إن الحركة الصهيونية ومنذ تأسيسها سنة 1898 كانت تدعي العلمانية، ولكنها في الحقيقة، قد تبنت بشكل واضح ومطلق الفكر الديني المتمثل بفكر "العهد القديم" الأسطوري، وهكذا عمليا، نرى أن الأعمال التي قامت بها الحركة الصهيونية منذ تأسيسها وحتى يومنا هذا لا تختلف في جوهرها عن الأعمال التي نفذت بحق السكان الأصليين في هذه البلاد، وكله تحت شعار الدين والوعد الرباني الذي يدعونه.
إن اللعب بالمشاعر الدينية من قبل القوى السياسية هو من أسوأ وأحقر الأساليب التي يتبعها السياسيون اليوم من مختلف الديانات، لكي يحققوا مآربهم وأهدافهم السياسية العدوانية والاستعمارية ضد الشعوب الأخرى التي تعيش على أرضها منذ آلاف السنين.
إن الحركة الصهيونية الممثلة اليوم بحكام إسرائيل قد عملت بشكل واضح ومبرمج حتى ما قبل وعد بلفور المشؤوم من أجل إخلاء السكان الأصليين من وطنهم، ولذلك قاموا بقتل وترحيل وتطهير عرقي ضد شعب مسالم يعيش على أرضه منذ آلاف السنين، وهذا كله تحت شعار وعد الرب.
إن نجاح الأسطورة الدينية المزيفة التي اخترعوها في مرحلة معينة على حساب الواقع التاريخي الذي عاشه وما زال يعيشه في هذه البلاد الشعب العربي الفلسطيني، ما هو إلا مؤقت للأسطورة التي لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية، لأنه مهما ألبسوا هذه الأسطورة اللباس الديني والوعد الرباني، وفكرة أنهم شعب الله المختار وتفضيلهم على العالمين، وكل هذه المقولات المزيفة على لسان الرب، فإن الرب منهم بريء، لأن الرب خلق جميع شعوب الأرض وهو المسؤول عن جميع هذه الشعوب التي خلقها، وهو رب عادل، لذلك من الطبيعي ألا يميز بين الشعوب التي خلقها.
إن الشعب الفلسطيني قد ظلم وانتكب وقتل وهجر من وطنه، ولم ولن ينسى هذا الواقع المأساوي مهما طال الزمن، ومن الواضح أنه لا يمكن لأي قوة مهما بلغت جبروتها أن تمنعه من أن يستمر في مقاومته من أجل استرداد حقه التاريخي والإنساني، ولن يتخلى عن هذا الحق على هذه الارض التي هي وطنه الوحيد، لأن التاريخ القديم والحديث وحتى القوانين المسماة "دولية" تؤكد بشكل واضح بأن الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول على هذه الأرض، ولا يمكن لأي وعد إن سمي إلهيا أو "بلفوريا" أن يغيب هذا الحق التاريخي لهذا الشعب في وطنه.
من المعروف تاريخيا أنه لولا الدعم غير المحدود من قبل ثلاثي شر الاستعمار والصهيونية العالمية والرجعية العربية، هذه القوى التي تآمرت وما زالت تتآمر على الشعب الفلسطيني وعلى حقه في الحرية والاستقلال، لما كان من الممكن أن تقوم دولة اسرائيل على هذه المساحة الواسعة من فلسطين، ولذلك ونتيجة لهذا الدعم غير المحدود لم ينفذ أي قرار من قرارات الأمم المتحدة التي اتخذتها المنظمة الدولية منذ قرار التقسيم غير العادل سنة 1948 وحتى يومنا هذا، هذه القرارات المرتبطة في قضية حق الشعب العربي الفلسطيني في وطنه وحقه في إقامة دولته المستقلة الى جانب دولة اسرائيل.
إن حكام إسرائيل باعتمادهم على القوة وعلى دعم قوى الشر في العالم لم يكن لديهم أي نية بالتوجه نحو السلام، بل في الواقع كان وما زال توجههم نحو الحرب والتوسع، ليس فقط على حساب أراضي الشعب العربي الفلسطيني، بل أيضا على حساب أراضي الدول العربية المجاورة، هذه هي سياستهم كانت وما زالت في هذا الاتجاه العدواني. في مرة واحدة، برز زعيم إسرائيلي فكر بشكل عقلاني نسبيا من أجل الوصول إلى السلام، وبدأ خطوته الأولى في هذا الاتجاه، ولكنهم اغتالوه، ومنذ عملية الاغتيال هذه، هم فعلا اغتالوا السلام.
إن الواقع يؤكد أنه منذ اغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين وحتى يومنا هذا نرى أن الاتجاه في إسرائيل أخذ يتجه أكثر وأكثر عدوانية وعنصرية، وإلى السيطرة المطلقة لقوى اليمين الفاشي داخل المجتمع الاسرائيلي، حتى أننا نرى في هذه المرحلة الانهيار الكامل لليسار في إسرائيل، والذي كان يسمى باليسار الصهيوني، وفي الوقت نفسه، زواله عن الخارطة السياسية داخل إسرائيل، ولم يبق من قوى يسارية حقيقية على الساحة السياسية في إسرائيل سوا الحزب الشيوعي والجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة.
أمام هذا الواقع المتغير من سيء إلى اسوأ على الخارطة السياسية في إسرائيل، نرى أن سيطرة القوى اليمينية، وخاصة قوى المستوطنين والأحزاب اليمينية، أدت إلى استمرار سيطرة حزب الليكود على الحياة السياسية في البلاد بزعامة نتنياهو إلى أكثر من عشر سنوات متتالية، هذا الإنسان الذي يتميز بالعنجهية والاستعلاء، الأمر الذي أدى إلى قبر وتحطيم أي فكر اتجاهه نحو السلام في هذه المنطقة على المدى القريب، وفي ظل أسوأ حكومة خلال وجود دولة اسرائيل، وأسوأ رئيس حكومة لحكومات إسرائيل المتعاقبة، والأهم من ذلك، أن رئيس الحكومة هذا متهم بثلاثة ملفات فساد وخيانة للأمانة، ورغم كل هذا، فإن حزبه ما زال متمسكا به رغم سياسته التي أخذت الجماهير في إسرائيل إلى ثلاثة انتخابات متتالية خلال سنة واحدة تقريبا، وكل هذه السيناريوهات البهلوانية حتى يتخلص من المحاكمات المتهم فيها بقضايا الفساد. وكذلك، هناك خطر جدي أن يجر البلاد إلى انتخابات خامسة، وبهذا يجر إسرائيل إلى مغامرات خطيرة على مستقبلها، والشيء المؤسف والخطير في هذه المرحلة، أنه لا توجد قيادة منافسة لأي حزب سياسي على الساحة السياسية الإسرائيلية.
نقول كفى، ويجب التوقف عن هذه السياسة المدمرة، ومن واجبنا التوجه إلى سياسة السلام العادل والدائم مع الشعب العربي الفلسطيني، ولكن الشيء المؤسف أنه لا يوجد لهذه القيادات تفكير عقلاني، بل أكثر من ذلك، يتسابقون فيما بينهم على من هو الأكثر يمينيا والأكثر تطرفا، من خلال إطلاق التصريحات الأكثر عنصرية والأكثر يمينية.
ومن هذا الواقع الذي نعيشه، أرى أن هذه القيادات الحالية لهذه الأحزاب الإسرائيلية في الواقع هي الأكثر خطورة ليس فقط على باقي شعوب هذه المنطقة، وإنما على الشعب الإسرائيلي نفسه.
إن التجربة تؤكد أن اتفاقيات السلام التي عقدت في الماضي مع مصر والأردن لم تجلب السلام، واليوم مهما عقدوا من اتفاقيات والتي تسمى اتفاقيات سلام مع دول الخليج والسعودية، لم ولن تجلب السلام، لأن قيادات هذه الدول مجرورة من أنوفها من قبل أمريكا، الحقيقة الواضحة وضوح الشمس، هي أنه لن يكون سلام في هذه المنطقة دون الاعتراف بحق الشعب العربي الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس العربية.
- تلخيص بسيط جدا
إن كل الاساطير الملفعة باللفاع الديني لا يمكن أن تصمد أمام الحقائق التاريخية، مهما حاولوا تزوير تاريخ هذه الأرض، أنها كانت منذ آلاف السنين تسمى أرض كنعان، وقد عاش الكنعانيون على هذه الأرض قبل وجود موسى وقومه بألفي عام، وأن قوم موسى دخلوا هذه الأرض كمحتلين، ومن خلال احتلالهم لهذه الارض أرادوا إبادة الكنعانيين والأقوام الأخرى التي كانت تعيش على هذه الأرض بأمن وسلام خلال حقبة طويلة من الزمن، وفي تلك المرحلة، كان من المعروف أيضا أن قوم موسى قد استفادوا من الحضارة الكنعانية التي هي من أقدم الحضارات في العالم.
بالرغم من عمليات الإبادة التي قام بها يهوشواع بن نون عند دخوله أريحا، أقدم مدينة كنعانية في العالم، وعمليات الإبادة التي جرت هناك في تلك المرحلة، تؤكد الحقائق أنه لا يهوشواع بن نون ولا مملكة داود وسليمان استطاعوا أن يبسطوا سيطرتهم على كل أرض فلسطين، وهذا يعني أن قسما هاما من الكنعانيين والأقوام الأخرى استمرت بالعيش على أقسام هامة من أرض فلسطين بعد زوال مملكة داود وسليمان، وأن الشعب العربي الفلسطيني هو في الحقيقة امتداد لأجداده الكنعانيين على أرض كنعان التي هي فلسطين.
إن احتلال أرض كنعان الأول الذي جرى منذ آلاف السنين قد زال، والذي جرى تحت شعار الوعد الإلهي، وقد جاء من بعده احتلال البابليين واحتلال الفرس، والرومان والعثمانيين والبريطانيين، وجميعها زالت، ومن الحتمي والواضح أن الاحتلال الإسرائيلي سيزول مهما طال، ومهما سربلوه باللباس الديني والوعد الرباني الأسطوري الذي يدعونه، فإن الحركة الصهيونية الممثلة اليوم بحكام إسرائيل يدعون أنهم كانوا هنا قبل ألفي عام، وأنهم ورثة مملكة داود وسليمان وكثير من المملكات والإمبراطوريات التي قد مرت وزالت على مر التاريخ، والسؤال الذي يسأله كل إنسان عاقل وذو ضمير حي، ما ذنب أولئك الذين عاشوا بها؟ وقسم منهم ما زال يعيش هنا، ومنهم من هجر من وطنه وما زال يحمل مفتاح بيته، هل يمكن لهؤلاء أن ينسوا وطنهم، والذين لم يعرفوا وطنا آخر على مر التاريخ ولا وطن لهم سواه، ويعرفون كل ذرة تراب فيه وكل أنواع نباتاته التي تنبت على هذه الارض الطيبة؟ حتى الطفل الفلسطيني يعرف جيدا مكان قرية جده وأبيه، ويعرف مواقع بيوتهم، فكيف تريدون منهم أن ينسوا وطنهم وتاريخهم؟
إن حلمكم هذا لن يتحقق مهما طال الاحتلال، وإن الشعب الفلسطيني لم يأت إلى هنا من مختلف أقطار العالم واخترعوا له اسم شعب، بل هو شعب منغرس هنا منذ فجر التاريخ في هذا الوطن.
إن عقد الاتفاقيات التي يسمونها "اتفاقيات سلام" مع أنظمة لا تملك إرادتها ولا قراراتها الذاتية، بل هي منقادة من قبل سيدها الأمريكي الذي ينهب خيراتها، يأتي تحت شعار الأمن والحماية من العدو الذي اخترعته أمريكا وإسرائيل، والذي هو إيران كما يدعون.
إن جميع الحركات البهلوانية التي يقوم بها نتنياهو أمام العالم وأمام شعبه من كذب وتزوير، وادعائه باتفاقيات سلام مع بعض الدول العربية، بالإضافة إلى تسويق نظرية التطبيع، كل هذا يجري مع حكام يأتمرون بأوامر أمريكية، هذا السلام وهذا التطبيع يجري فقط بين الحكام وليس مع الشعوب العربية الذين يرفضون سياسة حكامهم. إن كل هذه العمليات لم تنقذ نتنياهو من ورطات الفساد التي وقع فيها، وإن هذه الأعمال لم ولن تجلب السلام لإسرائيل ولشعوب هذه المنطقة.
إن السلام الدائم والشامل والعادل يجري فقط مع أصحاب الحق على هذه الأرض، هم الشعب العربي الفلسطيني، ومن الواضح والمؤكد أنه لا يمكن أن يكون هنا في هذه المنطقة من العالم أي سلام عادل ودائم دون إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس العربية، هذا هو فقط الطريق الواقعي والحقيقي نحو السلام العادل والشامل، وفي الوقت نفسه، الطريق الإنساني لوقف سفك دماء الأبرياء في هذه البلاد، ومن المهم جدا أن يجري ذلك في أسرع وقت ممكن، ومن أجل وقف زهق أرواح أخرى من أبناء شعوب هذه المنطقة، ومن أجل وقف جشع حكام إسرائيل في استمرارهم في سياسة الحرب والعدوان اليومي على الشعب العربي الفلسطيني، واستمرارهم في احتلال الأراضي الفلسطينية، فنحن نعرف جيدا حتمية التاريخ محليا وعالميا، أنه لم يدم أي احتلال على مر التاريخ، وأن كل احتلال ذاهب إلى الزوال مهما طال زمنه. أنا شخصيا، أرى أن الاحتلال الاسرائيلي المعتمد على القوة يقترب زواله أكثر فأكثر يوما بعد يوم، وأختتم بما قاله الرفيق القائد والشاعر توفيق زياد من بعض أشعاره المشهورة:
إن من يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما
إذا الميزان مال
وقال أيضا:
العبوا بالنار ما شئتم
فلا.. حق.. يموت
وحق شعبنا العربي الفلسطيني على هذه الأرض حتما لن يموت، حتى لو عقدت كل الاتفاقيات التي تسمى "اتفاقيات سلام" مع جميع الحكام العرب الحاليين، لأنهم في الحقيقة كانوا وما زالوا متآمرين على هذا الشعب الجبار، وهم جزء من الثالوث الدنس، الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية، وفي النهاية، شعبنا حتما سينتصر.
(عرابة – البطوف)



.png)

.png)






.png)

