صراع الأسطورة والحقيقة (10)| توفيق كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

"الدور التآمري للحكام العرب ضد شعبنا العربي الفلسطيني المستمر حتى يومنا هذا"

حتى اليوم نرى البعض ما زالوا يلومون الشيوعيين نتيجة لموقفهم الجريء الذي اتخذوه بالموافقة على قرار التقسيم، رغم مرور الزمن واتضاح أبعاد المؤامرة التي حيكت ضد شعبنا والوضع المأساوي الذي ما زلنا نعيشه ويعيشه شعبنا نتيجة لنكبته المؤلمة والمستمرة، وهناك البعض الذي ما زال يبني آمالاً على الحكام العرب.

إن الرجعية العربية المتمثلة اليوم بشكل خاص بحكام السعودية ودول الخليج لم يحلموا بالخير لجميع الشعوب العربية، إنما حلمهم الوحيد كان وما زال المحافظة على عروشهم، وإن هؤلاء الحكام كانوا وما زالوا متآمرين على قضية شعبنا العربي الفلسطيني وعلى باقي الشعوب العربية؛ وفي الواقع، إنهم يعملون اليوم بشكل مبرمج وواضح حسب وصية عبد العزيز آل سعود. هكذا نرى وبكل وضوح ما يجري اليوم في عالمنا العربي من ويلات ومآسي، في سوريا واليمن والعراق وليبيا ومصر ولبنان، هو من الناحية العملية والواقعية تنفيذ حرفي وكامل لمثل هذه الوصية اللا أخلاقية والتي لا تمت بأي صلة بالأخلاق العربية والإنسانية.

لقد شهد شاهد من أهله وهو حمد بن جاسم الذي اعترف وبشكل صريح جدًا، هذا الذي كان رئيس وزراء قطر ووزير خارجيتها مع بداية ما سمي بالربيع العربي، ومع بداية الأزمة في سوريا، اعترف ما هي حجم المبالغ التي صرفتها قطر والسعودية من أجل "بقر القلب"- كما جاء في الوصية- التي هي سوريا. هذه المبالغ الخيالية صُرفت فقط في الفترة التي كان هو المسؤول حيث بلغت 137 مليار دولار من أجل تخريب سوريا، هذا بالإضافة إلى مساهمة تركيا أردوغان ماليًا وعسكريًا وذلك للهدف ذاته في سوريا.

إن هؤلاء الحكام ما زالوا يصرفون المبالغ الطائلة حتى يستمروا في تخريب سوريا ومن أجل "إذلال اليمن" كما جاء في الوصية ولم يتوقف هذا العمل في هاتين الدولتين فقد  تمادوا على ليبيا والعراق ولبنان وكذلك على "كسر الرأس" -أيضًا كما جاء في الوصية- التي هي مصر، وهذا الذي نراه اليوم حيث أصبحت مصر، التي كانت تسمى أم الدنيا وكانت قائدة في العالم، مجرورة من قبل حكام السعودية.

لنتصور للحظة لو أن هذه المبالغ التي صرفت وما زالت تصرف لأهداف إجرامية ضد الشعوب العربية، الأمر الذي أدى ويؤدي إلى هدمها وتخلفها عن باقي الشعوب الأخرى في العالم كانت قد صرفت وبشكل مبرمج لصالح الشعوب العربية من أجل تطوّرها وتقدمها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والإنساني كانت لتتصدر الشعوب العربية مكانة متقدمة بين شعوب العالم بالرقي والتقدم في جميع مجالات الحياة.

ويجب ألّا ننسى المبالغ الطائلة التي بلغت أكثر من ترليون دولار دفعت كـ "خاوة" لإدارة ترامب خلال سنوات حكمه فقط، وكل هذا لكي يحموا عروشهم من العدو الذي صنعته لهم أمريكا وإسرائيل وهي "إيران"، وها نحن نرى اليوم الزحف المتواصل على البطون ودون أي خجل من قبل حكام السعودية ودول الخليج للتطبيع مع حكام إسرائيل بأوامر أمريكية، وفي الوقت نفسه محاولاتهم العمل بكل الأساليب الوقحة لفرض صفقة ترامب  - نتنياهو، هذه الصفقة النتنة مثلهم ومثل من صاغها. ولكن الشعب الفلسطيني لن يسمح بها بأن تمرّ مرّ الكرام رغم الوضع المأساوي الذي ما زال يعيشه شعبنا، وسوف يرمي بهذه الصفقة هي والذين صاغوها ويدعمونها من حكام الدول العربية إلى مزبلة التاريخ وهذا هو الذي سيكون في النهاية الحتمية، لأنه مهما طال الاحتلال فهو حتمًا إلى زوال.

إن الحقيقة التاريخية التي من المهم رؤيتها وفهمها بشكل صحيح هي في الواقع أن الشعب العربي الفلسطيني الذي كان من المفروض أن يلاقي الدعم المطلوب في كفاحه العادل من أجل الثبوت في وطنه ولكن مع  كل الأسف لم يلاقي ولو حتى الحد الأدنى من الدعم من هذه الدول بل في الحقيقة كان قد لاقى التآمر المستمر عليه من قبل هؤلاء الحكام حتى يومنا هذا.

للذين يتحدثون عن ظلم ذوي القربى، فالشعب العربي الفلسطيني هو بالذات من ظلم وما زال يظلم من ذوي القربى وما تآمر السعودية ودول الخليج في مثل هذه المرحلة الحرجة إلا أكبر دليل على ذلك، وإن رفض ما يسمى بجامعة الدول العربية التي ترفض إدانة سياسة التطبيع إلا هي من الناحية العملية عودة على نفس السياسة التي انتهجها الحكام العرب في سنة 1948 وكأن التاريخ يعيد نفسه من جديد.

والشيء المؤسف أيضًا أن قيادة هذه الجماهير التي كانت تسمى "الهيئة العربية العليا" بقيادة الحاج أمين الحسيني كانت جميعها خارج البلاد لأن قسم منهم نفاهم الانتداب البريطاني ومآربه، فنفى القائد الأعلى نفسه الحاج أمين لأنه خلال الحرب العالمية الثانية ربط مصيره ومصير شعبه مع دول المحور بقيادة ألمانيا النازية في ذلك الوقت. ولا شك أن هذا الموقف كان قد أساء لنضال شعبنا العادل في مثل تلك المرحلة الحرجة التي عاشها شعبنا العربي الفلسطيني حيث كان كالأيتام على موائد اللئام، وهكذا لا دعم له من أي طرف أعزل للدفاع عن نفسه ولا حتى قيادة عينية داخلية توجّهه في معركته المصيرية التي كان يخوضها في مثل تلك المرحلة الحرجة.

من المهم جدًا أن نرى أنه أمام الوضع الصعب والأزمة التي جابهها شعبنا دون أي دعم ودون الأسلحة المطلوبة ودون التنظيم المطلوب لمواجهة عدوه الشرس. نرى في المقابل أن الحركة الصهيونية كانت منظمة تنظيمًا قويًا وتملك جيشًا منظمًا ومدربًا يملك جميع أنواع الأسلحة حتى أنها بنت مصانع للأسلحة داخل مستعمراتها، بالإضافة إلى الدعم اللا محدود من قبل دولة الانتداب البريطاني ومن قبل الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى تآمر الرجعية العربية مع الحركة الصهيونية، وعرفت كذلك كيف تستغل مآسي الحرب النازية الألمانية من أجل إدخال الآلاف من المهاجرين الجدد من ألمانيا وأوروبا إلى فلسطين. وفي أوائل الأربعينيات من القرن الماضي رأت الحركة الصهيونية أهمية الاحتياط الذي يجب أن تستغله لصالحها وهم اليهود الذين يعيشون بسلام وأمن في الدول العربية بأسلوب استغلال العواطف الدينية وأهمية عودتهم إلى "أرض الميعاد" ومن أجل هذا الهدف جنّدوا العديد من القيادات الصهيونية العمل بكل الأساليب ومنها اللاإنسانية من أجل هجرة هؤلاء إلى فلسطين واستغلال أسطورة الوعد الإلهي الذي اخترعوه كتَبة العهد القديم.

من هنا نرى أن نتائج الوضع في تلك المرحلة، والتي سمّيت بحرب عام 1948ـ أفضت إلى انتصار الباطل على الحق التاريخي لشعب مسالم يعيش على أرضه منذ آلاف السنين والباطل الذي هو اختراع أسطورة الوعد الإلهي وكذلك الكذبة التي سوّقوها في العالم على أنهم "يعودون إلى أرضٍ بلا شعب لشعب بلا أرض". وما زال حكام إسرائيل يستغلون مثل هذه الأكاذيب حتى اليوم، وهذا ما يستمر بترديده نتنياهو بخطاباته في الأمم المتحدة كل سنة عندما يقول "إننا عدنا إلى أرضنا التي وعدنا بها الرب"، وهذه الكلمات التي يرددها نتنياهو الذي لا يؤمن إلا بنفسه تستفزني عندما ينطقها هو أو غيره من القيادات الصهيونية ولأنه يظهر وبشكل واضح التبجح والكذب المبالغ فيه، ولكن الشيء المؤسف والمخجل أن هناك من يقبلون مثل هذا الكذب حتى في العالم العربي.

إن النتائج المؤلمة التي حلّت بشعبنا العربي الفلسطيني خلال أحداث سنة 1948 والنكبة التي حلت بهذا الشعب نتيجة لاحتلال إسرائيل لأكثر من ثلاثة أرباع الوطن الفلسطيني وتهجير الأغلبية المطلقة من الشعب الفلسطيني من مدنه وقراه. ازدادت النظرة الاستعلائية والأطماع لدى حكام إسرائيل تجاه الشعوب العربية وبشكل خاص تجاه الشعب العربي الفلسطيني، وهذا كله جاء بعد أن ارتكبوا المذابح والمجازر في عدد من المدن والقرى الفلسطينية وعملية التهجير الجماعية والتطهير العرقي في تلك المرحلة، هذا بالإضافة إلى هدم وتدمير أكثر من خمسمائة مدينة وقرية عربية والاستيلاء على جميع أراضي هذه المدن والقرى المهجرة. (يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين