صراع الأسطورة والحقيقة  (12)| توفيق كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

إن شعب هذه الارض، الذي هو الشعب العربي الفلسطيني، ليس هو من قام بعملية سبي بابل، ولم يطرد أحدا من هذه الارض، ليس فقط قبل ألفي عام، بل على مدى تاريخه الطويل على هذه الارض وفي هذا الوطن. إن الذين عاشوا هنا من الناس الذين يتبعون الديانة اليهودية كانوا قد عاشوا على هذه الأرض، وسكان هذا الوطن من مختلف الديانات والمذاهب بمحبة واحترام متبادل وتعايش إنساني، حتى جاءت الحركة الصهيونية والاستعمار البريطاني، وبدأوا في سياسة فرّق تسد وفي خلق الفتن بين الديانات والطوائف التي كانت تعيش سوية وبعلاقات إنسانية في الأرض التي كانت تسمى "أرض كنعان" قبل آلاف السنين، وأصبح اسمها فيما بعد فلسطين، وما زال اسمها فلسطين، والتي يمكن حتى الآن أن يعيش فيها بمحبة وتعايش سلمي لمختلف الديانات والطوائف، لولا الأطماع الاستعمارية والصهيونية الممثلة بحكام اسرائيل، الذين لم يفكروا لا بالسلام ولا بالتعايش الإنساني بين البشر، بل كان وما زال توجه هؤلاء الحكام نحو الحرب والعدوان على الشعب العربي الفلسطيني وباقي شعوب هذه المنطقة من العالم.

إن كتبة التوراة، ويسمى أيضا العهد القديم، الذي كتب بعد رحيل موسى بمئات السنين كانوا قد اخترعوا ربا خاصا بهم، وحسب ادعاءاتهم كان يحرضهم على قتل وابادة أقوام اخرى، وحتى أكثر من ذلك، بأن هذا الرب الذي يدعونه كان يقاتل الى جانبهم، فأي أسطورة هذه التي اخترعوها!

أما الحركة الصهيونية فقد اخترعت شعبا ايضا، على مزاجها من أجل خدمة أهدافها العنصرية ضد شعب مسالم يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، إن كل الديانات التي نسميها سماوية كانت قد انتشرت في جميع أنحاء العالم، ومنها اليهودية ومن بعدها المسيحية ثم الإسلامية، ولكن لا يمكن أن نسمي كل من اعتنق هذا الدين او ذاك بالشعب، انما نسميها الديانة اليهودية والديانة المسيحية والديانة الاسلامية، ولكن الحركة الصهيونية ومن أجل تنفيذ أجندتها وإقامة "الوطن القومي" في فلسطين، اعتبرت أن كل من اعتنق الديانة اليهودية في جميع أنحاء العالم على أنهم شعب واحد، ومن هذا المنطلق اخترعت الحركة الصهيونية "الشعب اليهودي" العابر للقارات والدول في جميع انحاء العالم.

إن الحركة الصهيونية عملت بشكل مثابر ومنظم من أجل تسويق هذا الاختراع، ليس فقط بين المنتمين إلى الديانة اليهودية، بل أيضا في جميع انحاء العالم، وعملت على أن هذا "الشعب اليهودي" العالمي هم ورثة "قوم موسى وورثة مملكة داهود وسليمان"، كان وما زال الهدف الأساسي هو استغلال الدين من أجل تجنيد يهود العالم، والعودة إلى الأرض التي وعدهم بها الرب كما يدعون، ومن أجل كسب عطف وتأييد الدول الاستعمارية لمطالبهم ومخططهم الاستعماري، بإقامة الوطن القومي في فلسطين من جديد بعد أن رحلوا منها قبل ألفي عام كما يدعون، مع ان هناك الكثير من الباحثين والمؤرخين يؤكدون أن هذا التقدير غير صحيح من حيث الواقع التاريخي، بل الحقيقة أن الذين خرجوا في تلك الحقبة كانوا من أصحاب الأموال ومن علماء التوراة وبعض رجال الدين اليهودي الكبار، أما الناس العاديين من فلاحين والطبقة الفقيرة وهم الأغلبية المطلقة من الناس الذين يتبعون الديانة اليهودية، بقوا في أرضهم ولم يغادروها في ذلك الزمن، وعاشوا مع سكان فلسطين العرب بحسن جوار وتعايش، خاصة بعد الفتح الإسلامي.

إن هذا الواقع يؤكد عدم صدق بعض كتاب التاريخ اليهودي، حيث يدعون أنه بعد خراب أورشليم قد تشتت اليهود في جميع أنحاء العالم، ولم يتمكنوا من العيش في وطنهم، وهذا عمليا تزويرا للتاريخ الواقعي الذي كشفه الكثير من المؤرخين والباحثين.

إن كتبة التاريخ الذين ينتمون إلى الفكر الصهيوني، من المعروف عنهم أنهم يحاولون دائما إخضاع التاريخ لمصلحة أجندتهم الاستعمارية، ولذلك فإن الشيء الذي لا يلائم فكرهم لا يعترفون به ولا يذكرونه ويشطبونه من حساباتهم، بكل بساطة وكأن الشيء التاريخي هذا او ذاك لم يحدث ابدا، لأن هذا يتناقض مع الغاية والهدف الذي يريدون الوصول إليه، وفي الوقت نفسه، يخالف توجههم العدواني والعنصري خاصة في هذه المرحلة توجههم غير الإنساني وغير الأخلاقي وحتى الفاشي تجاه الشعب العربي الفلسطيني صاحب الحق التاريخي والأخلاقي على أرض هذا الوطن المنغرس فيه منذ آلاف السنين، ومن أجل تزويرهم للتاريخ، يعملون ليس فقط على تجاهل هذا التاريخ، بل أيضا يحاولون محوه من الذاكرة الإنسانية، وحشو العقول بأساطير خيالية لا لها بداية ولا نهاية من الكذب والتزوير.

 

 ملاحظات لا بد من تقديمها للتوضيح

خلال قراءتي للعهد القديم، كنت قد لاحظت شيئا مهما في رأيي، وهو أن النبي موسى لم يكن رسولا لكل البشرية، وأن رسالته لم تكن عالمية، بل كانت رسالته مختصة فقط لقومه "بني إسرائيل"، ومن خلال قراءتنا للعهد القديم أيضا بأن كانت مهمته إنقاذ بني إسرائيل من العبودية التي كانوا يعيشونها في مصر في تلك المرحلة، ومن أجل أن يوصلهم إلى الأرض التي وعدهم بها الرب كما يدعون، واحتلال هذه الأرض وإبادة الأقوام الذين عاشوا عليها منذ آلاف السنين.

في مقابل ذلك، نرى أن الرسل الذين جاؤوا من بعده كانت رسالتهم عالمية، فمثلا عيسى عليه السلام عمل على نشر رسالته إلى العالم كله ولم يقتصرها على شعب معين، وكذلك علم تلاميذه من بعده لنشر رسالته إلى البشرية أجمع، ومن المعروف أنه جاء بعد السيد المسيح النبي العربي سيدنا محمد، الذي عمل أيضا بكل قوة من أجل نشر رسالته السماوية في جميع أنحاء العالم، وهذا أيضا ما فعله من بعده الخلفاء الراشدين، حيث قاموا بحملات لنشر رسالة الدين الإسلامي.

من المعروف تاريخيا أنه خلال محاولة تلامذة المسيح نشر رسالة عيسى على العالم، والذين اعتنقوا الديانة المسيحية، لم يعملوا على ترحيل أي شعب من وطنه، وهذا ما فعله الإسلام خلال عملية الفتوحات الإسلامية، ليس أنهم لم يرحلوا أي شعب من وطنه، بل أيضا لم يفرضوا دينهم فرضا على الشعوب الأخرى التي دخلوا إليها، وفي ذات الوقت لم يتعرضوا لمعابد الديانات الاخرى بأي سوء، بل احترموا الديانات الأخرى، اليهودية والمسيحية، وما العهدة العمرية إلا دليل على ذلك الموقف الإنساني الذي تحلى به الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب في تلك المرحلة.

إن هذا الموقف الذي تحدثت عنه بنشر الرسالات المسيحية والاسلامية على أنني موافق على كل الأساليب التي استعملت من أجل نشر هذه الرسائل، ولكن هدفي هو إظهار شيء مهم وأساسي، وهو أن أصحاب هذه الرسائل التي عملوا على نشرها في العالم لم يعملوا على ترحيل سكان هذه المناطق التي دخلوها، وفي الوقت نفسه، نرى أنهم احترموا إلى حد معين تقاليد ومشاعر هؤلاء السكان في تلك المناطق التي دخلوا إليها من أجل نشر رسالتهم الدينية.

في مقابل العمل على نشر الرسائل السماوية عالميا، كان توجه النبي موسى يختلف كليا، وكذلك من جاء بعده، حيث كانت رسالته مخصصة فقط إلى قومه، بني اسرائيل، وكذلك اعتبر هذا القوم هو "المفضل على العالمين"، وعلى أنه هو "شعب الله المختار"، ومن الواجب العمل على أن يبقى نقيا من "الأغيار".

من المعروف ايضا، وكما جاء في "العهد القديم"، أن النبي موسى لم يأت إلى ارض كنعان كمبشر لرسالته السماوية للأقوام التي عاشت على هذه الأرض منذ أكثر من ألفي عام، بل جاء هو وقومه بأمر من الرب الذي "اخترعوه" لقتل عدة أقوام واحتلال أرضهم، فهل يعقل أنه يوجد رب كهذا؟ حتى هذا الرب الذي اخترعوه كان يغضب من تصرفات قوم موسى وحتى من موسى نفسه، ومن سليمان الملك، لأنه تزوج عددا كثيرا من النساء من غير بني إسرائيل، لذلك قال الرب لسليمان انه سوف يمزق مملكته من بعده، وهذا أيضا ما جاء في العهد القديم.

كما عرف ايضا، أن النبي موسى لم يدخل ارض كنعان، وكما جاء في "سفر التثنية" في الإصحاح الثاني والثلاثون: "وكلم الرب موسى في نفس ذلك اليوم قائلا، اصعد إلى جبل عباريم، هذا جبل نبو في أرض موآب قبالة أريحا، وانظر إلى أرض كنعان التي أنا اعطيها لبني إسرائيل ملكا، ومت في الجبل الذي تصعد إليه وانضم إلى قومك كما مات هارون، أخوك في جبل هور، وضُم إلى قومه لأنكما خنتماني في وسط بني إسرائيل عند ماء مريبة قادش في برية صين، إذ لم تقدساني في وسط بني إسرائيل، فإنك تنظر إلى الأرض قبالتها، ولكنك لا تدخل إلى هناك، إلى الارض التي أنا اعطيها لبني إسرائيل".

من هذا الحديث، يظهر أن النبي موسى لم يدخل أرض كنعان، بل فقط رآها من بعيد، وهناك في المكان الذي تحدث عنه الرب توفي النبي موسى، والرب أعطى المسؤولية لدخول أرض كنعان ليهوشواع بن نون، الذي كان مرافقا دائما للنبي موسى في تلك المرحلة، ويهوشواع بن نون هو الذي ارتكب ونفذ الأعمال الإجرامية أولا بحق سكان أريحا، وفي عدة اماكن اخرى، وهنا نرى أنه من الناحية العملية، لم يقم باحتلال البلاد فقط إنما بإبادة بحق الاقوام التي كانت تعيش في فلسطين، وهذا كله باسم الرب الذي اخترعوه كتبة "العهد الجديد"، والذي كتب بعد وفاة النبي موسى بمئات السنين، ومن هنا، نرى أيضا أن هذا الاحتلال الذي بدأه يشوع بن نون رغم أنه دام مئات السنين، ولكن في نهاية الأمر زال هذا الاحتلال، وهذا حتما مصير كل احتلال مهما طال.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين