ثورة سنة 1936 ما قبلها وما بعدها
يظهر واقع تلك المرحلة بشكل واضح، أن الهبات الشعبية التي كانت تحدث منذ بداية الانتداب البريطاني وحتى الهبة التي حدثت في سنة 1933 لم توقف استمرار الغليان والغضب بين الجماهير العربية الفلسطينية في مختلف المدن والقرى العربية، نتيجة للأوضاع التي ازدادت سوءا وخطورتها على مستقبل هذه الجماهير، وفي الوقت نفسه، يأس هذه الجماهير من الدور الذي تلعبه القيادات التقليدية والعائلية في فلسطين، هذه القيادات التي لم تأخذ دورها كقيادة جماهيرية تعرف ما تريد، بل كانت تكتفي بإرسال الرسائل الاحتجاجية والمطلبية من المندوب السامي ومن الحكومة البريطانية، وكانت جميع هذه الرسائل تلاقي الرفض أو الوعود الكاذبة من قبل هذه الهيئات، وكذلك الخلافات التي كانت تحدث بينها حول تركيبة بعض الوفود التي تريد أن تقابل المسؤولين البريطانيين من أجل طرح مطالبهم، وأحيانا أخرى كانوا يختلفون على مضمون الرسائل المشتركة، وعلى هذا الاساس كانت في بعض الأحيان ترسل كل فئة وجهة نظرها الخاصة بها.
ومن المعروف جيدا أن الاستعمار البريطاني كان دائما ينمي الخلافات بين الأطراف المتخاصمة ويدخل من خلالها ويستغلها لصالحه ولصالح برنامجه الأساسي، وهو تنفيذ وعد بلفور من أجل إقامة الوطن القومي في فلسطين، ولصالح الحركة الصهيونية التي كانت تعمل باستمرار وبشكل منتظم مع حكومة الانتداب، حيث كانت تسلحها باستمرار بمختلف الأسلحة والتي عن طريقها كانت تساعد القوات البريطانية في مجابهة الانتفاضات بين الجماهير العربية، ونتيجة لمثل هذا الواقع كانت الجماهير الشعبية العربية في المدن والقرى تسبق هذه القيادات في التنظيم والمجابهة مع القوات البريطانية والصهيونية.
إن كل هذه الهبات التي جرت منذ بداية الانتداب البريطاني كانت مقدمات هامة من أجل تطورات جديدة أكثر أهمية وأكثر ثورية، في مثل هذا الواقع الصعب الذي يمر فيه الشعب العربي الفلسطيني، لذلك لم تكن صدفة أن تقوم قوى ثورية من أبناء هذا الشعب في مثل تلك المرحلة الحرجة بالذات، لتعمل بشكل سري من أجل أعمال أكثر أهمية وأكثر ثورية.
في هذه المرحلة الحرجة بالذات لم تكن صدفة أن تقوم قوى تعمل على إقامة قوى عسكرية منظمة في فلسطين بشكل سري من أجل الاستعداد لأعمال عسكرية منظمة ضد القوات البريطانية والصهيونية، وكانت أول عملية عسكرية ضد مستعمرة نهلال سنة 1932 تلتها عدة عمليات عسكرية أخرى لعدد من المواقع البريطانية والصهيونية، هذا من أجل التحضير لثورة واسعة ضد الاستعمار البريطاني، وهذه المجموعة السرية تكونت بقيادة المجاهد الكبير الشيخ عز الدين القسام، حيث كانت هذه المجموعة بأكثريتها المطلقة من العمال والفلاحين البسطاء.
خلال عملية التحضير للثورة شعر الشيخ عز الدين القسام أن القوات البريطانية تراقبه وتراقب بعض الشخصيات التي تعمل معه، وبعد التشاور مع أصدقائه، قرر الخروج من حيفا واتجه مع مجموعة صغيرة من الأصدقاء إلى أحراش يعبد، فرصدتهم القوات البريطانية ودعتهم إلى الاستسلام، لكنهم رفضوا هذه الدعوة، وعندها جرت معركة غير متكافئة مع قوات كبيرة من الجيش البريطاني الذي استعمل مختلف الأسلحة ضدهم، وقد كانت معركة حامية الوطيس استمرت مدة ساعتين خلالها استشهد الشيخ القسام وثلاثة من مجموعته وبينهم من اصيبوا بجروح بالغة، كان ذلك في تاريخ العشرين من شهر تشرين الثاني سنة 1935، وعندما سمعت الجماهير في اليوم الثاني الخبر عم الحزن والغضب وأعلن الإضراب في جميع مناطق البلاد، وجرت جنازة ضخمة للشيخ القسام ورفاقه في حيفا، شارك فيها جماهير واسعة من مختلف المدن والقرى في البلاد، وكان هذا الحدث نقطة تحول جديدة في حياة الجماهير العربية في فلسطين.
في شهر نيسان من سنة 1936 جرت مصادمات بين العرب واليهود خاصة في مدينة يافا التي أعلنت الإضراب العام في المدينة احتجاجا على الاعتداءات الصهيونية على المدينة وابنائها، وفي الحقيقة كان الإضراب عفويا، ولكنه في الوقت ذاته تحول فيما بعد الى إضراب واع شمل في اليوم التالي الميناء وكل مرافق الحياة. وفي ظل هذا الواقع تحركت قوى وطنية وأقامت لجنة قومية لمتابعة التطورات الجارية، حيث كان هناك دعما سياسيا ومعنويا سريعا ليافا، بدأ من مدينة نابلس حيث أقيمت هناك ايضا لجنة قومية محلية وتوالت اقامة اللجان المحلية في مختلف المدن الفلسطينية ودعت إلى الإضراب العام في فلسطين، وقد رافق هذا الاضراب مظاهرات واسعة شملت العديد من المدن، وكانت أبرزها المظاهرة الكبرى التي جرت في مدينة نابلس في تاريخ 24/4/1936، حيث ألقى رئيس بلدية نابلس السيد سليمان طوقان كلمة رد فيها على ديزنغوف رئيس بلدية تل ابيب (كما جاء في كتاب بيان نوهض الحوت الذي يحمل اسم القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين 1917 – 1948)، الذي قال: "إننا أردنا السلام، ولكن هناك أمة وحشية مجرمة يعتدي أفراد شعبها على الآمنين منا، ولكنهم لم يخيفوننا"، فرد عليه رئيس بلدية نابلس بقوله: "إن الأدون ديزنغوف يقول هذا بصفته رئيسا لبلدية تل ابيب اليهودية – وهو رجل مسؤول عن أقواله، هذه وبصفتي رئيسا لبلدية نابلس، البلد العربي الأبي، أرى ان اتخذ من شعوركم الفياض وإخلاصكم قوة تدفعني للرد على أقواله امامكم، فليعلم الأدون ديزنغوف، أن الأمة العربية التي عرفها العالم بالأباء والكرم، وحماية الجار واللاجئ، المشهورة بنصرة الضعيف والأخذ بيد المظلوم، هذه الأمة التي تمتاز بهذه الاخلاق ليست وحشية ابدا بل لا يجرؤ أحد في العالم أن يصفها بهذا الوصف، إلا إذا كانت الطباع الوحشية متأصلة فيه. هذه الأمة التي فتحت صدور أبنائها قبل الحرب الماضية لليهود، عندما طردوا من الأمم الاخرى، وقبلتهم وحمتهم وعطفت عليهم في أوقات محنتهم، وكان الأدون ديزنغوف ممن نالوا هذا العطف، وهذه الحماية من العرب لهي بعيدة عن الوحشية كل البعد. اعلم يا ادون ديزنغوف أنه لولا الحراب الانجليزية لما تجاسرت أن تقول مما قلته حرفا واحدا، ولكان للعرب معك شأن آخر". (والاقتباس كامل لأهميته)
الحقيقة أنه من خلال هذه التطورات المتسارعة واستمرارية الإضراب نرى أن الجماهير كانت سباقة في العمل التنظيمي والوطني قبل جميع الاحزاب السياسية والقيادات التقليدية، وأن هذه القيادات متخلفة عن التطور الذي يجري على الساحة السياسية في البلاد المنتفضة ضد طغيان بريطانيا وزعرنة العصابات الصهيونية.
إثر هذا الوضع المتجدد، وبعد استمرار الإضراب بأسبوع، بادرت حيفا عن طريق شخصيات وطنية من أجل العمل على إنشاء قيادة عليا للعمل على استمرارية الإضراب وقيادة المعركة بشكل عام. وعلى أثر هذه المبادرة، أقيمت الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين الحسيني، وتألفت من ممثلين للأحزاب الستة العاملة، وممثلين للطوائف المسيحية وممثل مستقل، لكن هذه اللجنة لا تستطيع اتخاذ القرارات بدون التشاور مع اللجان القومية، هذه اللجان التي بادرت الى العمل على رفع المستوى النضالي للجماهير وفي الوقت نفسه هي التي أعلنت الإضراب العام، وأعلنت أيضا عدم دفع الضرائب، وكان قد تطور هذا الإضراب حيث شارك فيه جميع فئات الشعب، وكان للمرأة الفلسطينية دورا هاما، حيث كان لهن دورا خاصا في العناية بالجرحى والمحتاجين، وفي عملية إيصال الطعام إلى المجاهدين في الجبال، وتنظيم المظاهرات النسائية الواسعة في مختلف المدن والقرى الفلسطينية، وهكذا نرى أن المرأة الفلسطينية ومنذ القدم كانت تسهم إسهاما هاما في نضال شعبنا من أجل الحرية والاستقلال.
بذلت جهود كبيرة من أجل توحيد الأحزاب لإقامة اللجنة العربية العليا، بعد ان رأت نفسها متخلفة عن تطور الأحداث التي تجري على الساحة، خاصة بعد إقامة اللجان القومية في المدن والقرى التي أخذت دورها القيادي، وكان قد ازداد دورها القيادي هذا بعد انعقاد المؤتمر العام لهذه اللجان في السابع من ايار سنة 1936، الذي وحد تحت مظلته مختلف الفئات الشعبية والوطنية بين الجماهير الفلسطينية، وكان نقطة انطلاق جديدة، لأن بوادر الثورة المسلحة كانت قد بدأت تظهر فكانت هذه الوحدة ضرورية من أجل قيادة هذا النضال التاريخي بوحدة صف كفاحية ضد الاستعمار البريطاني وضد العصابات الصهيونية.
إن هذه التطورات الوحدوية بين مختلف فئات جماهير شعبنا في المدينة والقرية، واستمرار الإضراب وتصعيده في الواقع، أدى إلى زيادة الشعور بالقوة الكفاحية الكامنة لهذه الجماهير الشعبية الواسعة، الأمر الذي رفع المستوى الكفاحي، وانتقل بشكل متواصل من الإضراب والمظاهرات الجماهيرية إلى ثورة شعبية مسلحة.
ويقول الرفيق إميل توما في كتابه "جذور القضية الفلسطينية – المجلد الرابع ص 120" حيث يتحدث عن موقف الحركة الصهيونية المعادي: "ولكن ثورة سنة 1936 برهنت طاقة الشعب العربي الفلسطيني وإرادته الجارفة ويأسه في الصمود إمام الإمبريالية البريطانية والصهيونية الدولية، ولا يغير من هذه الحقيقة تصوير المحافل الصهيونية الثورية وكأنها شغب نظمته فئة الأفندية الإقطاعيين"، ويضيف الرفيق إميل حيث يتحدث على لسان جورج أنطونيوس الذي يقول عنه أنه بعيد عن الوعي الطبقي ومن أنصار التعاون مع بريطانيا بأنه قد اقترب من الحقيقة حين كتب: "ليست الثورة (سنة 1936) بعيدة عن أن تكون من صنع الزعماء فحسب، بل هي بشكل واضح جدا تحد لسلطتهم وتجريم لأساليبهم، فإن قواد الثورة ينسبون مصيبة المزارعين العرب في الوقت الحاضر إلى أولئك المالكين الذين باعوا أراضيهم، ويتهمون الزعماء بالإهمال الجاني، لإخفاقهم في منع البيع، إذ لم يكن للفلاحين رأي في معظم تلك البيوت التي أدت إلى إخراجهم من أراضيهم".
(يتبع)



.png)

.png)






.png)

