بداية مرحلة جديدة
في القرن السادس عشر للميلاد ظهرت حركة إصلاحية دينية بين المسيحيين في أوروبا والتي سميت بالبروتستانتية على يد مارتن لوثر وجون كالفن. وبعد فترة زمنية من ظهور هذه الطائفة التي تحمل أفكارًا دينية جديدة حول اليهود وفلسطين، اذ ان من منطلقاتهم الفكرية الجديدة التي يؤمنون بها ان المسيح سوف يظهر من جديد في فلسطين بعد عودة اليهود اليها، بدأت تظهر جذور ظاهرة "الصهيونية غير اليهودية". وفي هذه الفترة بالذات بدأ التفكير بإقامة حركة من اجل هذا الهدف في بريطانيا من قبل عدد من هذه الطائفة البروتستانتية والتي سميت "بحركة العودة" وكان ابرز مؤسسي هذه الحركة كما ورد في كتاب بيان نويهض: "...توماس برايتمان مؤسس "حركة العودة" وقد لاقت دعوته اذنًا صاغية وخصوصًا من الكبار أمثال كرومويل نفسه والقاضي هنري فنش الذي أصدر اول كتاب عن الصهيونية في لندن سنة 1628".
ومع تطور هذا الفكر الديني بدأ ايضًا يتطور الفكر السياسي والاقتصادي الاستعماري للدول الاستعمارية في أوروبا وبشكل خاص الاستعمار البريطاني والفرنسي حيث بسطا سيطرتهما على أكثرية دول اسيا وافريقيا في تلك المرحلة.
يقول الرفيق إميل توما في كتابه "فلسطين في العهد العثماني" ص 448- 449: "الحقيقة ان الساسة البريطانيين أمثال اللورد بالمرستون والكولونيل جورج جولر (1796-1879) أكدوا تحقيق مصالح الإمبراطورية البريطانية".
وكتب هوارس ماير كالن في كتابه "الصهيونية والسياسة الدولية": "انتشرت فكرة بعث إسرائيل باعتبارها ممكنة التحقيق على صعيد السياسة العملية والمستوى الديني في بريطانيا وفرنسا بين غير اليهود بشكل أوسع من انتشارها بين اليهود". اما بالنسبة لهولنغورت الذي كتب في العام 1852 كتابه "ملاحظات حول وضع اليهود في فلسطين" فقد قال فيه: "لم تكن إقامة الدولة اليهودية في فلسطين عملًا انسانيًا وعادلًا. بل ضرورة سياسية في الذهن البريطاني لحماية الطريق عبر اسيا الصغرى الى الهند. اما المحرك المباشر لهذا التفكير فكان الحديث الملحّ حول قناة السويس. فهذا المشروع الكبير حوّل الفرنسيين للتفكير بالفكرة نفسها "أي بعث إسرائيل".
امام هذا الواقع الجديد الذي أدى الى توحيد الفكر الديني مع الفكر السياسي الاقتصادي الاستعماري تبرز الخطورة الكبرى على مستقبل الشعوب. وهذه الأفكار العنصرية والرجعية كانت الطلقة الأولى التي أطلقت ضد حق الشعب العربي الفلسطيني في تلك المرحلة المبكرة على هذا الشعب المسالم. حيث بدأ يتطور الفكر الصهيوني العنصري والرجعي قبل ظهور الحركة الصهيونية بقيادة هرتسل بسنوات طويلة. وكان هؤلاء الكتاب الأوائل يدخلون الفكر الديني حول بعث دولة إسرائيل من جديد. ولكن الحقيقة ان المحرك الأساسي لهذه الأفكار الاستعمارية البريطانية والفرنسية هو مصالحهم السياسية والاقتصادية الاستعمارية من اجل استمرار سيطرتهم على مستعمراتهم المترامية الأطراف في آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية في تلك المرحلة. من هنا نرى ان هذه القوى الاستعمارية والدينية قد وضعت فلسطين هدفا لها من اجل السيطرة عليها باي أسلوب من الأساليب اللاإنسانية واللا أخلاقية من اجل مصالحهم اللا أخلاقية ايضًا في فلسطين والعالم وبناءً على هذا الموقف بدأوا في وضع الخطط من أجل تنفيذ هذا الهدف الاستيطاني الاستعماري.
///المرحلة الثانية شراء الأرض في العهد العثماني
من اجل تنفيذ خططهم هذه في فلسطين كان لا بد من خلق الأساس المادي لإتمام المخططات، والخطوة الأساسية للوصول لهذا الهدف هو امتلاك الأرض في فلسطين عن طريق شراء الأرض ولذلك كانت أول عملية لشراء الأرض بواسطة متمولين يهود وكانت هذه البداية في العهد العثماني. وكما جاء في كتاب الكاتب الفلسطيني الباحث في هذا المجال الدكتور محمد الحزماوي في كتابه المسمى "ملكية الأراضي في فلسطين" (ص27): "كانت البدايات الأولى لشراء اليهود أراضي في فلسطين عام ١٨٥٥ على يد السير منتوفيوري زمن السلطان عبد المجيد (١٨٣٩-١٨٦١) حيث أصدر السلطان فرمانا سمح بموجبه لمنتوفيوري بشراء أراضي في فلسطين فاشترى قطعة أرض في منطقة موزا بالقرب من القدس وقد أقيم عليها فيما بعد الحي اليهودي المعروف اليوم بحي منتوفيوري".
لقد كانت عملية الشراء هذه العملية الأولى لشراء الأرض في فلسطين حيث كان في تلك الفترة يمنع بيع الأرض للأجانب، ولكن بعد هذه العملية بثلاث سنوات فقط أي في سنة ١٨٥٨ سن قانون عثماني جديد والذي سمح بموجبه بيع الأرض في فلسطين للأجانب. وفي الواقع مع صدور هذا القانون فتحت الشهية لدى متمولين يهود آخرين لشراء الأرض وإقامة المستعمرات. وبعد هذه الفترة بقليل كان قد رصد البارون روتشيلد مبلغ خمسة ملايين جنيه إسترليني لشراء الأرض في فلسطين. وفي سنة ١٨٧٠ أقيمت أول مستعمرة يهودية التي سميت مكفيه يسرائيل والتي تعني "أمل إسرائيل" على أراضي القرية العربية اليازور والتي تقع قرب مدينة يافا. وفي تلك الفترة بدأت السلطات العثمانية بالموافقة على تأجير الأراضي لجمعيات يهودية مقابل مبالغ زهيدة لمدة ٩٩ عاما. وبعدها بدأت تتسع عملية شراء الأراضي في فلسطين.
الكاتب محمد الحزماوي في دراسته القيّمة والتي صدرت في كتاب تحت اسم "ملكية الأراضي في فلسطين" يسلط الضوء على كيفية ومدى تسرب الأرض في فلسطين، ويصل الى نتيجة أنه خلال العهد العثماني وصل عدد المستعمرات التي أقيمت على الأراضي الفلسطينية حتى العام ١٩١٤ الى ٤٧ مستعمرة تحتل 420,600 دونم من الأراضي الفلسطينية. ومن المعروف أن هذه المستعمرات أقيمت على أراضي قرى عربية التي جرى ترحيل سكانها بالقوة في ذلك الوقت. ووصلت مساحة الأراضي المطوبة باسم السكان اليهود في فلسطين حتى سنة ١٩١٨ الى ٦٥٠ الف دونم. ومن المعروف أيضًا ان هذه الأراضي كانت من الأملاك التي تسمى أملاك الدولة وكذلك من الملاكين الكبار غير الفلسطينيين.
في أواخر القرن الـ١٩ بدأت تبرز الصحوة العربية الفلسطينية على خطر الأطماع الصهيونية في أرض فلسطين وأرسلت أول رسالة احتجاج الى السلطات التركية كما ذكر الباحث الحزماوي: "في العام ١٨٩١ بعث عدد من وجهاء وأعيان القدس مذكرة الى الحكومة المركزية في إستانبول طلبوا فيها فرض القيود على الهجرة اليهودية الى فلسطين والعمل على منع انتقال الأراضي اليهم" (ص ٧٨).
لكن الواقع يؤكد ان هذا التحرك كان متأخرا لأنه في تلك المرحلة بدأ يبرز الضعف والفساد في الامبراطورية العثمانية، وبدأت تظهر المخططات الاستعمارية البريطانية والفرنسية والروسية وطمعهم من أجل السيطرة على منطقة الشرق الأوسط وإخراج تركيا من هذه المناطق.
في العام ١٨٩٧ عقد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية العالمية والتي وضعت هدفها الأول إقامة الوطن القومي اليهودي في أرض فلسطين وكان زعيم هذه الحركة في ذلك الوقت هو زئيف هرتسل.
بعد هذا المؤتمر بسنوات بدأت الحرب العالمية الأولى (سنة ١٩١٤) الأمر الذي أدى الى انهيار الامبراطورية العثمانية وخلال هذه الحرب تم وضع اتفاقية سايكس-بيكو (سنة ١٩١٦) والتي تنظم عملية تقسيم المنطقة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية ولكن هذه الاتفاقية كان قد كشفها لينين بعد انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا سنة ١٩١٧. وهي ذات السنة التي جاء فيها "وعد بلفور" المشؤوم حيث تعهدت بريطانيا بإقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين.
في كتاب الرفيق اميل توما الصهيونية المعاصرة يذكر ما قاله زميل هرتسل الزعيم الصهيوني ماكس نوردو في خطاب له سنة ١٩١٩ بمناسبة ذكرى وعد بلفور وبحضور لويد جورج (رئيس الوزراء البريطاني) وآرثر جيمس بلفور (وزير الخارجية): "نعرف ما تتوقعون منا. أن نكون حرس قناة السويس. علينا أن نكون حراس طريقكم الى الهند عبر الشرق الأدنى. نحن على استعداد لتنفيذ هذه الخدمة العسكرية ولكن من الضروري أن نصبح قوة حتى نتمكن من القيام بهذه المهمة" (ص. ٣٤٣).
ومن المعروف ان في تلك الفترة كانت بريطانيا قد احتلت فلسطين في شهر نيسان سنة ١٩١٨ وبدأ الحكم العسكري البريطاني في فلسطين. ومنذ ذلك الوقت بدأت عملية تنفيذ المؤامرة على شعبنا العربي الفلسطيني بشكل مبرمج في زمن الانتداب البريطاني والذي بدأ بتعيين مندوب سامي صهيوني على فلسطين هو هربرت صموئيل والذي دعا قبل بلفور الى إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين أي كما يقول المثل: وكلوا القرد بمعط الجلد، وهكذا ظهرت النوايا المبيتة ضد الشعب الفلسطيني من قبل الاستعمار البريطاني والحركة الصهيونية العالمية والتي تستهدف فتح باب الهجرة اليهودية الى فلسطين تحت غطاء ديني من خلال ترديد مقولتهم حول أنهم الورثة الشرعيين لدولة داوود وسليمان التي انتهت خلال القرن العاشر قبل الميلاد، وتحت شعار أنها أرض الميعاد. وعلى انها: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"، وهي المقولة الأسفل والأسخف والأحقر من بين المقولات التي نشرتها الحركة الصهيونية في تلك المرحلة وسوقتها بشكل واسع لدى الدول الاستعمارية ذات الأطماع الكولونيالية في فلسطين. حيث أن هذه الدول كانت صاحبة السلطة والقرار في تلك المرحلة. (يتبع)
الصورة: السلطان العثماني عبد المجيد أول من سمح ببيع أرض للصهاينة الأوائل.



.png)

.png)






.png)

