صراع الأسطورة والحقيقة (11)| توفيق كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

 

الإنجاز الصهيوني الكبير وغير المتوقع بالنسبة لهم أعطاهم النفس للتخطيط من أجل زيادة ‏الهجرة إلى فلسطين، وبشكل خاص من الاحتياط الذي وضعوه أمامهم، أي من اليهود ‏المقيمين في العالم العربي، حيث كانت الهجرة الكبرى في هذا العالم في أوائل ‏الخمسينيات من القرن الماضي، من العراق ومصر والمغرب العربي.‏

بعد هذا، بدأت مخططاتهم بالتنسيق مع الاستعمار البريطاني والفرنسي والأمريكي ‏للعمل التخريبي في العالم العربي، وبشكل خاص بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في ‏مصر سنة 1952، بقيادة القائد الوطني الخالد جمال عبد الناصر، هذه الثورة التي ‏بدأت التآمر عليها منذ ولادتها تقريبا، لأن كل قوى الشر في هذه المنطقة رأت فيها ‏خطرا على مصالحها في هذه المنطقة، وازداد هذا التآمر بعد أن بدأت توجهها الوطني ‏الصادق، وبدأت معركتها ضد الاستعمار ومن أجل التحرر والانطلاق بمصر نحو ‏التقدم والتطور الصناعي والزراعي، وبعد أن توجه عبد الناصر لعقد صفقة السلاح مع ‏تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية في ذلك الوقت سنة 1954.‏

ومن الناحية العملية، بدأت معركة هذه الثورة التحررية بشكل أقوى عندما أعلن عبد ‏الناصر في عيد الثورة سنة 1956 عن تأميم قناة السويس المصرية، الأمر الذي أدى ‏إلى شن عدوان ثلاثي على مصر في نفس السنة من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. ‏الحقيقة أنه في هذه الحرب أبدى الجيش والشعب المصري بطولة كبرى ومهمة في ‏مواجهة هذا العدوان الغاشم على الشعب المصري، وكانت إحدى هذه المعارك المهمة ‏بور سعيد، حيث حاولوا إنزال قوات فرنسية في هذه المدينة، وكان الدور المميز للضابط ‏السوري جول جمال الذي قام بعملية انتحارية، حيث استطاع ان يفجر نفسه في السفينة ‏الحربية الفرنسية التي كانت تقل آلاف الجنود لإنزالهم في بور سعيد، وكانت قد ‏تحطمت وغرقت بمن فيها من جنود وعتاد وأسلحة.‏

بعد هذا، جاء الانذار السوفييتي الشهير الذي أطلقه في ذلك الوقت القائد ‏السوفييتي بولغانين، الأمر الذي أدى إلى وقف الحرب وانسحاب جميع هذه الجيوش المعتدية ‏وهم يجرون أذيالهم وخيبتهم في تلك المرحلة المصيرية في تاريخ مصر، هذا ‏بالإضافة إلى التضامن العربي والعالمي الواسع مع مصر ضد هذا العدوان.‏

وكان قد ساهم عبد الناصر قبل هذا في إنشاء مجموعة دول عدم ‏الانحياز خلال عقد مؤتمر باندونخ في اندونيسيا، بمشاركة الرؤساء أحمد سوكانوا ‏رئيس اندونيسيا، ونهرو رئيس الهند، وتيتو رئيس يوغسلافيا، وشو ان لاي رئيس وزراء ‏الصين، وجمال عبد الناصر رئيس مصر، ومن هذا المؤتمر انطلقت مجموعة دول ‏عدم الانحياز والتي رآها الاستعمار عدوا وخطرا عليه، وانطلاقا من هذا الدور ‏التاريخي المهم الذي لعبه عبد الناصر في تلك المرحلة، أخذ اسمه يسطع في العالم ‏العربي والعالم كله، وبهذا رفع اسم مصر عاليا.‏

نتيجة لهذا الدور، كان من الطبيعي الاستمرار في حبك المؤامرات على مصر من قبل ثلاثي ‏قوى الشر، الاستعمار العالمي والحركة الصهيونية الممثلة بحكام إسرائيل ‏والرجعية العربية، كل هذا خوفا على مصالحهم ومراكزهم في العالم العربي والشرق ‏الاوسط، وعلى هذا الأساس، عملوا بكل مثابرة لإيجاد الفرصة المناسبة لتسديد ‏ضربتهم ضد مصر وقائدها الوطني جمال عبد الناصر، وفي الحقيقة، استطاعوا ‏أن يضربوا ضربتهم الموجعة من خلال عدوان حزيران سنة 1967، هذه الحرب التي ‏كانت بمثابة ضربة قوية ومؤلمة لثلاثة جيوش عربية، سوريا والأردن وبشكل خاص ‏لجيش مصر ولعبد الناصر، بعد أن رأى خيانة بعض القيادات، أعلن عن ‏استقالته وتحمله كامل المسؤولية لهذه الهزيمة، ولكن الشعب المصري بأكثريته ‏المطلقة رفضت هذه الاستقالة عندما خرجوا إلى الشوارع في جميع المدن المصرية ‏وأجبروه على التراجع عن هذه الاستقالة.‏

إن هزيمة الجيش المصري بالذات كانت صدمة كبيرة للشعوب العربية، وبشكل خاص ‏للقوى الثورية والوطنية، لأن هذه القوى كانت قد بنت آمالا كبيرة على مصر وجيشها ‏وقائدها.‏

والحقيقة التي يجب رؤيتها، أن هزيمة الجيش المصري لم تكن نتيجة عدم وجود ‏السلاح المطلوب لديه، بل كان لعدم مبالاة وخيانة بعض القيادات العليا الأساسية فيه، مثل وزير الدفاع عبد الحكيم عامر، وقائد الأركان شمس الدين بدران، ‏وقائد الطيران صدقي محمود، فماذا يعني أن تكون البلاد في حالة طوارئ وحالة ‏استنفار قصوى، ووزير الدفاع وقائد الطيران يسهرون في ناد ليلي في مثل تلك ‏المرحلة الصعبة؟ وماذا يعني أن يكون قائد الأركان في محادثات مهمة في ‏موسكو وفي طريق العودة يمر على السفارة الأمريكية في مدريد، وهناك يفرغ كما ‏يقولون "جرابه" ويعود الى مصر؟ هذا هو الواقع الذي كان في تلك المرحلة، الذي مع ‏الأسف لم يكتشفه عبد الناصر إلا بعد أن فات الأوان.‏

كيف كان بإمكان القوات الإسرائيلية أن تضرب الطيران المصري وهو في مطاراته؟ ‏لو كان هناك حالة استنفار حقيقية لما استطاعت أن تضرب مثل هذه الضربة الكبرى ‏للطيران المصري، ومن الناحية العملية، كانت هي أحد الأسباب الأساسية لهزيمة ‏الجيش المصري، الذي أصبح مكشوفا في سيناء دون أي حماية له- لا طيران ولا ‏يحزنون.‏

لذلك، لم تكن صدفة هبة الشعب المصري الكبرى من أجل تراجع عبد الناصر عن ‏استقالته، وعودته إلى تحمل مسؤولياته من جديد من أجل قيادة مصر وجيشها الوطني، الأمر الذي أدى إلى إعادة تنظيم الجيش من جديد، وبقيادات شبابية جديدة التي ‏رأت اهمية كبرى في استعادة هيبة ومكانة الجيش الوطني المصري، وفي ذات الوقت، ‏استطاع عبد الناصر إعادة تسليحه من جديد بجميع أنواع الأسلحة المطلوبة خلال ‏أشهر قليلة، وبدأ من الناحية العملية ما سمي في ذلك الوقت بحرب الاستنزاف.‏

لكن الشيء المؤسف، لم يستطع عبد الناصر اكتشاف خيانة السادات وعينه نائبا له، ‏وهناك عدد من الوثائق التي تظهر مسؤولية السادات في موت جمال عبد الناصر، ‏وهناك وثائق أخرى تشير إلى تعامل السادات مع المخابرات الأمريكية منذ أواسط ‏الخمسينيات من القرن الماضي.‏

يجب رؤية الهدف الاول والأساسي لهذه الحرب العدوانية على الشعوب العربية، وهو ‏اسقاط الأنظمة الوطنية في مصر وسوريا من أجل إزاحة هذه الانظمة التقدمية، وحتى ‏يتمكن الاستعمار الأمريكي استعادة دوره ومراكزه في العالم العربي، وفي الوقت ذاته، ‏استمرار مطامع حكام إسرائيل في التوسع على حساب الشعوب العربية، وبشكل خاص ‏الشعب العربي الفلسطيني، وإنهاء حقه في تقرير مصيره بنفسه كبقية شعوب الارض.‏

لا شك أن هذا الانتصار الذي حققوه حكام اسرائيل في هذه الحرب العدوانية المدعومة أمريكيا قد فتح شهية هؤلاء الحكام إلى التوسع والسيطرة على الأراضي ‏الواسعة، من الأراضي المصرية والسورية وكذلك بقية الأراضي ‏الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى هذا الأساس منذ اليوم الأول، أعلنوا ‏ضم مدينة القدس المحتلة إلى إسرائيل.‏

وبمناسبة الذكرى الأولى لاحتلال القدس وضمها إلى السيادة الإسرائيلية، عقدت ‏جماعة "أرض إسرائيل الكاملة" مؤتمرا لها في الخامس من حزيران سنة 1968 في ‏مدينة القدس المحتلة، وكان بحثهم الأساسي في هذا المؤتمر هو البدء بإقامة ‏المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن هذا الأمر يؤكد تماما أن الحركة ‏الصهيونية الممثلة بحكام إسرائيل لم تكن في يوم من الأيام وجهتها نحو السلام ‏والحل العادل، بل دائما كانت وما زالت وجهتها نحو الحرب والتوسع، وكما يقتبس ‏الرفيق إميل توما في كتابه "الصهيونية المعاصرة– ص 358"، على لسان صحيفة ‏جماعة "أرض إسرائيل الكاملة"، المسماة "الجبهة" (هحازيت)، ما يلي: "يكثرون من ‏القول: أليس هدفنا هو السلام؟ هذه صبغة كاذبة، ما جئنا إلى هنا من أجل السلام، وكل ‏ما نفعله هنا ليس من أجل السلام، وإنما من أجل خلاص شعب اسرائيل وأرض ‏إسرائيل، إن فكرة السلام ليست بمهمة تجاه الفكرة المركزية التي جئنا من أجلها هنا ‏ومن أجلها سفكنا الدماء، دماءنا ودماء الآخرين، وسنضطر بالطبع لسفك مزيد من ‏الدماء. كان ثمة خياليون حاولوا إخراج سفك الدماء من طريق الصهيونية، ولكن ‏الواقع أثبت أن اقوالهم كخيوط العنكبوت، ومن يشترط خلاص إسرائيل بطرق ‏السلام معاد للأخلاق، لأنه ليس هناك أكثر خلقية من تخليص شعب إسرائيل في ‏أرضه التي هي أرضه الوحيدة، بينما للعرب هنا وللعرب في بلاد الشرق الأوسط دول ‏وبلدان عديدة وغنية، هدفنا هو– عودة صهيون لا السلام".‏

الاستنتاج من هذا الكلام أن الحركة الصهيونية في جوهر فكرها ومنذ قيامها، ‏ليست فقط حركة عنصرية، بل في هي أيضا حركة تعتمد في توجهاتها ‏وعملها من أجل الوصول إلى أهدافها الإجرامية على سفك الدماء مهما كلفها الثمن، ‏وهذا ما جرى منذ غزو يشوع بن نون لأريحا، من قتل وتدمير وتطهير عرقي ضد ‏شعب يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، وهذا ما يجري منذ أوائل القرن الماضي، ‏ضد الشعب العربي الفلسطيني حتى يومنا هذا، صاحب هذا الوطن الذي لا يعرف له ‏وطن غيره منذ آلاف السنين.‏

إن الحركة الصهيونية تدعي أنهم كانوا هنا قبل ألفي عام، ولكن لم يقولوا أن قبل ‏مجيئهم إلى هنا كان يعيش هنا شعب قبلهم بآلاف السنين، واحتلت قسم من أرضه ‏الذي أقيمت عليه في ذلك الزمان مملكة داهود وسليمان، وأبيد قسم من هذا ‏الشعب، ولكن القسم الأكبر بقي هنا، ومن هؤلاء الذين بقوا هنا الشعب العربي ‏الفلسطيني، هذا الشعب الذي عاش على هذه الأرض ولم يغادرها ولم يتنقل ‏إلى أي بقعة أخرى من هذا العالم، وهنا له ماض وحاضر ومستقبل، وله حضارة ممتدة ‏في عمق التاريخ في هذا الوطن.‏

(يتبع)

الصورة: بوستر طُبع في العام 1975 للوحة سليمان منصور الشهيرة "جمل المحامل".

 

 

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين