منذ البداية وحتى قبل الانتداب بسنوات كان التنسيق الكامل مع القيادات الصهيونية في فلسطين وخارجها من أجل وضع الأسس السياسية والاقتصادية لبناء الدولة اليهودية. ولذلك لم يكن صدفة إعطاء امتيازات اقتصادية هامة لمتمولين يهود في فلسطين.
يعدد الباحث الفلسطيني محمد الحزماوي أهم الامتيازات الاقتصادية التي حصل عليها المتمولون ويخص بالذكر ثلاثة مشاريع كبيرة هي:
1. امتياز روتنبرغ سنة ١٩٢١ (امتياز نهر العوجا) وما تبعه من الامتياز الذي حصلت عليه شركة الكهرباء الفلسطينية لتوليد الطاقة الكهربائية من نهري الأردن واليرموك سنة ١٩٢٦.
2. امتياز شركة البوتاس الفلسطينية عام ١٩٣٠ لاستخراج الأملاح والمعادن من البحر الميت.
3. امتياز تجفيف مستنقعات الحولة عام ١٩٣٤.
هذه المشاريع الهامة والكبيرة أعطت الإمكانيات الواسعة لمثل هذه الشركات من أجل بناء القاعدة الاقتصادية الواسعة للحركة الصهيونية، وبالتالي بناء قاعدة جماهيرية سياسية داخل فلسطين، ومن خلال هذه المشاريع تم أيضًا السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية.
إن الحركة الصهيونية منذ نشأتها قامت على أساس عنصري ولكن في الوقت نفسه كانت حركة نشطة، وضعت هدف إقامة الوطن القومي في فلسطين، وعلى هذا الأساس بنت علاقاتها السياسية والاقتصادية مع الدول الاستعمارية ذات التأثير في فلسطين. ولذلك بدأت ببناء العلاقة مع الاستعمار التركي حيث استطاعت ان تحقق مكاسب أولية في تلك المرحلة مثل شراء الأرض وبناء بعض المستعمرات التي وصل عددها كما ذكرنا سابقًا إلى 47 مستعمرة حتى سنة 1914.
كانت علاقتها مع الاستعمار البريطاني قوية جدًا خاصة وانه كان هناك وزراء صهاينة في الحكومة البريطانية. وعلى أساس هذه العلاقة جاء وعد بلفور، وبعد احتلال بريطانيا لفلسطين كان تأثير هذه الحركة أكبر بكثير خاصة وان بعض قادتها كانت تعرف جيدًا ان للطرفين الصهيوني والبريطاني مصالح مشتركة. وعلى هذا الأساس نرى بوضوح الأيدي الصهيونية في صياغة "صك الانتداب" البريطاني على فلسطين الذي أقرته الأمم المتحدة في تاريخ 1922\7\24، هذه الوثيقة التي تضمنت بشكل واضح إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين. وكما جاء في كتاب الكاتب محمد الحزماوي "ملكية الأراضي في فلسطين" ص. 95:
"جاء الصك مجحفًا بحقوق العرب فمع انهم يشكلون أغلبية السكان في فلسطين يلاحظ ان مواد الصك لم تتضمن كلمة "عرب" على الاطلاق بل اشارت إليهم ببعض العبارات متجاهلة لوجودهم وحقوقهم التاريخية في أرض فلسطين. ومن هذه العبارات "الأطراف الأخرى" والفئات غير اليهودية. بينما يلاحظ تركيز معظم مواد الصك على اليهود وإقامة الوطن القومي اليهودي. وشكل الصك غطاء دوليًا وقانونيًا لوعد بلفور، فقد تضمن مواد صريحة تجيز للدولة المنتدبة بتسهيل إقامة الوطن القومي اليهودي وتحويل فلسطين لمصلحة المشروع الصهيوني".
لقد بدأت اليقظة الأولى بين الجماهير العربية في فلسطين تظهر نتيجة لرؤية هذه الجماهير للخطر الداهم من قبل الصهيونية العالمية على الأرض الفلسطينية، هذه الحركة التي تخطط لإنشاء الوطن القومي وعلى أساس ذلك، كان هذا التحرك قد بدأ في أواخر الحكم العثماني ولكنه ازداد بشكل أكثر تنظيمًا بعد وعد بلفور وبشكل خاص بعد ان صدر صك الانتداب على فلسطين، هذا الصك الذي فيه اعلان واضح بضرورة إقامة الوطن القومي لليهود في فلسطين وبكفالة بريطانيا الدولة المنتدبة على فلسطين. وعلى هذا الأساس كانت قد بدأت الحركة القومية العربية في سوريا الكبرى التي تشمل فلسطين أيضًا تنظيمها من جديد من أجل مجابهة هذا الواقع الجديد. وخلال هذه الفترة جرت تطورات متسارعة نتيجة للاحتلال الجديد من قبل بريطانيا وفرنسا للوطن العربي.
نتيجة لذلك جرى تقسيم هذا الوطن بين دولتي الاحتلال الجديدتين حيث حصلت فرنسا على الانتداب على سوريا ولبنان وبريطانيا على فلسطين والأردن والعراق. ونظرًا لهذه المتغيرات بدأت الحركة القومية العربية في فلسطين بتنظيم نفسها منفردة من اجل مجابهة هذا الواقع المتغير والخطير على مستقبل الشعب العربي الفلسطيني في وطنه. كما جاء في كتاب الرفيق اميل توما "جذور القضية الفلسطينية" المجلد الرابع ص. 59 يقول:
"في 14 كانون الأول سنة 1920 عقد القوميون من أجل فلسطين مؤتمرًا وطنيًا في حيفا اعتبروه المؤتمر الثالث (المؤتمر السوري العام كان الأول ومؤتمر المندوبين الفلسطينيين كان الثاني) وقرروا رفض وعد بلفور ووقف الهجرة وانشاء حكومة وطنية في فلسطين تتحد مع سوريا ولبنان".
من الناحية العملية كانت قد بدأت عملية التحدي للاستعمار البريطاني من قبل الحركة القومية في فلسطين في شهر شباط سنة 1920 في مظاهرة جبارة حيث اشترك فيها أكثر من 40 ألف انسان وطافت شوارع القدس. وبعد هذه المظاهرة خلال السنوات التي تلتها جرت مواجهات عديدة مع سياسة الانتداب البريطاني المعادية للعرب والداعمة في الوقت نفسه للحركة الصهيونية وفتح باب الهجرة لليهود الى فلسطين.
في سنة 1929 كانت قمة هذه المواجهات الواسعة ضد الانتداب البريطاني وجرت أيضًا صدامات كبيرة بين العرب واليهود طالت عددًا من المدن والمناطق في فلسطين. وجرى تقييم لهذه الهبة من قبل القوميين العرب حيث قالوا انها انتفاضة قومية ضد الصهيونية والانتداب البريطاني. ومن الناحية الأخرى كان تقييم الحركة الصهيونية يختلف كليًا حيث اعتبروها "مذبحة ضد اليهود" بالرغم من سقوط الضحايا من الطرفين. ولكن الاعتقالات التي قامت بها القوات البريطانية كانت للعرب حيث جرت اعتقالات واسعة في مختلف المدن العربية وكان من بين هؤلاء المعتقلين الأبطال الثلاثة الذين أعدمتهم فيما بعد القوات البريطانية في أوائل سنة 1931 وهم محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير في سجن عكا.
"... لا بد من رؤية وجهيها. فهي لم تكن مجرد اصطدامات بين عرب ويهود بل كانت جوهريا هبة جماهيرية في وجه الإدارة البريطانية الإمبريالية وهذا ما جسمته التظاهرات الشعبية لا في المدن المختلطة فحسب بل في المدن العربية الخالصة مثل نابلس، وهكذا لم تكن هذه التظاهرات عنصرية بالمعنى المعاصر بل كانت معادية للإمبريالية البريطانية". ويضيف الرفيق اميل توما حول تقييم الحزب الشيوعي الفلسطيني ويقول "وهذا ما جعل الشيوعيين العرب واليهود يقيمون هذه الحوادث بغض النظر عن سلبية بعض مظاهرها والمآسي التي سببتها. على انها انتفاضة قومية معادية للإمبريالية والصهيونية في جوهرها".
لا شكّ أن السبب الأساسي لهذه الاحداث التي جرت في تلك المرحلة هي سياسة الإدارة الانتدابية البريطانية التي تعمل دائمًا على أساس "فرق تسد" والتي كان لها الدور الأساسي والكبير في عملية اشعال العداء بين العرب واليهود، ومن اجل هذا الهدف سلّحت بشكل مكثف العصابات الصهيونية، وفي المقابل استمرار العداء للعرب عن طريق القتل والاعتقالات الأمر الذي أدى الى استمرار المواجهات بأشكال مختلفة خلال السنوات التي تلت احداث سنة 1929 ما رفع هذه المواجهات الى مرحلة أعلى في سنة 1933، وجاء هذا نتيجة لاستمرار إجلاء الفلاحين العرب عن الأراضي التي باعها الاقطاعيون للحركة الصهيونية. وهكذا نرى ان الصراع على الأرض اشتد في تلك المرحلة حيث انفجر في هبة وطنية في عام 1933 ضد الاستعمار البريطاني وكما يقول الرفيق اميل توما في كتابة "جذور القضية الفلسطينية" المجلد الرابع ص.103: "تقرر المصادر البريطانية ان بداية الوثبة كانت في آذار سنة 1933 حيث أصدرت اللجنة التنفيذية بيانًا حذرت فيه من خطر الهجرة اليهودية وانتقال الأراضي الى المؤسسات الصهيونية".
في هذه الفترة أيضًا بدأت تظهر الأحزاب السياسية في فلسطين وكان اول هذه الأحزاب هو حزب الاستقلال الذي أقيم في شهر آب سنة 1932 وبعد الهبة في 1933 تألفت عدة أحزاب جديدة وكان الحزب العربي الفلسطيني الذي تأسس في الثاني من نيسان سنة 1935 وحزب الإصلاح الذي تأسس في الثامن عشر من حزيران سنة 1935، وفي نفس الفترة أيضًا كان قد تأسس حزب الكتلة الوطنية وكانت جميع هذه الأحزاب ترى أهمية العمل من أجل استقلال فلسطين. وقبل كل هذه الأحزاب كان الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تأسس في آذار سنة 1919 وفي مؤتمره الخامس الذي عقد في تموز سنة 1923 كان قد أعلن في هذا المؤتمر "انه يرى في الحركة القومية العربية أحد العوامل الأساسية التي تقاوم الاستعمار البريطاني ولذا فهو يرى ان من الواجب القيام بكل شيء من اجل مساندة هذه الحركة بمدى مقاومتها للاستعمار". ومن الناحية الأخرى قرروا أيضًا "ان الصهيونية تتجسد فيها تطلعات البرجوازية اليهودية وان من الناحية السياسية وقفت الصهيونية في جبهة واحدة مع الاستعمار البريطاني حيث ربطت مصيرها مع المحتلين الامبرياليين".
ونتيجة لمثل هذا الموقف الواضح ومنذ ذلك الوقت تعرض الحزب الى هجوم شرس من قبل أجهزة القمع البريطانية والى هجوم من قبل الحركة الصهيونية وبالرغم من علنية باقي الأحزاب إلا ان الحزب الشيوعي كان يمارس العمل السري في زمن الانتداب البريطاني وكان هناك تعاون كامل بين أجهزة الانتداب وأجهزة الحركة الصهيونية في مقاومة الحزب الشيوعي.
في الواقع انه لم يكن هناك دور مميز لهذه الأحزاب التي قامت في تلك المرحلة، بل في الحقيقة كان الدور الأكبر للجان الوطنية الشعبية التي كانت تقوم في مختلف المدن والمناطق العربية ولذلك كان من الطبيعي أن تحصل على تأييد ودعم من الجماهير الشعبية في المدن والقرى العربية.



.png)

.png)






.png)

