذاتية تعدّتها لما هو أوسع وأشمل| رشيد عبد الرحمن النجاب

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

يقدم الصَّحَفي إلياس نصرالله شهاداته على القرن الفلسطيني الأول من خلال هذا الكتاب الصادر عن دار الفارابي عام 2016 في نحو 700 صفحة من القطع الكبير،  إلياس نصر الله ابن شفاعمرو  في جليل فلسطين، والذي نهل من ثراها وأجوائها، وتفاعل مع أهلها و نما وترعرع بينهم، وعاش طفولة وصفها بأنها "مجبولة بالسياسة"، شاهد تغيرات متنوعة الشكل، شديدة الوقع صاخبة الايقاع،  فترسخت شهادات رصدتها عين الطفولة الفضولية المستكشفة المراقبه في الذاكرة، وشكلت مع الخبرات اللاحقة نواة لهذا العمل التوثيقي الرائد،  ولم تكن  هذه الشهادات لترقى إلى هذه السوية دون الجهود البحثية  التي بذلها الكاتب، والتي اعتنت بأدق التفاصيل.

جاء هذا الكتاب في تسعة عشر فصلاً تباينت أطوالها ولكنها تسلسلت في سياق مواز للأحداث تاريخيا مع بعض المراوحة جيئة وذهابا بهدف إكمال بعض الصور التي امتدت لتشمل أزمنة وأماكن متعددة.   وتمضي الوقائع على مدى طيف زمني عبر عنه عنوان الكتاب وهي الفترة الممتدة من نهايات الامبراطورية العثمانية في بدايات العقد الثاني من القرن العشرين وحتى نهايات العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

قد يرى البعض في هذه الشهادت سيرة ذاتية، وهي وإن احتوت على الكثير من ملامح هذا النوع من الكتابات، إلا أنها تعدت هذا الوصف إلى ما هو أوسع منه وأكثر شمولا، حيث غاب الشأن الشخصي تماما في الكثير من الفصول، وبرز الكاتب خلال السرد راويا للأحداث وشاهدا عليها، إضافة إلى كون المضامين شاملة في طبيعتها وتتضمن الكثير من المواضيع ذات الأهمية التاريخية، والاجتماعية والسياسية.

سار الكاتب كما أسلفت موازيا للحدث التاريخي، متكئا على محطات مفصلية، وأخرى صغيرة لكن أثرها عميق، موضحا التغيرات التي طرأت على حياة الناس ومصائرهم، مصورا حياتهم قبيل وأثناء وبعد تلك الأحداث، من هذه الصور ما يتعلق بالأسرة والبلدة، وأخرى تغطي المشهد العام للحياة في فلسطين، وبالرغم من كثافة الأحداث وعمقها إلا أن الكاتب وثقها بسلاسة، فليس من السهولة أن يضمن أحداثا بهذا الزخم بين دفتي كتاب وإن بدا كبيرا.

أفول الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى، ودولة الانتداب البريطاني تملأ المشهد حضورا ظاهره حضاري تمثل ببعض المظاهر والتغييرات في التعليم والمواصلات والقليل جدا في الصحة، وفي باطنه تنفيذ مخططات وعد بلفور، وحضور يزداد ظهورا للمهاجرين اليهود، ثم مواجهات وإضراب يجهض في عام 1936، وحرب عالمية ثانية، مواجهات وتهجير، ثم من النكبة إلى النكسة إلى أحداث دموية هنا وهناك إلى أدق التفاصيل وأصغرها، تفاصيل عايشناها وأخرى سمعنا عنها، وثالثة نخشى مجرد تذكرها.  ثمة محطات شهدت ارتفاعا لمعنويات الناس ولكنها محض محطات تاه تأثيرها في خضم ما عصف بالمنطقة من أجواء.

كان الحديث عن هذه المشاهد مستمدا في معظمه مما سمع من الكبار في السن من السيدات والرجال من أقاربه وأهل بلده، ثم ازدادت مشاهداته ومشاركاته في تصوير المشاهد ونقلها، حيث نقل للقارىء تفاصيل حياة الناس قبل وأثناء النكبة، وما تبعها من هجرة إلى لبنان، تلتها عودة إلى فلسطين تعكس التمسك بالأرض، ومحاولات أخرى لكثيرين قضوا في سبيل تحقيق هذه الرغبة، وصور لأحوال الناس في الشتات، يسألون عن بعضهم، يحاولون، يتواصلون ويبتكرون طرقا للتواصل مع من لم تدهمهم آلة الموت.

مع حرب حزيران 1967 ينتقل إلى القدس طالبا ثم ناشطا متطوعا، ثم مشاركا نشطا في الأحداث إلى الحد الذي حرمه من زيارة الضفة الغربية، وقطاع غزة، والمرتفعات السورية، في أحكام متتالية متجددة، وفي حديثه عن هذه المرحلة:

  • وصف تواصله مع شبكة واسعه من الأصدقاء من الكتاب والشعراء والفنانين، الذين كانوا يعيشون في القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت دائرة الأصدقاء تتسع باستمرار لتشمل الكثير من رؤساء البلديات والسياسيين والفنانين الذين كان لهم دور بارز في تفاصيل الحياة السياسية في فلسطين في سبعينيات القرن الماضي مثل الانتخابات البلدية في الضفة الغربية. وإجهاض مشروع الإدارة المدنية. علما بأن هذا الوصف اعتمد الصيغة الإنسانية الحميمة بدلا من الصيغة الرسمية التقريرية.
  • تناول حادثة اختطاف واغتيال الصَّحَفي "يوسف نصري نصر" صاحب ومؤسس جريدة الفجر، بكثير من التفاصيل المتعلقة بمحاكمة بعض المتورطين فيها. ملقيا الكثير من الظلال والتساؤلات على الكيفية التي عقدت فيها والنتائج التي وصلت إليها.
  • تحدث عن مشاركته في تنشيط الصحافة الفلسطينية من خلال تجربتين، هما "جريدة الشعب"، ثم جريدة "الفجر" وما كان لهما من أثر إعلامي توعوي من خلال تبني نهج مختلف عن الصحف السائدة في حينه، ووصف كيف كانت جريدة الفجر" هي التي تقرر المزاج السياسي العام في الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي الوقت نفسه تعكس المواد المنشورة فيها مزاج هذا الشارع".
  • وأشار إلى تقدمه بطلب ترخيص صحيفة ثالثة هي "الطليعة" بعد الانقلاب الذي حدث في جريدة الفجر لتملأ الفراغ الذي نجم عن هذا الانقلاب وتلبي حاجة الناس إلى متابعة الأمور التي تهمهم ووصف الصعوبات التي عانتها جريدة الطليعة من وقت كونها مجرد فكرة إلى حين صدورها وانتشارها.
  • تحدث عن مشاركة نشطة في العمل السياسي والصحفي و الذي كان مدخلا للتعامل مع مكتب المحامية اليهودية الشجاعة،الصديقة للشعب الفلسطيني "فيليتسيا لانغر" التي وثقت بعض تجاربها في الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين ومحاولة إطلاق سراحهم أو  محاولة منع إبعادهم، وتحدث عن توثيقها للكثير من هذه التجارب في عدد من الكتب لعل أبرزهم كتاب "أولئك إخواني"،  وتحدث عن  تجاربه التي شارك فيها في هذا السياق بصفته الصحفية، في حضور محاكمتين هامتين للراحلين الأستاذ بشير البرغوثي مسؤول التنظيم الشيوعي في الضفة الغربية، الذي أصبح رئيسا لتحرير جريدة الفجر والمطران هيلاريون كبوتشي.
  • وصف تجربته في عالم الطباعة والنشر، والذي أثمر إعادة طباعة ونشر العديد من الكتب الفلسفية والفكرية، العالمية والعربية إضافة إلى العديد من الروايات والأشعار من خلال مكتب صلاح الدين في القدس الذي كان إلى هذا ملتقى للأدباء والكتاب وأصحاب الفكر من كل من فلسطين المحتلة عام 1948 والجزء الآخر من فلسطين المحتل عام 1967.  وشمل الكتاب على صور من الضغوط والملاحقات الأمنية التي تعرض لها مكتب صلاح الدين بوسائل عديده.

بعد أن صدرت الطليعة، تطلبت الظروف العائلية لإلياس نصر الله أن يغادر ليستقر في لندن ويبدأ من هناك مرحلة جديدة من العمل الصحفي، في ظروف مختلفة.

تحدث في هذه المرحلة عن تجربته في العمل الصحفي مع الجرائد العربية في بريطانيا ومنها جريدة الجزيرة وجريدتي الشرق الأوسط والحياة التابعتين للشركة السعودية للأبحاث والتسويق والتي عملت فيها زوجته أيضا مشيرا إلى مناصبتهم العداء من قبل هذه الشركة وإجبار زوجته على ترك العمل لنشاطاتها النقابية. 

كما تحدث عن معرفته بالراحل ناجي العلي الذي غادر الكويت ليستقر في بريطانيا، حيث ألقي الضوء على أبرز معالم مسيرة هذا الفنان، ورسوماته وأفكاره وجرأته في التعبير عن رأيه، وما تلقاه من تهديدات صريحة إلى حين تعرضه للاغتيال بحادث أودى بحياته بعد خمسة أسابيع من إصابته دون جهود حقيقية من الجهات الرسمية البريطانية للكشف عن الجناة.

كما تعرض الكاتب لموضوع نيل الكاتب الفلسطيني إميل حبيبي لجائزة الآداب الإسرائيلية بترشيح من عدد من الكتاب اليهود، وتردده في قبول هذا الترشيح إلى أن تلقى موافقة من الرئيس الراحل ياسر عرفات، وقد أثار قبوله لهذه الجائزة الكثير من الجدل، وكان أبرز من عارضه الشاعر الراحل محمود درويش، إلا موفقه هذا لم يمنعه من المشاركة في وداع إميل حبيبي يوم رحيله ويوم تأبينه، وشارك في المراسم بتفاعل ملحوظ. كما أن مؤلف الكتاب، لم يشجعه على قبول هذه الجائزة لا هو ولا زوجته، وكان المؤلف قد أفرد فصلا خاصا للحديث عن علاقته بحبيبي مشيدا بكتاباته، وشخصيته المرحة المحبوبة من الجماهير.

وفي سياق العمل الصحفي وما يترتب عليه من مواقف محرجة أحيانا، أشار الكاتب إلى بعض هذه المواقف التي تعرض لها، ومنها الخبر الذي  كتبه  في جريدة الشرق الأوسط عن  نوايا عقد اتفاق بين الأردن واسرائيل، والذي  نفته السفارة الأردنية في حينه وأثار غضب رئيس التحرير، إلا أن الصحف الأردنية أعادت نشره في اليوم التالي نقلا عن جريدة الشرق الأوسط، وعن رده على انتقاد كاتب في جريدة الشرق الأوسط لإلقاء الشاعر  محمود درويش لقصائد في كنيسة في لندن، برفقة الموسيقى، ولكن أهم ما جاء في هذا الفصل تلك المعلومات المتعلقة  بالإدارة اليونانية للكنيسة الأرثوذوكسية منذ أكثر من خمسة قرون وحتى الآن، وقد ألقى على هذا الموضوع إضاءة  كفيلة بتعريف القارىء بجوانبه المختلفة وقد بذل في سبيل ذلك جهودا تستحق التقدير، وتعرض للعديد من  الصعوبات والتكتم ولكنه أضاف مصدرا توثيقيا للمهتمين بهذا الموضوع.

وختم الأستاذ الياس نصر الله كتابه بشهادتين؛ الأولى تتعلق بالضابط المصري"أحمد عثمان" الذي اكتشف أمره في إسرائيل أثناء مهمة كان ينفذها لصالح مصر، فاعتقل ثم قاد عملية للفرار من سجن شطه أثارت بلبلة في إسرائيل، لم يتمكن هو من الفرار وحكم بالسجن 8 سنوات ثم أفرج عنه في إطار صفقة تبادل الأسرى، وقد أخفقت محاولات شراء مذكراته لصالح الشركة السعودية للأبحاث والتسويق نظرا للمبالغ الطائلة التي طلبها ابنه كما أخفقت محاولات متجددة للتواصل مع الأستاذ الياس نصر الله نظرا لعدم الاتفاق على مكان اللقاء.

بينما تتعلق الشهادة الثانية بالحاج أمين الحسيني، ومسألة هروبه من الملاحقة الإنجليزية والتجائه إلى هتلر ولقائه به بعد أن مر بالعراق وإيران وتركيا، والحقيقة أن شهادته عن الحاج أمين جاءت منطقية ومتوازنة، وحافلة بالحقائق وقد أضيفت إلى الكتاب ولم تكن مخططة ضمن المحتويات عند الشروع بإعداده.

وبعد، فقد تميز هذا الكتاب بالإحاطة والشمولية لفيض من المعلومات والحقائق، عن كل الأحداث التي وقعت في الفترة التي غطاها هذا الكتاب، ولقد تناولها الكاتب بأسلوب شيق سلس، لا يخلو من الطرافة في أكثر من موقع، بإيقاع خفف من حدة المواضيع المطروحة وقتامة الأجواء التي فرضتها بعض الأحداث، إلا أن هذه الأحاديث الطريفة لم تؤثر على هيبة الكتاب ولا استمرارية الطرح الجاد للمواضيع بما تستحقه من الاهتمام.  كما تضمن الكتاب ذكرًا للعديد من الشخصيات كتابا، وأدباء، وسياسيين ولم يكن بالإمكان تعدادهم ضمن هذه السطور، لكثرتهم أولا، ولتجنب ذكر البعض دون الآخرين.  هذا الكتاب يستحق أن يكون شاهدا على القرن الفلسطيني الأول.

عمان

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين