الإنجاز الصهيوني الكبير وغير المتوقع بالنسبة لهم أعطاهم النفس للتخطيط من أجل زيادة الهجرة إلى فلسطين، وبشكل خاص من الاحتياط الذي وضعوه أمامهم، أي من اليهود المقيمين في العالم العربي، حيث كانت الهجرة الكبرى في هذا العالم في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، من العراق ومصر والمغرب العربي.
بعد هذا، بدأت مخططاتهم بالتنسيق مع الاستعمار البريطاني والفرنسي والأمريكي للعمل التخريبي في العالم العربي، وبشكل خاص بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في مصر سنة 1952، بقيادة القائد الوطني الخالد جمال عبد الناصر، هذه الثورة التي بدأت التآمر عليها منذ ولادتها تقريبا، لأن كل قوى الشر في هذه المنطقة رأت فيها خطرا على مصالحها في هذه المنطقة، وازداد هذا التآمر بعد أن بدأت توجهها الوطني الصادق، وبدأت معركتها ضد الاستعمار ومن أجل التحرر والانطلاق بمصر نحو التقدم والتطور الصناعي والزراعي، وبعد أن توجه عبد الناصر لعقد صفقة السلاح مع تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية في ذلك الوقت سنة 1954.
ومن الناحية العملية، بدأت معركة هذه الثورة التحررية بشكل أقوى عندما أعلن عبد الناصر في عيد الثورة سنة 1956 عن تأميم قناة السويس المصرية، الأمر الذي أدى إلى شن عدوان ثلاثي على مصر في نفس السنة من قبل بريطانيا وفرنسا وإسرائيل. الحقيقة أنه في هذه الحرب أبدى الجيش والشعب المصري بطولة كبرى ومهمة في مواجهة هذا العدوان الغاشم على الشعب المصري، وكانت إحدى هذه المعارك المهمة بور سعيد، حيث حاولوا إنزال قوات فرنسية في هذه المدينة، وكان الدور المميز للضابط السوري جول جمال الذي قام بعملية انتحارية، حيث استطاع ان يفجر نفسه في السفينة الحربية الفرنسية التي كانت تقل آلاف الجنود لإنزالهم في بور سعيد، وكانت قد تحطمت وغرقت بمن فيها من جنود وعتاد وأسلحة.
بعد هذا، جاء الانذار السوفييتي الشهير الذي أطلقه في ذلك الوقت القائد السوفييتي بولغانين، الأمر الذي أدى إلى وقف الحرب وانسحاب جميع هذه الجيوش المعتدية وهم يجرون أذيالهم وخيبتهم في تلك المرحلة المصيرية في تاريخ مصر، هذا بالإضافة إلى التضامن العربي والعالمي الواسع مع مصر ضد هذا العدوان.
وكان قد ساهم عبد الناصر قبل هذا في إنشاء مجموعة دول عدم الانحياز خلال عقد مؤتمر باندونخ في اندونيسيا، بمشاركة الرؤساء أحمد سوكانوا رئيس اندونيسيا، ونهرو رئيس الهند، وتيتو رئيس يوغسلافيا، وشو ان لاي رئيس وزراء الصين، وجمال عبد الناصر رئيس مصر، ومن هذا المؤتمر انطلقت مجموعة دول عدم الانحياز والتي رآها الاستعمار عدوا وخطرا عليه، وانطلاقا من هذا الدور التاريخي المهم الذي لعبه عبد الناصر في تلك المرحلة، أخذ اسمه يسطع في العالم العربي والعالم كله، وبهذا رفع اسم مصر عاليا.
نتيجة لهذا الدور، كان من الطبيعي الاستمرار في حبك المؤامرات على مصر من قبل ثلاثي قوى الشر، الاستعمار العالمي والحركة الصهيونية الممثلة بحكام إسرائيل والرجعية العربية، كل هذا خوفا على مصالحهم ومراكزهم في العالم العربي والشرق الاوسط، وعلى هذا الأساس، عملوا بكل مثابرة لإيجاد الفرصة المناسبة لتسديد ضربتهم ضد مصر وقائدها الوطني جمال عبد الناصر، وفي الحقيقة، استطاعوا أن يضربوا ضربتهم الموجعة من خلال عدوان حزيران سنة 1967، هذه الحرب التي كانت بمثابة ضربة قوية ومؤلمة لثلاثة جيوش عربية، سوريا والأردن وبشكل خاص لجيش مصر ولعبد الناصر، بعد أن رأى خيانة بعض القيادات، أعلن عن استقالته وتحمله كامل المسؤولية لهذه الهزيمة، ولكن الشعب المصري بأكثريته المطلقة رفضت هذه الاستقالة عندما خرجوا إلى الشوارع في جميع المدن المصرية وأجبروه على التراجع عن هذه الاستقالة.
إن هزيمة الجيش المصري بالذات كانت صدمة كبيرة للشعوب العربية، وبشكل خاص للقوى الثورية والوطنية، لأن هذه القوى كانت قد بنت آمالا كبيرة على مصر وجيشها وقائدها.
والحقيقة التي يجب رؤيتها، أن هزيمة الجيش المصري لم تكن نتيجة عدم وجود السلاح المطلوب لديه، بل كان لعدم مبالاة وخيانة بعض القيادات العليا الأساسية فيه، مثل وزير الدفاع عبد الحكيم عامر، وقائد الأركان شمس الدين بدران، وقائد الطيران صدقي محمود، فماذا يعني أن تكون البلاد في حالة طوارئ وحالة استنفار قصوى، ووزير الدفاع وقائد الطيران يسهرون في ناد ليلي في مثل تلك المرحلة الصعبة؟ وماذا يعني أن يكون قائد الأركان في محادثات مهمة في موسكو وفي طريق العودة يمر على السفارة الأمريكية في مدريد، وهناك يفرغ كما يقولون "جرابه" ويعود الى مصر؟ هذا هو الواقع الذي كان في تلك المرحلة، الذي مع الأسف لم يكتشفه عبد الناصر إلا بعد أن فات الأوان.
كيف كان بإمكان القوات الإسرائيلية أن تضرب الطيران المصري وهو في مطاراته؟ لو كان هناك حالة استنفار حقيقية لما استطاعت أن تضرب مثل هذه الضربة الكبرى للطيران المصري، ومن الناحية العملية، كانت هي أحد الأسباب الأساسية لهزيمة الجيش المصري، الذي أصبح مكشوفا في سيناء دون أي حماية له- لا طيران ولا يحزنون.
لذلك، لم تكن صدفة هبة الشعب المصري الكبرى من أجل تراجع عبد الناصر عن استقالته، وعودته إلى تحمل مسؤولياته من جديد من أجل قيادة مصر وجيشها الوطني، الأمر الذي أدى إلى إعادة تنظيم الجيش من جديد، وبقيادات شبابية جديدة التي رأت اهمية كبرى في استعادة هيبة ومكانة الجيش الوطني المصري، وفي ذات الوقت، استطاع عبد الناصر إعادة تسليحه من جديد بجميع أنواع الأسلحة المطلوبة خلال أشهر قليلة، وبدأ من الناحية العملية ما سمي في ذلك الوقت بحرب الاستنزاف.
لكن الشيء المؤسف، لم يستطع عبد الناصر اكتشاف خيانة السادات وعينه نائبا له، وهناك عدد من الوثائق التي تظهر مسؤولية السادات في موت جمال عبد الناصر، وهناك وثائق أخرى تشير إلى تعامل السادات مع المخابرات الأمريكية منذ أواسط الخمسينيات من القرن الماضي.
يجب رؤية الهدف الاول والأساسي لهذه الحرب العدوانية على الشعوب العربية، وهو اسقاط الأنظمة الوطنية في مصر وسوريا من أجل إزاحة هذه الانظمة التقدمية، وحتى يتمكن الاستعمار الأمريكي استعادة دوره ومراكزه في العالم العربي، وفي الوقت ذاته، استمرار مطامع حكام إسرائيل في التوسع على حساب الشعوب العربية، وبشكل خاص الشعب العربي الفلسطيني، وإنهاء حقه في تقرير مصيره بنفسه كبقية شعوب الارض.
لا شك أن هذا الانتصار الذي حققوه حكام اسرائيل في هذه الحرب العدوانية المدعومة أمريكيا قد فتح شهية هؤلاء الحكام إلى التوسع والسيطرة على الأراضي الواسعة، من الأراضي المصرية والسورية وكذلك بقية الأراضي الفلسطينية، في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعلى هذا الأساس منذ اليوم الأول، أعلنوا ضم مدينة القدس المحتلة إلى إسرائيل.
وبمناسبة الذكرى الأولى لاحتلال القدس وضمها إلى السيادة الإسرائيلية، عقدت جماعة "أرض إسرائيل الكاملة" مؤتمرا لها في الخامس من حزيران سنة 1968 في مدينة القدس المحتلة، وكان بحثهم الأساسي في هذا المؤتمر هو البدء بإقامة المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن هذا الأمر يؤكد تماما أن الحركة الصهيونية الممثلة بحكام إسرائيل لم تكن في يوم من الأيام وجهتها نحو السلام والحل العادل، بل دائما كانت وما زالت وجهتها نحو الحرب والتوسع، وكما يقتبس الرفيق إميل توما في كتابه "الصهيونية المعاصرة– ص 358"، على لسان صحيفة جماعة "أرض إسرائيل الكاملة"، المسماة "الجبهة" (هحازيت)، ما يلي: "يكثرون من القول: أليس هدفنا هو السلام؟ هذه صبغة كاذبة، ما جئنا إلى هنا من أجل السلام، وكل ما نفعله هنا ليس من أجل السلام، وإنما من أجل خلاص شعب اسرائيل وأرض إسرائيل، إن فكرة السلام ليست بمهمة تجاه الفكرة المركزية التي جئنا من أجلها هنا ومن أجلها سفكنا الدماء، دماءنا ودماء الآخرين، وسنضطر بالطبع لسفك مزيد من الدماء. كان ثمة خياليون حاولوا إخراج سفك الدماء من طريق الصهيونية، ولكن الواقع أثبت أن اقوالهم كخيوط العنكبوت، ومن يشترط خلاص إسرائيل بطرق السلام معاد للأخلاق، لأنه ليس هناك أكثر خلقية من تخليص شعب إسرائيل في أرضه التي هي أرضه الوحيدة، بينما للعرب هنا وللعرب في بلاد الشرق الأوسط دول وبلدان عديدة وغنية، هدفنا هو– عودة صهيون لا السلام".
الاستنتاج من هذا الكلام أن الحركة الصهيونية في جوهر فكرها ومنذ قيامها، ليست فقط حركة عنصرية، بل في هي أيضا حركة تعتمد في توجهاتها وعملها من أجل الوصول إلى أهدافها الإجرامية على سفك الدماء مهما كلفها الثمن، وهذا ما جرى منذ غزو يشوع بن نون لأريحا، من قتل وتدمير وتطهير عرقي ضد شعب يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، وهذا ما يجري منذ أوائل القرن الماضي، ضد الشعب العربي الفلسطيني حتى يومنا هذا، صاحب هذا الوطن الذي لا يعرف له وطن غيره منذ آلاف السنين.
إن الحركة الصهيونية تدعي أنهم كانوا هنا قبل ألفي عام، ولكن لم يقولوا أن قبل مجيئهم إلى هنا كان يعيش هنا شعب قبلهم بآلاف السنين، واحتلت قسم من أرضه الذي أقيمت عليه في ذلك الزمان مملكة داهود وسليمان، وأبيد قسم من هذا الشعب، ولكن القسم الأكبر بقي هنا، ومن هؤلاء الذين بقوا هنا الشعب العربي الفلسطيني، هذا الشعب الذي عاش على هذه الأرض ولم يغادرها ولم يتنقل إلى أي بقعة أخرى من هذا العالم، وهنا له ماض وحاضر ومستقبل، وله حضارة ممتدة في عمق التاريخ في هذا الوطن.
(يتبع)
الصورة: بوستر طُبع في العام 1975 للوحة سليمان منصور الشهيرة "جمل المحامل".



.png)

.png)






.png)

