صراع الأسطورة والحقيقة (9)| توفيق كناعنة

A+
A-
وصف الصورة غير متوفر

أرسلت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية قد في 15/5/1948 مذكرة إلى الأمم المتحدة بشأن تدخل قوات الدول العربية في فلسطين، ومن أجل التوضيح حول سر هذه الوثيقة، سوف أقتبس منها بندين حتى نعرف الهدف الأساسي من هذه الوثيقة، وهي موجودة كاملة في كتاب بيان نويهض الحوث (من ص 843 – 845) "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين". 

جاء في البند الخامس: "إن حكومات الدول العربية مسؤولة عن حفظ الأمن والسلم في مساحتها بوصفها أعضاء في الجامعة العربية، وهي منظمة إقليمية بالمعنى الوارد في أحكام الانتداب وعدم قيام سلطة شرعية تخلفه. قد رأت حكومات الدول العربية نفسها الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، وهذه الحكومات ترى في الأحداث الواقعة في فلسطين تهديدا جديا مباشرا للسلم والأمن في ساحتها عموما، بالنسبة لكل منها بالذات".

البند السادس: "لذلك، ونظرا إلى أن أمن فلسطين وديعة مقدسة في عنق الدول العربية، ورغبة في وضع حد لهذه الحالة وفي منعها من أن تتفاقم وتتحول إلى فوضى لا يعلم مداها أحد، ورغبة في منع انتشار الاضطراب والفوضى في فلسطين إلى البلاد العربية المجاورة، وفي سد الفراغ الحادث في الجهاز الحكومي في فلسطين نتيجة لزوال مضطرة إلى التدخل في فلسطين لمجرد مساعدة سكانها على إعادة السلم والأمن وحكم العدل والقانون الى بلادهم وحقنا للدماء".

 لم يفكر الحكام العرب إلا بأنفسهم، وفكرة التدخل ليست من أجل نصرة الشعب الفلسطيني، بل بالأساس من أجل حماية انفسهم وعروشهم، وكما يفهم من هذا أنهم لا يريدون انتشار الفوضى في بلادهم، ولو كانت حقا "فلسطين وديعة مقدسة في عنقهم" لاستجابوا لطلبات النجدة المتكررة من قبل المقاتلين الفلسطينيين، أو على الأقل لمدوهم بالأسلحة والذخيرة التي كانوا يطلبونها منهم، وكانوا يعرفون جيدا أن القوات الصهيونية كانت قد بدأت باحتلال المدن والقرى الفلسطينية الواحدة تلو الاخرى، وكان الدعم الوحيد الذي حصل عليه الفلسطينيين من قيادات الدول العربية قولهم "ليحتلوا فسوف نخرجهم او نقتلهم"، ولكن الحقيقة المرة أن الذي خرج من دياره وكان يقتل يوميا هو الشعب الفلسطيني، وأن الشيء الذي حدث هو أنه بعد إعلان قيام دولة إسرائيل بأشهر قليلة لملمت كل هذه، التي يسمونها جيوش، ذيولها وهربت، حتى وهم هاربون كانوا يقولون للذين خرجوا من ديارهم "لا تخافوا سوف نعيدكم بعد أسابيع قليلة"، هذا ما كنت اسمعه من الكبار الذين لم يصدقوا مثل هذه الأقوال التي ليس لها أي رصيد على أرض الواقع.

كانت القوة السياسية الوحيدة التي تعمل في الساحة السياسية الفلسطينية التي تجرأت واتخذت قرارا سياسيا مسؤولا وواضحا في تلك المرحلة الحرجة هي عصبة التحرر الوطني، التي أعلنت عن موافقتها على قرار التقسيم في أوائل سنة 1948، وكذلك دعت الجماهير إلى البقاء في الوطن رغم كل الصعوبات، وهذا الموقف الشجاع جاء نتيجة لقراءتها قراءة صحيحة لتطور الأحداث، وفي الوقت نفسه رأت حجم المؤامرة التي حيكت وما زالت ضد شعبنا الفلسطيني حتى ما قبل وعد بلفور المشؤوم من قبل الثالوث المجرم، الاستعمار البريطاني وفيما بعد الأمريكي والحركة الصهيونية العالمية والرجعية العربية الممثلة بالحكام العرب والخونة الذين خانوا الشعب الفلسطيني، اتهموا عصبة التحرر بالخيانة نتيجة لقرارهم الجريء والمتحدي لعصابة الخونة، وها نحن نرى أن ثالوث الخيانة المجرم ما زال يلعب نفس دور الخيانة والتآمر على شعبنا حتى يومنا هذا.

بالرغم من كل المآسي التي مرت على شعبنا، نرى أن هناك البعض من الذين يسمون أنفسهم باحثين يفتشون على مآخذ موهومة على الشيوعيين من أجل معاداتهم، وينسون أو يتجاهلون المسؤول الاول والأساسي عن نكبة شعبنا، إنني اقترح على مثل هؤلاء الباحثين أن يتعمقوا أكثر في بحوثهم لفائدتهم هم ولفائدة الأجيال الشابة، وفي الوقت نفسه لفائدة قضية شعبنا العادلة.

أومن أنه لا يمكن أن يكون وطني صادق ويعادي الشيوعيين، ولكن أن يختلف معهم في بعض وجهات النظر فهذا أمر طبيعي جدا ومقبول، ولكن من يعاديهم فأنا أشك في وطنيته.

"انتهاء الحرب وبداية واقع جديد"

لقد انتهت ما سميت بالحرب بين العرب والحركة الصهيونية في أواخر سنة 1948، ولماذا اقول سميت؟ لأنها كانت بين قوى تملك الجيش المنظم وجميع أنواع الاسلحة المتطورة بالنسبة لتلك المرحلة، بينما الطرف الآخر الذي هو الشعب الفلسطيني لم يكن يملك من الأسلحة إلا البارودة وبعض المدافع القليلة الموجودة لدى شباب المقاومة الفلسطينية في مختلف المدن والقرى. والتي سميت الجيوش العربية وما سمي بجيش الإنقاذ، لم تقم بأي عملية عسكرية جدية ولا حتى الدعم بالأسلحة لرجال المقاومة الفلسطينية، وأذكر أن هناك عدد من القرى التي بقيت تقاوم بإمكانياتها المحدودة حتى شعرت وبشكل واضح خيانة الجيوش العربية وجيش الانقاذ، وبدأوا بالانسحاب من فلسطين. من هنا، أصبح شك هذه الجماهير يقينا من خيانة هذه القوى للقضية الفلسطينية، ولذلك رأت هذه القرى الاستسلام للقوات الإسرائيلية، ومن بين هذه القرى التي استسلمت في الشهر العاشر من تلك السنة سخنين وعرابة ودير حنا. وجرى اعتقال عدد من شباب هذه القرى لعدة أشهر، هذا من الناحية العملية.

انتهت هذه الحرب، بعد أن نفذت القوات الصهيونية خاصةً في أوائل سنة 1948 أبشع الجرائم بحق السكان المدنيين في عدد من القرى والمدن العربية وتدميرها، وفي الوقت نفسه، جرى تدمير أكثر من خمسمائة قرية وتهجير سكانها، وهكذا قامت اسرائيل على أنقاض المدن والقرى العربية، وعمليا كانت أكبر عملية إجرامية ارتكبت بحق شعب مسالم لم يعتد على أي شعب آخر خلال آلاف السنين التي عاشها في هذا الوطن الذي كان وما زال لا وطن له سواه.

الحقيقة، إن أفضل تلخيص لهذه الحرب ما جاء في كتاب الرفيق اميل توما "جذور القضية الفلسطيني" التي لخصها في عدة نقاط (ص 349 – 350):

"أولا - قامت إسرائيل على مساحة من فلسطين أوسع من المساحة التي رسمتها الأمم المتحدة في قرارها.

ثانيا – لم يتمكن الشعب العربي الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني، أو على المساحة التي أفردها قرار التقسيم.

ثالثا – ضمت مملكة شرق الأردن المناطق الفلسطينية الباقية من المساحة المعدة للدولة الفلسطينية العربية، وأنشأت المملكة الاردنية الهاشمية.

رابعا – أدت الحرب إلى تشريد الجزء الأكبر من الشعب العربي الفلسطيني.

خامسا – أصبحت القضية الفلسطينية قضية صراع بين إسرائيل والدول العربية، وخاصة المجاورة".

يضيف الرفيق إميل توما حيث يقول: "وهذه النتائج اكتسبت شرعية دولية حين وقعت لبنان وسوريا وشرق الأردن اتفاقيات هدنة مع إسرائيل، بين 24 شباط 1949 مع مصر و20 تموز مع سوريا، وكانت أخطر هذه الاتفاقات، اتفاق الهدنة مع شرق الاردن (11/4/1949)، فحسب هذا الاتفاق الذي وقع في رودوس سلمت شرق الأردن التي كانت تحتل المثلث 14 قرية ومزرعة في قضاء طولكرم، و12 قرية في قضاء جنين، مع مساحة واسعة من الأراضي إلى اسرائيل، وبذلك قلصت المناطق الفلسطينية التي كان قد تقرر أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية العربية المستقلة".

وكانت بيان نويهض الحوث قد ذكرت في كتابها (ص580) "القيادات والمؤسسات السياسية في فلسطين"، عن أن الأمير عبد الله كان قد اجتمع مع غولدا مئير، حيث تقول: "في تشرين الثاني شهر التقسيم، قابل الملك مندوبة الوكالة اليهودية غولدا مايرسون (غولدا مئير فيما بعد)، وتباحثا معا حول التقسيم الذي كان لا يزال يناقش في الجمعية العامة، وأخبرها أنه سيأخذ القسم العربي من فلسطين لأنه لن يسمد لدولة عربية ان تنشأ فيه" وقال ايضا: "كلانا يواجه خصما مشتركا يقف عقبة إزاء خططنا وهو المفتي".

أترون أبعاد المؤامرة على شعبنا؟ وقد سلم عبد الله قسمًا من الأراضي لإسرائيل، وفي اعتقادي، ذلك لأنه لم يكن يريد أن تكون اكثرية فلسطينية في مملكته، خوفا من المستقبل من إمكانية إقامة دولة فلسطينية على هذه المساحة التي بقيت من فلسطين في تلك الفترة.

(يتبع)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشارع، اليوم، ليس خيارًا… بل واجبًا

featured
د جهاد حمداند
د جهاد حمدان
·2026-01-11 08:24:31

خسرتُ حمارا نبيلا ... لكنني سأربح معركة الحياة

featured
وهيبة زيادو
وهيبة زياد
·2026-01-12 10:11:56

الأرشيف العائلي الفلسطيني: ذاكرة لا تُقدَّر بثمن

featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين