مقدمة
لقد راودتني فكرة القيام بهذه الدراسة البسيطة قبل أكثر من سنة بعد أن قرأت الكثير من التزوير والأساطير حول تاريخ أرض كنعان التي تسمّى اليوم فلسطين. ولذلك اردت ان أعيد إلى الذاكرة العربية التي يتجاهلها، بل حتى يزوّرها اليوم الحكام العرب خاصة في مثل هذه المرحلة الخاصة التي يعيشها شعبنا العربي الفلسطيني. وسط زيادة التآمر عليه من "ذوي القربى" الذين لم يحلموا ولم يفكروا بالخير لهذا الشعب الذي كان يتوقع الخير من أبناء جلدته. وليس هذا فقط بل ان هؤلاء الحكام في الحقيقة قد تحالفوا مع ألد اعداء الشعب العربي الفلسطيني وكانوا وما زالوا جزءًا أساسيًا من التحالف الدنس المكون منهم ومن الاستعمار والحركة الصهيونية العالمية ضد هذا الشعب المسالم.
أردت أيضًا ان أعيد إلى الذاكرة الانسانية مأساة سكان هذه الأرض الطيبة الأصليين، والذين عاشوا عليها منذ آلاف السنين الماضية بسلام وأمن وطمأنينة حتى اختراع أسطورة ما يسمى "الوعد الرباني"، وان هذا الرب دعاهم إلى الذهاب إلى أرض كنعان وإبادة جميع السكان الأصليين في هذا الوطن والجلوس مكانهم واستعمار أرضهم ومنحها لهم. تساءلت كثيرًا هل حقا يوجد رب كهذا، لأنّ الرب الذي أومن به هو رب عادل وهو رب كل الشّعوب ولا يمكن أن يكون ربًا خاصًّا لأي شعب.
يؤكد الواقع على انه لم يتم تزوير تاريخ أي وطن في العالم كما جرى ويجري تزوير تاريخ فلسطين وشعبها، وان هذا التزوير يجري عن طريق الأسطورة التوراتية التي استطاعوا نشرها في العالم والكثيرون صدقوها. الحقيقة التاريخية هي ان أرض كنعان والتي تسمى اليوم فلسطين لم ولم تكن يومًا خالية في أي يوم من الأيام من شعبها العربي الفلسطيني الأصيل والذي هو في الحقيقة امتداد لأجداده الكنعانيين الذين عاشوا على هذه الأرض قبل سبعة آلاف عام.
هذه الاسطورة قد استغلتها وما زالت تستغلها الحركة الصهيونية وحكام اسرائيل ويسوقوها في العالم، ونحن نخاف من الاقتراب اليها والتصدي لها بشكل علمي صحيح لأنها تقع ضمن "التابو"، المحظور، وفي الوقت نفسه نرى اليوم ان الحكام العرب يبررون ويفسرون مواقفهم في قضية التركيع التي يسمونها التطبيع على اساس مثل هذه الأسطورة، وحتى اننا نرى ان الشيخ الذي كان يسمى رئيس علماء الاسلام "يوسف القرضاوي" اعترف في احد احاديثه انه دعا إلى الجهاد في ليبيا وسوريا ولم يدعُ إلى الجهاد ضد اسرائيل لأنهم "اهل كتاب".. وسوريا وليبيا أهل ماذا؟! مثل هؤلاء المشايخ يصدرون الفتاوى حسب مصلحة الحكام وليس على اساس مصلحة شعوبهم، مثل هؤلاء كانوا وما زالوا خطرًا على شعوبنا العربية وامكانية تطورها وتقدمها مثل باقي شعوب الارض.
من هذا المنطلق فكرت في كتابة مثل هذه الدراسة المتواضعة وفي الوقت نفسه أعترف بأني لست كاتبًا ولا مؤرخًا، ولكن هذا لا يمنعني من ان احاول كتابة ما أفكر به على انه قد يكون مفيدًا وبقدر امكانياتي المتواضعة، سامحوني على هذا، سامحكم الله.
1
أنا والكثير من أترابي الذين ما زلنا أحياء، عايشنا مأساة ونكبة شعبنا منذ الطفولة يومًا بعد يوم قد شاهدنا بأم أعيننا رحيل سكان بعض القرى العربية مثل صفورية والذين كانت عرابة أول لجوء لهم، حيث رأيت بأم عيني كيف كان هناك عائلات خيمّت بأمتعتها تحت زيتون القرية، وعائلة منهم عاشت في بيتنا لعدة أسابيع وبعد ذلك رحلوا بأكثريتهم المطلقة إلى لبنان. ورأيت أيضًا لجوء أهل شعب، ميعار، حطين ولوبية وكنت قد رأيت الغضب على وجوههم من المأساة التي حلّت بهم. بقي عدد قليل من سكان هذه القرى وما زال يسكن عرابة حتى اليوم ولكن الشيء المميز لهؤلاء أنهم لم ينسوا قراهم حتى الأطفال منهم.
بعدما رأيت هذه المناظر المأساوية التي حلّت بشعبنا بأشهر قليلة كانت قد احتلت القوات الاسرائيلية في الشهر العاشر من سنة 1948، قريتَنا عرابة بالإضافة إلى سخنين ودير حنا، وشاهدت كيف كان يتصرف جنود الاحتلال وسمعت كيف قتلوا أحد الشباب من ميعار أمام أعين النساء والأطفال، وقد كان على فراش المرض وشاهدت عملية الاعتقال لعدد من الشباب من عرابة.
ان الذي رأى مثل هذه الحوادث المأساوية التي مرت بشعبه وهو فتى في جيل أحد عشر عامًا، لا يمكن ان ينسى هذه المناظر الصعبة والقاسية، ولا بد ان تحزّ في نفسه وان تبقى في الذاكرة مدى الحياة وفي الوقت ذاته تعود اليه الذكريات الشخصية في كل سنة بشكل خاص في ذكرى النكبة.
ذكرى النكبة في هذه السنة لها ميزة خاصة لأن التآمر يزداد على شعبنا وحقوقه المشروعة في وطنه الذي لا وطن له سواه من قبل نفس القوى التي تآمرت عليه في السابق، نراها اليوم أيضًا تأخذ نفس الدور مستغلة الأوضاع الدولية التي يعيشها عالمنا اليوم من صعوبات حيث يرون ان الفرصة مهيأة لهم أكثر من أي وقت مضى من اجل قبر قضية هذا الشعب. هكذا هم يتوهمون وهؤلاء هم أنفسهم، الثالوث الدنس الاستعمار الامريكي والصهيونية المتمثلة بحكام اسرائيل والرجعية العربية التي اصبحت "مشمّرة عن قفاها" أكثر من أي وقت مضى.
من الواضح جدًّا انهم لا يفهمون ان ارادة هذا الشعب لن تُكسر مهما كثر المتآمرون، فهو صاحب حق في وطنه وصاحب الحق لا يمكن ان ييأس مهما طال الزمن.
أمام هذا الواقع المرّ كانت تزداد عندي التساؤلات يومًا بعد يوم واستمرت هذه التساؤلات حتى تعرّفت على الشيوعيين وعلى جريدة "الاتحاد" في أوائل سنة 1950 أي بعد ما يقارب السنة ونصف من تاريخ نكبة شعبنا، وبدأت أعرف بعض الأجوبة على هذه الجريمة التي ارتكبت بحق شعبنا العربي الفلسطيني وفي الوقت نفسه أتساءل لماذا هذا الظلم التاريخي ضد شعب مسالم؟! على امتداد تاريخه الطويل لم يعتد على أي شعب من شعوب الأرض منذ أن سكن هذا الوطن قبل ما يقارب السبعة آلاف عام.
أمام هذا الواقع الجديد والصعب الذي تمر به قضية شعبنا من زيادة التآمر عليه مثل صفقة القرن والقوانين العنصرية التي تسنها حكومة اسرائيل بقيادة نتنياهو، ومن منطلق هذا الواقع رأيت من المناسب ان أبحث في تاريخ شعبي الطويل على هذه الأرض من هذه الزاوية، فربما هذا قد يستفز ويحمّس جيل الشباب العودة إلى قراءة تاريخه القديم والجديد، الأمر الذي يساعدهم في نضالهم اليومي لمحاربة القوى العدوانية من مختلف الجهات التي دائما تضمر العداء لشعبنا، بشكل علمي واكثر تنظيما ووعيا.
انصح الشباب والشابات قراءة كتاب الكاتبة الدكتورة بيان نويهض الحوت "فلسطين القضية، الشعب، الحضارة" – التاريخ السياسي من عهد الكنعانيين حتى القرن العشرين (1917). وكتب الكاتب السوري فراس السوّاح: "آرام دمشق واسرائيل" و"تاريخ اورشليم" وغيرهما من مؤلفاته القيّمة، كما أنصح بقراءة كتب المؤرخ الرفيق اميل توما "فلسطين في العهد العثماني" و"الصهيونية المعاصرة" بالإضافة لكتابه "جذور القضية الفلسطينية".
من الواضح ان الذي يريد ان يكتب في مثل هذا المجال لا بد له من الاستعانة بكتب تاريخية قديمة وحديثة حتى يكون طرحه موضوعيا إلى حد مقبول، ولذلك كنت قد قرأت هذه الكتب التي ذكرتها فوجدت فيها الكثير الذي استفدت منه لكي ابدأ الخوض في هذا المجال الصعب، وآمل ان أوفق فيه بالشكل المطلوب.
عندما قرأت هذه الكتب كنت قد اكتشفت الكثير من التزييف والتزوير لتاريخ فلسطين القديم والحديث، بشكل مبرمج، خاصة من اولئك الذين يعملون على تجيير تاريخ فلسطين لأنفسهم وكأن لا أحد وُجد في هذه البلاد إلا "بني إسرائيل".
من المعروف جيدا ان التاريخ يكتبه المؤرخون ومنهم الموضوعي ومنهم المزاجي ومنهم من يكتب حسب موقفه الشخصي من هذا الحدث او ذاك وهم ليسوا قلائل في هذا الزمن الرديء، ومنهم من يكتب حسب موقفه الديني المتزمّت.
أحد الأمثلة الفجّة لتزييف التاريخ هو ما قاله المهووس دونالد ترامب رئيس الولايات المتحدة الامريكية في الذكرى الخامسة والسبعين للانتصار على النازية، حيث جيّر هذا الانتصار التاريخي للولايات المتحدة بالرغم من انها كانت قد دخلت الحرب متأخرة، وبشكل خاص عندما رأت الانتصارات التي حققها الجيش السوفييتي في ستالينغراد، وعندما أصبحت انتصارات هذا الجيش تصل أعتاب الحدود الألمانية، الصحيح هو انه يمكن ان يُسجل لأمريكا في هذه الحرب عملها الاجرامي بإلقاء القنابل النووية على المدن اليابانية بعد انتهاء الحرب، والتي أدت إلى وقوع آلاف وحتى عشرات الآلاف من الضحايا الأبرياء.
ان الحقيقة دائمًا واضحة جدًّا حيث ان الاتحاد السوفييتي وجيشه الاحمر هم من تحملوا العبء الاكبر في هذه الحرب الكونية واستطاع الجيش الاحمر في طريقه إلى المانيا ان يحرر اكثرية الدول الاوروبية ومن الواضح أيضًا ان الذي رفع العلم الاحمر على بناية الرايخستاغ الالماني هو جندي سوفياتي من الجيش الأحمر معلنًا انهاء الحرب والانتصار على النازية.
من هنا نرى انه على مر التاريخ يجري وبشكل مبرمج عمليات التزييف والتزوير للأحداث التاريخية الهامة التي جرت وتجري في عالمنا الواسع، إن كانت هذه الاحداث التاريخية قديمة او حديثة.
ان أكثر ما يجري تزويره في الماضي والحاضر هو التاريخ القديم والحديث لفلسطين وشعبها، الذي هو وطني وشعبي والذي أعتز بالانتماء اليه، وانا هنا لا أهدف إلى القول ان شعبي هو أفضل الشعوب ولكن اقول انني احترم جميع شعوب العالم ولكن في الوقت ذاته لا يوجد شعب أفضل من شعبي.
//تجاهل حضارة الكنعانيين في فلسطين
تقول الكاتبة والباحثة بيان نويهض الحوت في مقدمة كتابها "فلسطين القضية، الشعب، الحضارة":
"لكل بلد في العالم تاريخه الحضاري والسياسي، وقلما نجد خلافا بين المؤرخين بشأن الكليات في تاريخ هذا البلد او ذاك، فالتباين في التحليل والرأي، وحتى بشأن المعلومات التاريخية، يتناول الجزئيات عادة، او ما يمكن اعتباره دون الكليات على الاقل، وهكذا، فمسألة وجود حضارة ما او عدم وجودها، تقع ضمن الكليات، وكذلك مسألة وجود شعب ما او عدم وجوده"، وتضيف في نفس المقدمة "لا أحد ينكر حضارة الفراعنة في مصر مثلا او الاغريق في اليونان ولكن هناك من يتجاهل حضارة الكنعانيين في فلسطين إلى حد الالغاء او إلى ما دون ذلك بقليل، او إلى حد تهميش الوجود الكنعاني في "ظل الحضارة الاسرائيلية القديمة" بينما الكنعانيون هم الأصل والبداية".
من المعروف ان الذين يسهمون في هذا التزوير، لهم مآرب سياسية واستعمارية في هذا الوطن، وان الذين أسهموا وما زالوا يسهمون في هذا التزوير لتاريخ فلسطين وشعبها على مدى التاريخ الطويل هم الثلاثي المجرم بحق هذا الشعب: الحركة الصهيونية العالمية الممثلة حاليا بحكام اسرائيل والدعم اللامتناهي من قبل الاستعمار العالمي وبشكل خاص في هذه المرحلة حكام الولايات المتحدة الامريكية بقيادة الرئيس المعتوه ترامب والرجعية العربية الممثلة بالإمعات حكام دول الخليج وباقي الحكام العرب الذين تقودهم الولايات المتحدة، ان هذه القوى تحاول بكل الأساليب الدنيئة فرض الرواية الصهيونية الدينية على الشعب الفلسطيني وعلى تاريخه القديم والحديث، والذي لا يمكن ان يقبله الشعب الفلسطيني مهما قست الظروف عليه.
تقول الكاتبة الحوت في مقدمة كتابها المذكور:
"القضية الفلسطينية قضية شعبي والقدس مدينتي والهجرة المرّة ذكريات طفولتي والمفتاح الحديدي الكبير الذي اشتهرت به فلسطين من عهد أجدادنا الكنعانيين، والذي حملته والدتي مع القليل مما حملناه يوم الرحيل، أمانة في عنقي، فكيف أرد الأمانة إلى الباب العتيق؟ وكيف يسترد شعب بأسره -هو شعبي- حقوقه المشروعة؟".
مثل هذا الموقف الواضح وضوح الشمس يؤكد بشكل مطلق على انه لا يضيع حق وراءه مطالب والمطالبون كثُر وهم الشعب الفلسطيني كله من صغيره قبل كبيره، وهذا ما يؤكد في الوقت نفسه بطلان المقولة الممجوجة للقيادات الصهيونية "الكبار يموتون والصغار ينسون"، لقد ثبت بطلان هذه المقولة السخيفة منذ زمن بعيد لأننا نرى اليوم اكثر من أي وقت ان الذين يقودون إحياء ذكرى النكبة ومعركة حق العودة هم الصبايا والشباب، وكل الاحترام للشبيبة الشيوعية التي قادت مشروع شعلة العودة والتي استطاعت ان تجند إلى جانبها العديد من منظمات الشباب في العالم لدعم هذا المشروع الهام، وكذلك ما قامت به الجبهات الطلابية في الجامعات.
يؤكد الواقع يوما بعد يوم ان الصغار يتناقلون تاريخ قراهم ومدنهم أبا عن جد وجد الجد، ولذلك لم ولن ينسوا حقهم التاريخي في وطنهم، وان القسم الباقي في هذا الوطن يزورون دائما قراهم المهجرة ويعرفون جيدا اين تقع هذه القرى وأين كانت تقع بيوت آبائهم وأجدادهم، ويعرفون أراضيهم وملاعب الطفولة وقبور أجدادهم فكيف لهؤلاء ان ينسوا مثل هذا التاريخ المؤلم؟!
مهما حاول المزيفون تزييف تاريخ فلسطين فإن الحقيقة تبقى حقيقة كما يقول المثل "الشمس لا تُغطى بغربال"، الحقيقة التاريخية ان الكنعانيين هم الاوائل الذين سكنوا هذا الوطن والذين عمّروه والآثار التاريخية الكنعانية تشهد على ذلك وكانت تسمى ارض كنعان والمدن والقرى التي بناها الكنعانيون أيضًا شواهد على ذلك، وعرابة هي من القرى التي بناها الكنعانيون قبل أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمائة عام والتي سميت فيما بعد فلسطين والتي ما زالت تسمى فلسطين كما قال الشاعر الكبير محمود درويش.
ان الكنعانيين كانوا قد سكنوا هذا الوطن حتى قبل ظهور موسى بأكثر من ألفي عام، ومن المعروف أيضًا انهم عرب أقحاح وهم من القبائل العربية التي عاشت في الجزيرة العربية وانتقلوا إلى فلسطين وهم أيضًا جدهم كنعان كباقي القبائل العربية الأخرى كقحطان، غسان وعدنان وكذلك كنعان، هذا الامر يؤكد من الناحية التاريخية، السياسية والحضارية على وجود العرب على ارض فلسطين منذ آلاف السنين قبل الميلاد ولم ينقطع هذا الوجود على هذه الارض حتى في زمن وجود مملكة داوود وسليمان لأن كل البحوث التاريخية والأثرية تؤكد ان مملكتهم لم تشمل في أي يوم من الأيام جميع مساحة فلسطين. بينما تتحدث الحركة الصهيونية في روايتها عن الحق التاريخي لليهود في هذه البلاد حسب النصوص الخيالية.
"ان مبدأ الحق التاريخي نفسه لا وجود له في المبادئ السياسية الحديثة ولم يكن له أي شأن في تاريخ العلاقات بين الأمم أو في نشأة الدول. وحتى لو افترضنا ان هذا المبدأ قائم، وتناولنا الفرضية الاسرائيلية نفسها، فالشعب الفلسطيني لا الاسرائيلي يصبح صاحب الحق الأقوى، ان لم نقل الأوحد، في ارض فلسطين. فالفلسطينيون هم اصحاب الارض وسادتها منذ آلاف السنين...".
اما بالنسبة للحق الديني فتقول الكاتبة، في نفس الفصل "يجدر أولا إلقاء الضوء على حقيقة الوعود الدينية في الكتاب المقدس، وعبر سؤال مبسط: هل وعد الرب الاسرائيليين بهذه الارض المقدسة؟ ثم ما هي حدود هذه الارض؟". فالكاتبة تضع علامة سؤال كبيرة حول الوعود الإلهية وانا أوافقها جدًّا على هذا الرأي. كثيرون ممن يكذبون ويحمّلون مسؤولية كذبهم على الله والله منهم براء.
الحركة الصهيونية التي عملت وما زالت تعمل على تزوير تاريخ فلسطين عن طريق الاعتماد على النصوص التوراتية تحاول ان تؤكد على ان هذه الارض قد وعد بها الرب ابراهيم الخليل ان تكون لنسله من بعده فقط، ، على ان نسل ابراهيم هو اسحق فقط وتتجاهل كليًا ان اسماعيل هو ابن ابراهيم البكر وتتناسى أيضًا ابن ابراهيم الثالث المسمى مدين من زوجته الثالثة "قطورة".
رغم اني أشك بصدق مثل هذه الروايات أريد ان أفترض لضرورة الجدل للحظة انها حقيقة وفي الوقت ذاته علينا ان نفكر قليلاً، ان الرب عندما وعد ابراهيم بهذه الارض قال له "اعطي هذه الارض لنسلك"، يعني لأبنائه الثلاثة ولم يقل أعطيها لنسل "سارة"، وفي الوقت ذاته ان هذا الوعد عندما أعطاه الرب لإبراهيم لأول مرة كان لدى ابراهيم ولد واحد فقط هو اسماعيل ولم يكن بعد قد وُلد اسحق.
تقول الكاتبة بيان نويهض الحوت في مقدمة كتابها: "ان الحركة الصهيونية تحاول ان تحتكر لنفسها تاريخ البلاد بأسره، فهي تنطلق من أعماق التاريخ القديم معتبرة ان حركتها "الاستعمارية الاستيطانية" التي لم تنطلق الا مع نهاية القرن التاسع عشر، هي وارثة مملكة داود وسليمان (والتي كانت قائمة في القرن العاشر قبل الميلاد)، وليس في الكتابات الصهيونية ولا في الكتابات اليهودية الدينية، من وجود في فلسطين إلا للوجود اليهودي، وقد يقال عنه الاسرائيلي كما ينعت بالصهيوني، وقد تختلط التسميات، ولكن يبقى الجوهر واحدا، وهو ضرورة "تفريغ" فلسطين من تاريخها وحضارتها وشعبها، وهذا يتضمن حتمية الغاء الوجود العربي، أو حشره في زوايا الأقليات".
ان الحركة الصهيونية دائمًا ما تحاول احتكار تاريخ فلسطين بأسره لنفسها، لكن المؤرخين الفلسطينيين واقعيون أكثر منهم بكثير حيث انهم لا ينكرون إرث وتاريخ موسى وداود وسليمان في فلسطين وفي كثير من الأحيان يعطونهم حقهم الطبيعي وفي حالات أخرى أكثر من حقهم.
(يتبع)



.png)

.png)






.png)

