شهادة في مشروع شعريّ | ياسين عدنان

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

(إنهم لن يقولوا كانت الأزمنة رديئة، وإنما سيقولون لماذا صمت الشعراء؟) - برتولد بريشت"

1.

أحاول فقط أن أقول ارتباكي في فهم الذات والعالم المحيط بي. هذا ما أحاوله في الشعر والقصيدة.

2.

 لقد كان "الشاعر" في السابق لقبًا له حظوة وسطوة وبريق. اليوم هو لقبٌ لا يبهر أحدًا في مجالنا السوسيوثقافي.

3.

 لهذا بالضبط أرى في الحديث عن المشروع الشعري ترفًا ومُبالغة، ولهذا يسكن الشعراء اليوم إحساس وجودي فادح بالهشاشة واللاجدوى.

4.

وعليهِ

بصدقٍ أقول، ما كنتُ لأشعر يومًا أنّي حققتُ شيئا ذا بالٍ في الكتابة الشعرية لولا النقّاد. النقد الأصيل المُنصِت برهافة وحنو للنص الشعري يُبلسم جراح الشعراء.

 

متن الفكرة

5.

 لقد بدأتُ تفعيليًّا. وكانت قصائدي الأولى تنطلق من وعي سياسي والتزام نضالي لا غبار عليهما. فيها بعضٌ من طمأنينة المناضل وإيمانه العميق بعدالة قضاياه الوطنية والقومية. وكنت أنشر قصائدي التفعيلية في "الآداب" اللبنانية و"الوحدة" التي كان يُصدرها المجلس القومي للثقافة العربية وغيرها. ثم عُيّنتُ أستاذًا للإنجليزية بورززات، جنوب جبال الأطلس فإذا بي في مهبٍّ جديد لم يكن بالبال: مغربٌ عميق، مُتخلّى عنه، لم أكن أعرفه إلا في شعاراتنا اللاهبة. أصِبْتُ بما يشبه الصدمة، فجاء ردُّ الفعل قاسيًّا. حيث انصرفتُ إلى قصيدة غاضبة تهجو العالم والناس، تهجو بالحدّ الأدنى من البلاغة، وبالدرجة الصِّفر من الموسيقى. تحوّلتُ إلى شاعر قصيدة نثر تبرَّمَ ممّا صار يعتبرُه بلاغيات قديمة، انحاز إلى المفارقة يختبر شعريتها، وانصرف إلى كتابة قَلِقة تصدُر عن المزاج الخاسر لصاحبها أكثر من أيّ شيء آخر. هكذا كتبتُ "مانيكان" وحصلت على جائزة اتحاد كتّاب المغرب للأدباء الشباب. لكنني وجدت فيما بعد من يُنبِّهني، إلى أنني بدأت أزوغ عن روح قصيدتي أنا المتشبِّعُ بالإيقاع ذو الأذن الموسيقية وأنا أحرمها من ثراء الإيقاع وبذخ الموسيقى. انتبهتُ أيضًا إلى أنّ خلفيتي الأنجلوسكسونية هي مصدر حماية لي. فكيف لِمَن قرأ إليوت ووالت ويتمان أن ينصرف عنهما لينسج على منوال أصدقاء يكتبون ضمن الأفق التجريبي لقصيدة النثر الفرنسية؟ هكذا حاولت أن أكتب قصيدتي بما يُحقّق لي التوازن بين خلفيتي الإيقاعية الثرية والأفق الجديد الذي ينشده أبناء جيلي لقصيدتهم.

واليوم، وجب الاعتراف بأن مقاربة أصدقائي من النقاد لتجربتي، ساهمت في تنبيهي إلى أنني بدءًا من نصوصي التفعيلية الأولى حتى "دفتر العابر"، آخر ديوان لي، كنتُ دائما شاعر "قصيدة سرد" إذا شئنا استخدام المفهوم الذي نحته الدكتور حسن المودن بحقّ شِعري.

6.

الشِّعُر بعينيّ نهر عظيم دافِقٌ، الشعراءُ روافدُه. ولا يضير الشعر في تقديري أن يجفَّ رافد هنا أو يتخلّف جدولٌ هناك. ومع ذلك، فالقارئ العام يميل إلى اختزال الشعر، كل الشعر، في شعراء بعينهم. لهذا علينا كأمةٍ تَعُدُّ نفسها شاعرةً أن نتواضع إزاء الشعر، ونتعلّم من باقي التجارب الكونية دون انغلاق على ذاتنا الشعرية. ونحن نمتح من خوابي الشعر ودنانه.

7.

 أذكر، مثلا، كيف أنّ قصيدة معزولة مثل "أغنية ساذجة عن الصليب الأحمر" لمحمود درويش التي اقترحها علينا مدرّس اللغة العربية في الإعدادي جعلتني أنا الطفل الذي كان يحفظ عن ظهر قلب مقاطع من شعر عنترة والمتنبي والمعري أنفتح على قارة جديدة، ورؤية شعرية مغايرة. هكذا أضع دائمًا هذه الأغنية الساذجة في كفّة وباقي شعر درويش في الكفّة الأخرى بسبب دورها المحوري في تحويل مساري.

8.

 لنتفق على أنّ الصمت قد يكون موقفا شعريا في بعض الأحيان. وهناك شعراء كبار هجروا القصيدة في مراحل بعينها من حياتهم أو توقّفوا تمامًا عن كتابة الشعر. فللصّمتِ بلاغتُه أكيد. لكن هناك أيضًا ظاهرة الانقطاع، المرتبطة في الغالب برداءة أحوال النشر وصعوبة تداول الكتاب الشعري... الوضع بالغ التعقيد إذن، ويصعب اختزاله في صمتٍ حكيمٍ يلجأ إليه الشعراء أحيانًا ليحموا أرواحهم الهشّة من سوء الأحوال. ذلكَ لأنّ كلمتهم تبقى مطلوبة على هشاشتها. ألم يقل برتولد بريشت مرة: "إنهم لن يقولوا كانت الأزمنة رديئة، وإنما سيقولون لماذا صمت الشعراء؟".

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين